ان الرب الهنا هو إله الأزمنة والأوقات. ان كلمة الله تشدد على أهمية الوقت بقول بولس "مفتدين الوقت لأن الأيام شريرة" (أف 5 : 16). كلمة "افتداء" تؤكد على مدى أهمية الوقت في حياتنا على الأرض، فعلينا أن نناضل لأجل ربح الوقت وعدم هدره هباء، فاللحظة التي تمضي لن تعود، ولذلك فالوقت في غاية من الأهمية بل وأثمن من أغلى سلعة موجودة على الأرض، حتى وان كانت نادرة الوجود لا يمكن أن تضاهي ثمن الدقائق التي تمضي بلا عودة. لو عملنا جولة في إنجيل مرقس للاحظنا بشكل واضح لا يقبل الشك تكرار كلمة "للوقت"، فكل خطوة عملها يسوع كانت بوقتها، لغاية أدق التفاصيل الصغيرة، بدءا بميلاده حتى موته، قيامته وصعوده للسماء.

ان ميلاد السيد المسيح جاء بوقته، سبقته نبوات كثيرة من العهد القديم انبات بمجيئه وولادته من العذراء (مثال – اش 7 : 14، 9 : 6 – 7، تك 49 : 10)، وبمجيئه اكرم الزمان الاخير "طريق البحر عبر الاردن جليل الأمم" (أش 9 : 1). لقد أعلن الله للمجوس عن زمان ولادة يسوع، فأتوا من المشرق البعيد قاطعين أميالا هائلة لكي يروا المولود ملك اليهود (متى 2 : 1 – 12). كما دل النبي دانيال عن زمن مجيء المسيح "قدوس القدوسين" (دا 9 : 24)، والوحيد القادر أن يغيّر الأزمنة والأوقات هو الله وحده (دا 2 : 21).

في مثل هذه الأيام تعيّن زمان ولادة رب المجد يسوع، ويسميها الوحي الكتابي في رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية بأيام "ملء الزمان" عندما قال: "ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة مولودا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني" (4 : 4 – 5)، تلك الأيام التي فيها تم مجيء المسيح على الأرض آخذا صورة إنسان من عذراء بعدما حل الروح القدس عليها (لو 1 : 35)، فكما ذكرنا، للرب أزمنة وأوقات معيّنة يختارها بحسب حكمة القدير، قد لا نفهم اختيارها احيانا ولكنها بلا شك دقيقة وفي آنها، بنفس الطريقة يختار الرب الزمان المناسب ليعطينا "العون في حينه" (عب 4 : 16). اذا تمعنّا في الآية المذكورة في رسالة غلاطية نلاحظ انها تبتدئ ب- "ولكن" للدلالة على وجود معضلة ما في الآيات التي سبقتها تحتّم ايجاد حل، فنقرأ في الأعداد التي سبقت اعلان مجيء ملء الزمان بميلاد يسوع بموضوع الميراث والوصي أي الذي يوصي بأملاكه قبل موته (الأعداد 1 – 3)، فيقول ان الابن القاصر، أي الذي لم يصل سن البلوغ، لا يفرق شيئا عن العبد بل هو خاضع لأوصياء ووكلاء الى الوقت المؤجّل من أبيه، "هكذا نحن أيضا لما كنا قاصرين كنا مستعبدين تحت أركان العالم" (ع 3)، وبعدها يعلن مجيء ملء الزمان عندما أرسل الله أبنه يسوع الى العالم، فلو لم يولد المسيح لبقينا قاصرين ومستعبدين تحت أركان العالم والخطية. من المهم أن ننتبه أن المسيح ولد من امرأة تحت الناموس ليفتدي الذين هم تحت الناموس لننال التبني، فإن "الحديد بالحديد يحدّد والإنسان يحدّد وجه صاحبه" (أم 27 : 17) ولا يمكن أن الله يفدي البشر بدون تجسّد وأخذ صورة البشر، لهذا السبب لم يأت الرب يسوع من السماء مثلا، فالله قصد أن يولد المسيح من بشر ليكون هو أيضا تحت الناموس، وعندها وفقط عندها بالإمكان فداء الجنس البشري من سلطة الناموس لننال البنوية، وبالتالي لسنا بعد عبيدا بل أبناء، وبما أننا أبناء فنحن وارثون لله بالمسيح (غل 4 : 7). من هنا نفهم أن رب المجد يسوع ولد ليفدي البشر من الخطية، ولكي يفعل ذلك مات على الصليب وقام غالبا الموت، لقد ولد يسوع ليموت كي ننال نحن الحياة، اذن فيسوع ولد ليعطينا حياة وليكون لنا أفضل (يو 10 : 10). ان ميلاد المسيح مربوط بموته، فلا يمكن فصل هذا عن ذاك، والا فسيبقى يسوع مجرد طفل مغارة لا حول له ولا قوة.

في هذه الأيام يحتفل الملايين بميلاد المسيح، فنراهم يضعون الزينة على أشكالها داخل وخارج بيوتهم، بالاضافة للأموال التي تصرف على الهدايا واللباس والحفلات والطعام والشراب والنزهات وما الى ذلك، وما أن ينتهي العيد حتى يعودوا الى حياتهم الروتينية وأشغالهم ومشاكلهم، ويبقى يسوع الطفل القابع في مغارة بيت لحم ليس الا، وستتم زيارة هذا "الضيف" في العيد المقبل.

أخي وأختي العزيزين، أما حان الوقت الذي فيه نصنع مغارة لرب المجد في قلوبنا، فينمو طفل المغارة في حياتنا، ألم يأت الزمن الذي فيه يتحوّل يسوع الى مقيم دائم في حياتنا وليس مجرد زائر عابر، فبدون ذلك لن ننال التبني والميراث وسنبقى قاصرين تحت أركان العالم والخطية.

ليتنا نملّك يسوع على حياتنا، عندها سيكون الاحتفال بميلاده حقيقيا، عالمين أن ميلاده كان لفدائنا، تبنينا ومنحنا الميراث مع جميع القديسين، فهوذا الآن وقت مقبول وهوذا الآن يوم خلاص (2 كو 6 : 2).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا