لقد تكررت هذه العبارة على فم الرب يسوع ست مرات في الموعظة على الجبل، الواردة في إنجيل متى، أص 5، الأعداد 21 – 22، 27 – 28، 31 – 32، 33 – 34، 38 – 39، 43 – 44، من خلالها عالج الرب ست مواضيع أساسية بمقارنة مع العهد القديم: القتل، الزنى، الطلاق، الحنث (الحلف)، الغفران والمحبة. ليس المقصود ب- "أما أنا فأقول..." أن الرب أتى ليناقض أو ينقض المكتوب أو الناموس ... حاشا، ففي الفقرات الأولى من عظته على الجبل أكّد الرب أنه لم يأت لينقض الناموس أو الأنبياء، بل جاء "ليكمل" (ع 17).

كي نفهم المقارنات الست (وليس المتناقضات) التي تحدث عنها السيد لنقف قليلا عند الآية المذكورة، فالتكميل الذي قصده الرب ليس للدلالة على "نقص" في الناموس" لأن "ناموس الرب كامل يرد النفس ..." (مز 19 : 7)، فالناموس أعطي بواسطة موسى "أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا" (يو 1 : 17)، و"صار" هنا أي "أكمل" أو "تمّ"، فالناموس عكس طبيعة الله وعدله، وبما أن الإنسان خاطئ بطبيعته فقد عجز عن تتميم أحكام الناموس وأصبح بحاجة إلى مخلّص. لقد "أكمل" الرب بذبيحة نفسه قربانا عن الخطايا "لأنه بقربان واحد قد أكمل إلى الأبد المقدّسين" (عب 10 : 14)، والنبي أرميا كان قد تنبأ قائلا: "هوذا أيام تأتي يقول الرب حين أكمّل مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدا جديدا" (عب 8 : 8)، ثم يتابع الوحي ويقول: "هذا هو العهد الذي أعهده معهم بعد تلك الأيام يقول الرب أجعل نواميسي في قلوبهم وأكتبها في أذهانهم" (عب 10 : 16، أنظر أيضا من فضلك أر 31 : 31، عب 8 : 10)، فيسوع بعمله الكفاري على الصليب جعل الناموس في قلب كل من يقبله ربا ومخلصا على حياته، وبهذا صار يسوع "ضامنا لعهد أفضل" (عب 7 : 22)، فالقرابين والذبائح التي صنعت في "المسكن الأول" أي خيمة الأجتماع "لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذي يخدم" (عب 9 : 9)، "وأما يسوع وهو قد جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة فبالمسكن الأعظم والأكمل غير المصنوع بيد أي الذي ليس من هذه الخليقة وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبديا" (عب 9 : 11 – 12)، أذن الناموس أقام أناسا بهم ضعف رؤساء كهنة، "وأما كلمة القسم التي بعد الناموس فتقيم أبنا مكمّلا إلى الأبد" (عب 7 : 28). هذا هو "التكميل" الذي وعظ به الرب له المجد.

لقد عالج الرب الخطية من جذورها عندما أتى وقدّم نفسه قربانا عنها كما يعلمنا الكتاب وكما ذكرنا أعلاه، وبنفس الطريقة يعالج الرب المواضيع الست المذكورة، فالقتل يبدأ بالغضب والزنى يبدأ بالنظرة الشهوانية والطلاق يبدأ بوضعه كاحتمال وبديل لحل المشاكل عند الزواج والحنث أو "الحلفان" مصدره نكث العهود والعين بالعين مصدره مقاومة الشر وبغض العدو من بغض أعداء الرب. خلاصة الكلام أن الرب، من ناحية، يعرض الحالة القديمة في العلاقة بين الإنسان والإنسان (المجال الأفقي) ويعالجها بالتعاليم الأساسية المذكورة من الجذور، وبالنسبة للمستوى العمودي في العلاقة بين الإنسان والله فأن قانون "العين بالعين والسن بالسن" هو قانون إلهي يعكس طبيعة الله العادلة (خر 21 : 24) كما يؤكّد عليها الوحي في سفر المزامير 18 : 25 – 26 عندما يصلي داود للرب قائلا: "مع الرحيم تكون رحيما، مع الرجل الكامل تكون كاملا، مع الطاهر تكون طاهرا ومع الأعوج تكون ملتويا"، وبما أن الإنسان عجز عن تتميم تعاليم الناموس فقد سحب الرب يسوع صلاحية تحقيق الناموس من يد الإنسان وأوصانا بأن نحب عدونا الإنسان ونترك الحرب الجسدية التي حاربها شعب إسرائيل قديما وبالمقابل أصبحت "مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع ... أجناد الشر الروحية في السماويات" (أف 6 : 12).

إن فهم هذه الأمور مهم لنعرف كيف نجيب هؤلاء الذين يهاجمون بالأساس العهد القديم، تعاليمه، حروبات إسرائيل وما إلى ذلك، ولنتذكّر أن الرب لهج من العهد القديم واقتبس من آياته والنبوءات التي تكلمت عن مجيئه، وما هذا العهد الا ظل للأمور العتيدة، أي العهد الجديد ومجيء المسيح (كو 2 : 17، عب 8 : 5، عب 9 : 9)، فلا يمكن فصل هذا عن ذاك، فكل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر، لكي يكون إنسان الله كاملا متأهبا لكل عمل صالح (2 تي 3 : 16 – 17).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا