إن المثلّث الهندسي، أيّاً كان شكله؛ يفقد جميع خواصّه إذا ما تمّ تجريده من أحد رؤوسه أو تلاشت إحدى زواياه أو اٌنكسر أحد أضلاعه. هذا ما يحصل للإنسان إذا ما غاب عن الوجود أو فقد عقله أو توقف القلب عن نبض الروح فيه. فالذات الإنسانية كينونة حقيقية أو وجود له صورة يمكن رسمها أو تصويرها لتحديد معالمها بدقة. والعقل هو المسيطر على جميع أقوال الإنسان وأفعاله وإحساسه. أمّا القلب فهو المسؤول عن ديمومة الروح في جميع خلايا الجسد وحواسّه. لذا يمكن القول أن الإنسان مثلث الخواصّ؛ بوجوده وعقله وروحه، إنّ خواصّه هذه هي ثالوثه الذي تُعرَف من خلالها هويّته ومعالم شخصيّته وصفاته، لكنّه يفقد كلّ شيء إذا ما تمّ تجريده من إحداها. أمّا الثالوث الإلهي فشبيه بالثالوث الإنساني باستثناء فروق ثلاثة؛ الأوّل: إن الثالوث الإلهي كامل ومقدّس وطاهر أمّا الثالوث الإنساني فليس كذلك بدون المسيح. الثاني: إنّ الثالوث الإلهي أزلي وأبدي أمّا الإنساني فمحدد بزمان ومكان. الثالث: إنّ الذات الإلهية غير مرئيّة من جهة الإنسان على خلاف الذات الإنسانيّة المرئيّة من جهة الله ومن جهة الإنسان والحيوان.

وسوف أركّز فيما يلي على الفرق الثالث (الرؤية) لأنه موضع خلاف؛ هناك في الطبيعة وجود لكائنات حيّة غير مرئيّة إمّا بسبب صغر حجمها كالڤيروسات أو بسبب البيئة التي تعيش فيها. فالبحر- مثالاً- ما استطاع الإنسان أن يتعرّف إلى عدد كبير من الكائنات البحريّة لولا الغوص في أعماقه وسبر أغواره. ولا استطاع أن يكتشف الجاذبيّة والمغناطيسية وأن يضع قوانين لها وللموجات الضوئيّة والصوتيّة والحرارية والكهربيّة... إلخ لولا تفكيره فيما يحيط به وفيما يدور حوله، قريباً منه أو بعيداً عنه. فالڤيروسات موجودة والطاقة موجودة والفعل موجود وردّ الفعل موجود. لعلّ ما بقِيَ هو قدرة الإنسان على التفكير وعلى الإكتشاف وعلى اختراع السبل الكفيلة بالوصول إلى غاية منشودة وإلى حادثة مرتقبة. وهذا ما زاد في إيمان العلماء المسيحيّين بعظمة الله؛ مثل الفرنسي پاسكال والإنگليزي نيوتن والسكوتلاندي ماكسويل وغيرهم. أمّا أينشتاين فقد ذُهِل أمام هندسة الكون حتى قال: (أريد أن أعرف أفكار الله، والباقي تفاصيل) وهو القائل: (إثنان لا حدود لهما؛ الكون وغباء الإنسان، لكني لست متأكداً من الكون) علماً أنه كان يهوديّاً غير متديّن.

وفي الحياة أمثلة واقعيّة حول الرّؤية والبحث والتأمّل، منها أنّي يوم كنت فتىً يافعاً تعلّمت أنّ للأرض أنموذجين من الحركة، هما دورانها حول محورها ودورانها حول الشمس. لكنّي حين تقدّمت في الدراسة أعدت التأمّل في تأثير الأجرام السماوية المختلفة على الأرض. فعلِمْت بعد بحث واجتهاد أن للأرض حركات أخرى مختلفة.

ومنها أنّي في بداية مواظبتي على حضور قدّاس الأحد، سألت كاهن كنيستي عن الله. قال لي: إعتبر الله صديقاً لك، هل تستطيع أن تتعرّف إلى صديقك وترسم صورة في ذهنك لشخصيته ما لم تتقرّب إليه؟ قلت: كيف أتقرّب إلى الله؟ قال: طريقك الوحيد هو كتاب الله، الكتاب المقدّس، يَسّرهُ الله للإنسان كنزاً ثميناً وينبوعاً دافقاً بالحياة، تجب قراءته قراءة موضوعيّة مختلفة عن مطالعة الصحف والمجلّات، إنما وجبت دراسته بجديّة وعمق وبحث متواصل. كان الإنسان القديم يخاف الله لأنّه لم يعرف الله جيّداً، لم يعِش مع الله طويلاً بل طالما ابتعد عنه وزنى فاتّبع آلهة من صنع الإنسان ومن خياله. ولولا أنّ الله أحبّ الإنسان وتحنّن عليه وتنازل من أجله بشخص يسوع المسيح لبَقِيت صورة الله مبهمة وملتبسة وغامضة إلى يومنا هذا. قلت: لقد سمعت عن الله كثيراً. قال: إبحث بنفسك كي تدحض الشكّ باليقين، الشائعات كثيرة والأصدقاء قليل.

ولا يغيب عن قرّاء العهد الجديد ما ورد في الإنجيل بتدوين يوحنّا، حول التماس فِيلُبُّس إلى يسوع ليُريَهُ الآب: {قال له فِيلُبُّسُ: يا سيّد أرِنا الآبَ وكفانا. قال له يسوع: أنا معكم زمانا هذه مدّتُهُ ولم تعرفني يا فِيلُبُّسُ! الذي رآني فقد رأى الآب، فكيف تقول أنت: أرنا الآب؟} - يو 14: 8-9

أمّا جعل معرفة الله سابقة لرؤيته فهو قرار إلهي. إذ لم يُمَكِّنِ اللهُ الإنسان من رؤيته لسببين؛ أوّلهما: إسم الخالق ومنزلته؛ فمكتوبٌ في سِفر إشعياء 8:42 أنّ مَجْد الله لا يُعطى لآخر. ومكتوب في السّفر عينه أيضاً أن لا إله غيره: {هكذا يقول الربّ مَلِك إسرائيل وفاديهِ ربّ الجنود: أنا الأوّل وأنا الآخِر ولا إله غيري} - إش 6:44

ثانيهما: نور الله؛ لا يستطيع الإنسان تصويب نظره إلى الشمس مباشرة، بدون وسيلة تقي عينيه من شدّة توهجها. فكيف يطيق رؤية النور الإلهي الذي تتفوق شدّته على قابليّة العين البشريّة، مهما اخترع من وسائل وقائيّة؟ نقرأ في التوراة: {ثم قال: أنا إله أبيك إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب. فغطّى موسى وجهَهُ لأنهُ خاف أن ينظر إلى الله} – سِفر الخروج 6:3 بل أعلن الله صراحة لموسى النبيّ: {وقال: لا تقدِر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش} - الخروج 20:33 إذاً لا يستطيع الإنسان رؤية الله إلّا إذا أعطى الله للإنسان جسداً جديداً، نورانيّاً، مثل جسد المسيح بعدما قام من الموت. وقد حظِي تلاميذ المسيح وآخرون وأخريات برؤية جسد المسيح النوراني أمامهم وأمامهنّ سواءٌ على الأرض وخلال صعوده إلى السّماء. قال السيّد المسيح ربّ المجد: {وأنتم أيضًا، فإنكم الآن في حزن، ولكنّي سأراكم مِن جديد، فتفرحُ قلوبُكم؛ وفرحُكم هذا، لا يقدِرُ أحدٌ أن ينتزعَهُ منكم} يو 22:16

لقد بدأ الإنسان يتعرّف إلى ثالوث الله تدريجيّاً، إذ أشار العهد القديم إليه في آيات عدّة؛ منها الوارد في أوّل الكتاب المقدّس: {في البدء خلق الله السماوات والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرفّ على وجه المياه. وقال الله: ليكن نورٌ. فكان نور} - تكوين 1:1-3 أي أنّ الله [الموجود] خلق بكلمته [ليكُن] السماوات والأرض وكان [روح الله] يرفّ على وجه المياه. ذلك مع إيمان شعب الله منذ القديم بوحدانيّة الله، ففي التوراة: {إسمع يا إسرائيل: الربّ إلهُنا ربّ واحد} – سِفر التثنية 4:6 وفي الإنجيل: {أنت تؤمن أنّ الله واحد. حسناً تفعل... إلخ} – رسالة يعقوب 19:2 وذلك كله على سبيل المثال لا الحصر.

لكنّ معرفة ماهيّة الله أصبحت أكثر وضوحاً في العهد الجديد أي بعد مجيء المسيح إلى الأرض وقيامته من الموت وارتفاعه إلى السماء. نقرأ في بداية الإنجيل بتدوين يوحنّا: {الله لم يرَهُ أحدٌ قطّ. الإبنُ الوحيدُ الذي هو في حِضْن الآب هو خبّر} - يوحنّا 18:1 أي أنّ المسيح الذي مِن جوهر الله هو مَن خبّر الإنسان عن الله. وهذا منطقيّ جدّاً فلولا أنّ المسيح مِن جوهر الله لما استطاع أن يُخبّر عن الله ولا استطاع أن يعمل أعمال الله. نقرأ أيضاً: {قلت لكم هذا كلّه بالأمثال. وتجيء ساعة لا أحدّثكم فيها بالأمثال، بل أحدّثكم عن الآب بكلام صريح} - يوحنّا 25:16 إذاً المسيح هو الله الظاهر عِياناً بجسد إنسان كامل قدّوس (بلا خطيئة) مولوداً خير مخلوق.

أمّا الآيات التي أشارت إلى الثالوث الإلهي في العهد الجديد فكثيرة وإن لم ترد كلمة “ثالوث” حرفيّاً في الكتاب؛ منها ما شمل الآبَ والابن والروحَ معاً أي الثالوث الإلهي: {فلمّا اعتمد يسوع، خرج على الفور مِن الماء؛ وإذا السماواتُ قد انفتحت له، ورأى روحَ الله ينزل بشكل حمامة، ويَحِلّ عليه. وإذا صوتٌ من السماوات يقول: "هذا ابني الحبيب، الذي به سُررت} – متّى 3: 16-17 ومنها ما أشار إلى كلّ أقنوم من الأقانيم الثلاثة على حدة، يمكن العثور عليها بالبحث والتدقيق وإن لم ترد كلمة “أقنوم” حرفيّاً.

أمّا أحد المعترضين الذي طلب إشارة حرفيّة إلى الثالوث في الكتاب المقدّس فلعلّه يستجيب إلى دعوة الإله الحقيقي، هذا بعد قراءته التالي من لسان السيّد المسيح في أعقاب قيامته من الموت: {فتقدّم يسوعُ وكلمّهم قائلاً: دُفِعَ إليّ كلّ سلطان في السّماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمِذوا جميعَ الأمم وعمِّدوهم باٌسم الآب والابن والروح القدس. وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى اٌنقضاء الدهر. آمين} – آخِر الإنجيل بتدوين متّى- فليتأمّل المعترض في قول المسيح “باٌسم” لم يَقُلْ “بأسماء” أي أنّ الثلاثة {الآب والابن والروح القدس} هُم واحِد. ليس هذا فحَسْب، بل مكتوب في رسالة يوحنّا الأولى 7:5 {فإنّ الذين يشهدون في السّماء هم ثلاثة: الآب، والكلمة، والروح القدس. وهؤلاء الثلاثة هم واحد} – راجع أيضاً البشارة بحسب يوحنّا 18:8 و 26:15.

علماً أنّ المسيحيّين لم يعقلوا وحدانيّة الله وثالوثه المتساوي بالجوهر من إنسان، إنما أدركوا ذلك من آيات الكتاب المقدّس. فلا يمكن التوصّل إلى فهم جوهر الله، إلى حدّ ما، بدون ثالوثه. ولا يُعقل أن تكون الذات الإلهية بلا عقل أو بلا روح- حاشا- وهذا ببساطة واختصار هو معنى الثالوث الإلهي المقدّس منذ الأزل وإلى الأبد. آمين

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا