معرفة الخير والشر، أو التمييز بين الخير والشر ثم القدرة على إختيار الخير. هذا أمر تريده كل الناس. فالكل يسعى لكي يعرف كيف يختار الخير ويبتعد عن الشر. السؤال الذي يؤرق الجميع هو كيف أعرف ما هو الخير بالنسبة لي؟ ويدور الجميع يسألون أصحاب الخبرات القديمة والمتخصصون ورجال الدين والعرافين بغرض معرفة ما هو الطريق الصحيح الذي يجب أن يختاروه لكي يجدوا الخير، هذا على المستوى الشخصي.

أما على المستوى الجماعي، فتنفق الشركات والهيئات والمؤسسات والحكومات والأمم المتحدة مليارات الدولارات سنوياً لكي يحددوا ما هو الإتجاه الصحيح الذي يجب عليهم أن يسلكوه لكي يجدوا الخير. وهناك شركات خاصة ومؤسسات خاصة تتضلع بهذه المهمة الإستشارية لكي تنصح من يريد أن يجد الخير.

وأما الخير نفسه الذي يبحث عنه البشر فردياً وجماعياً فهو مجموعة من المتطلبات الإنسانية مثل الصحة والرخاء والعدل والهناء والتثقف والشعور بالقيمة والإنجاز. وتقدم كل الأنظمة الدينية التي في العالم وكل الأنظمة السياسية ومؤسساتها للإنسان وعداً بأنها سوف ترشده لطريق الخير. وأنه إن إنضم لها أو ساندها لكي تملك وتسود أيدولوجياً وسلطوياً سوف تؤسس له مملكة أو دولة أو مؤسسة دينية تجلب له الخير من صحة ورخاء وعدل وهناء وثقافة وقيمة وإنجاز.

وكما أن بداخل كل إنسان شعور باحتياج عميق للخير كما يراه وكما يسعى له، فلديه شعورٌ آخر بخوف شديد من الشر، والشر لدى البشر هو كل ما يدمر الصحة ويقضي على الرخاء والرفاهية ويعرض الإنسان للظلم، ويجلب له الحزن ويسبب له الجهل ويقضي على إحساسه بالقيمة ويصيبه بالفشل. فالإنسان في بحث دائم ودؤوب عن الخير كما تعارف عليه وفي حالة هروب دائم وهلع مستمر من الشر كما يتخيله.

ولكن، هل ياترى قد توصل الإنسان فعلاً للتعريف الصحيح للخير والشر؟

معرفة الخير والشر، السؤال الجوهري
كان هذا السؤال نفسه عن الخير والشر واحدٌ من أول الأسئلة التي تسائل حولها أول إنسانين ظهرا على وجه كوكب الأرض. وضع الله الإنسان في الجنة وأحاطه بكل "شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل وشجرة الحياة في وسط الجنة" (تك2: 9). ثم وضع في الجنة شجرة أخرى هيَ "شجرة معرفة الخير والشر" (تك2: 9) ثم "أوصى الرب الإله آدم قائلاً من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت" (تك2: 16-17).

وماذا حدث؟ كانت شجرة معرفة الخير والشر بإسمها تَعد الإنسان بمعرفة الخير والشر. ولكن كانت هناك وصية بعدم الأكل منها. والسؤال الهام هنا هو: هل كان آدم يعرف الخير والشر قبل أن يأكل من الشجرة؟ والجواب: نعم وبكل تأكيد. فقد كان يعلم أن الأكل سوف يصيبه بالموت وهذا هو الشر، وأن عدم الأكل مع التمتع بما لذ وطاب من باق الجنة سوف يجعله مستمراً في الحياة وهذا هو الخير. فمعرفة آدم أن هناك خير من عدم الأكل من شجرة معينة وشر إن أكل منها هيَ معرفة للخير والشر.

والسؤال الثاني الهام هنا: ما هو مصدر معرفة الخير والشر لدى آدم قبل السقوط؟ والإجابة: هو كلام الرب الإله. فهناك وصية من الرب تشرح لآدم ماهو الشر وما هو الخير. فمصدر معرفة الخير والشر بالنسبة لآدم لم يكن ذاتياً داخلياً عند آدم عن طريق معرفة شخصية خاصة به. ولم يكن أيضاً مصدره إختبارياً عن طريق محاولات وفشل ثم محاولات وفشل تُنتج معرفة للخير وللشر. إن معرفته كانت مستمدة من إستناده على الرب، ومن وصية الرب، لذا فمعرفته للخير والشر كانت تتضمن أيضاً ثقة من آدم في الرب كصادق وأمين وفي كلام الرب أنه حق وليس كذب.

لقد خلق الرب الإنسان لكي يكون كائناً معتمداً في حياته على الرب. وهذا هو ما ميز آدم قبل السقوط، فلم يكن آدم يختار أي طريق لنفسه، بل كان ينصت لصوت الرب ويصدق كلامه ويؤمن بجود الرب وصلاحه. فالإنسان لم يخلق لكي يكون مرجعية لنفسه ولكنه خلق لكي يتبع الله وينفذ مشيئة الله ويستمد حياته من الله. كان الخير بالنسبة لآدم قبل السقوط هو أن يكون تابعاً لله ومنفذاً مشيئته والشر هو أن يسير في إتجاه معاكس لله مستقلاً عنه صانعاً إرادته الذاتية.

فشجرة معرفة الخير والشر كانت إذاً شجرة عادية تماماً ولكن وجودها كان يؤكد على حرية الإنسان في أن يتبع الله أم لا. فإن أكل منها أقر أنه مستقلاً ولا يتبع الله وإن لم يأكل أقر أنه مازال عبداً تابعاً مطيعاً للخالق العظيم.

معرفة الخير والشر ودوافع السقوط
مالذي دفع الإنسان للسقوط؟ ما الذي حركه لكي يعصى الله؟ البعض يقول أن الحية التي هيَ الشيطان قد خدعته فسقط، وهذا صحيح بنوع ما. ولكن مالذي قدمه الشيطان للإنسان لكي يدفعه للسقوط وعصيان الله؟ قالت الحية لحواء: "أحقاً قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟" (تك3: 1) وكان سؤالاً إستنكارياً لكي تفتح به المناقشة وتظهر الله في صورة الإله المتجبر القاسي السادي الذي يتلذذ بحرمان خليقته من متع طبيعية مشروعة. فسهم الشيطان الأول كان موجهاً ضد شخصية الله. وسقطت حواء في الفخ حيث قالت للحية "من ثمر شجر الجنة نأكل وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولاتمساه لئلا تموتا" (تك3: 2-3). لقد أزادت حواء على كلام الرب كلمة "لاتمساه" فالرب لم يقل لا تمساه، ولكن حواء سايرت الحية في أن الله قاس ومتجبر، سادي يحب التحكم في الأخرين لأقصى الحدود.

ثم غيرت حواء من كلمات الرب إذ خففت من حدة تحذيره، فالرب قال "موتاً تموت" لكنها قالت "لئلا تموتا" أي أن هناك إحتمالاً ما بخصوص الموت ولكنه ليس مؤكداً. وتكون حواء بهذا شككت في صدق الله وكلماته. ثم وجه الشيطان سهمه الثاني إلي صدق كلام الله فقال لها "لن تموتا بل الله عالم انه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر" (تك3: 4،5).

أي أن حواء قد سقطت سقطتين: الأولى، بخصوص ذات الله وصلاحه المطلق إذ شكت فيه كشخص؛ ثم الثانية، بخصوص صدق الله وكلماته. ويكون بهذا قد سقط الجنس البشري ممثلاً في آدم وحواء في خطيته التي مازلنا ندفع ثمنها حتى الآن وهي تتضمن البنود التالية:
• حُكم الإنسان أن الله غير صالح لكنه قاس وساد وأن الشيطان أكثر صلاحاً منه.
• حُكم الإنسان أن الله غير صادق وكلماته ليست صدقاً وأن الشيطان أكثر صدقاً منه وكلماته أجدر بالوثوق فيها.
• حُكم الإنسان أن الله غير جدير بالطاعة والإتباع وأن الشيطان أجدر منه بذلك.
وهكذا قرر الإنسان أنه من الأفضل أن يصدق الشيطان ويتبعه دون الله. قرر الإنسان أنه لن يعتمد على الرب وكلمته لمعرفة الخير والشر، ولكنه سوف يعتمد على نفسه لتحديد ما هو الخير وقرر أن يأكل لكي يحدد لنفسه الخير والشر ويستقل عن الله. ظن الإنسان أنه يستطيع أن يستمد حياته من نفسه ومن ذاته وأن يحدد مساراته في الحياة بدون الله. وهو لايدري بذلك أنه قرر أن يستقل عن مصدر الحياة، الله الحي الحقيقي وحده (يو17: 3)، وأن يتبع الشيطان، ذاك الذي له سلطان الموت، أي إبليس (عب2: 14).

ومازال الإنسان حتى الآن في كل مايصنع صغيراً أو كبيراً يتبع ملك الأهوال، إبليس. فيقول عنه الكتاب عن الشيطان "إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين" (2كو4: 4) وأيضاً "أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا" (يو8: 44) وبالتالي فإن مصير الإنسان قد إرتبط بمصير إبليس. فكل واحد يصل إلي مصير من يتبعه. غير أن إبليس سيداً قاسياً لأنه "ذاك كان قتالاً للناس منذ البدء" (يو8: 44). وكل من ينظر لما يحدث في العالم يرى بصمة إبليس الواضحة في كل شيء، في الفن، في الثقافة، في الدين، في السياسة، في المال والأعمال، في المدارس، وفي كل جوانب الحياة. ومادام قد قبل الإنسان مشورة إبليس في كل شيء فعليه أن يحصد أيضاً نتائج هذه المشورة في كل شيء.

ماهو الشر وما هو الموت؟
لقد قال الرب لآدم أنه يوم أن يأكل من شجرة معرفة الخير والشر "موتاً يموت" (تك2: 17). ولقد علمنا أن آدم يوم قرر الإستقلال عن الله، إنفصل عن مصدر الحياة، وأنه يوم تبع الشيطان، إستحق أن يمضي إلي مصير الشيطان نفسه. والآن، ما هيَ جوانب موت الإنسان؟

لقد تعرض الإنسان للموت من جوانب ثلاث:
الموت الروحي: فبإنفصاله عن مصدر الحياة أي عن الله صار ميتاً روحياً. إن الإنسان يتكون من روح، ونفس، وجسد. ويتميز الإنسان عن الحيوان أنه لديه روحاً حية. فالحيوان نفساً فقط دون روح، ولكن الله وضع "في الناس روحاً ونسمة (أو نفخة) القدير (أي الله) تعقلهم" (أي32: 8 ) فمصدر العقل أو الإدراك الذي يميز الناس عن الحيوانات هو روحاً نفخها الله القدير فيهم بالخلق فعقلتهم. هذه الروح مصدر حياتها هو الله نفسه، وبإنفصالها عنه تموت وتصير غير عاملة. لذا يعلمنا الكتاب المقدس أن الخطاة "أمواتاً بالذنوب والخطايا" (أف2: 1). فالإنسان يتغذي جسدياً على الخبز ولكن روحياً يتغذي علي كلمة الله لذا قال الكتاب "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (مت4: 4) وهو هنا يتكلم عن الطعام الروحي الذي يغذي الروح الذي هو العلاقة الحية مع الله والتغذي بكلمته.

الموت الأدبي: وهو ما أصاب النفس. فصار الناس "أغبياء، غير طائعين، ضالين، مستعبدين لشهوات ولذات مختلفة، عائشين في الخبث والحسد، ممقوتين، مبغضين" بعضهم البعض، "مملوئين من كل إثم وزنا وشر وطمع وخبث، مشحونين حسداً وقتلاً وخصاماً ومكراً وسوءاً، نمامين، مفترين، مبغضين لله، ثالبين، متعظمين، مدعين، مبتدعين شروراً، غير طائعين للوالدين، بلا فهم ولا عهد ولا حنو ولا رضي ولا رحمة، حنجرتهم قبر مفتوح، بألسنتهم قد مكروا، سم الأصلال تحت شفاههم، وفمهم مملوءاً لعنة ومرارة، أرجلهم سريعة إلى سفك الدم، في طرقهم إغتصاب وسحق" (تي3: 3، رو1: 29-31، رو3: 13-16).

وكم يعج العالم بالمآسي البشعة والصور الإجرامية في البيوت والشوارع والأعمال. لقد ساد الفساد في الطبيعة البشرية بإنفصالها عن مصدر كل خير وصلاح، عن الله.

الموت الجسدي: فقد مرض الإنسان وتمردت عليه الميكروبات والفيروسات وأصبحت تنهش فيه وتهاجم جسده. فحتى أجسادنا تحتاج لله، ألم يقل داود لله "يشتاق إليك جسدي" (مز63: 1) فصار نتيجة الإنفصال عن الله أنه "وُضعَ للناس أن يموتوا مرة" (عب9: 27)، وذلك أمر حتمي للجميع. يبدأ الموت بالمرض، فحتى الموت المفاجئ هو نتيجة لمرض سريع جداً، مثل السكتة الدماغية او القلبية، وحتى الحوادث فهي نوع من المرض تتعرض فيه الأجساد لإصابات جسيمة تنتهي بالموت. فهذا لم يكن حال الأجساد من قبل السقوط. وحتى الذين يحبون الله فجسدهم لامحالة "ميت (في يوم ما) بسبب الخطية" (رو8: 10).

ورغم أننا رأينا أن الشر بالنسبة للبشر له تعريفاً ما محدداً، فإننا لما فحصنا الكتاب المقدس أطل علينا منه تعريفاً آخر للشر، التعريف الإلهي الصحيح للشر. ‘الشر هو أن يكون الإنسان سائراً بإستقلال عن الله، رافضاً أن يطيع الله وأن يخضع لوصاياه’. فهذا هو الشر. وفي الواقع لايستطيع الإنسان أن يسير مستقلاً فهو أما يخضع لله أو يُستَعبَد لإبليس. يقول الرسول يعقوب "إخضعوا لله، قاموا إبليس" (يع4: 7) فإما أن تكون خاضعاً لله ومقاوماً لإبليس أو أن تكون مقاوماً لله ومُستَعبَداً لإبليس وهذا الأخير هو تعريف الشر عند الله.

أما بالنسبة للآلام والأحزان التي يحسبها الناس شراً، فقد يكون المسير مع الله مؤلماً لبعض الوقت أو لكل الوقت، ولكن الآلام من أجل البر ليست شراً لأن الكتاب المقدس يقول "إن تألمتم من أجل البر فطوباكم" (1بط3: 14) وإن كان الخضوع لله يعرض الإنسان لتجارب عدة وإختبارات صعبة في الحياة فيقول الرسول يعقوب "احسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة" (يع1: 2) وأيضاً الرسول بطرس يقول أن المسيحي يبتهج الآن مع أنه إن تتطلب الأمر قد يحزن بتجارب متنوعة (1بط1: 6).

إن مفهوم الشر عند البشر مفهوماً خاطئاً ومفهوم الخير أيضاً مفهوماً خاطئاً، وهذا هو ما يجعلنا نتسائل ونتخبط ونحتار عند كل مشكلة ونقول: لماذا يارب؟

أما الموت فكما رأينا ليس هو فقط إنفصال الروح والنفس عن الجسد وتوقف الجسد عن الحياة وما يتبعه ذلك من فساد وإنحلال. فمفهوم البشر عن الموت مفهوماً قاصراً ينظرون فيه فقط لما يحدث على مستوى الجسد ولما يسببه الموت من فقدان للأحباء. ولكن الموت كما رأينا هو ‘الإنفصال عن مصدر الحياة، عن الله’ وجوانبه عديدة من موت روحي وأدبي وجسدي كما تكلمنا ولكنهم للأسف، لكل من لا يؤمن بالمسيح، يتبعهم موت آخر أسماه الكتاب المقدس الموت الثاني. والموت الثاني هو أن يلقى الانسان المصير النهائي لذاك الذي إتبعه هنا على الأرض أي إبليس، فمن يسير وراء إبليس سيذهب بكل تأكيد إلى نفس المحطة النهائية التي لإبليس. وأما هؤلاء جميعاً "فنصيبهم في البحيرة المتقدة بنار وكبريت، الذي هو الموت الثاني" (رؤ21: 8 )

وكيف حل الله مشكلة الشر والموت؟
لقد أدخل الشر الموت كما رأينا وأدخل أيضاً اللعنة للجنس البشري والخليقة كلها حيث قال الله لآدم بعد السقوط "لأنك سمعت لقول إمرأتك وأكلت من الشجرة التي اوصيتك قائلاً: لاتأكل منها، ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها كل ايام حياتك" (تك3: 17). كان لابد للإنسان أن يموت ويعيش في حالة فساد أبدي وإنفصال عن الله. وهكذا صار دين الموت في رقبة الإنسان ولا مجال للفكاك منه، ولكن الله أرسل إبنه في شبه جسد الخطية، أي جسد مشابه لنا تماماً ولكن بلا خطية، في ملء الزمان أي في الوقت المناسب، جاء الله الكلمة، ربنا يسوع المسيح، وصار جسداً، آخذاً صورة عبد، صائراً في شبة الناس، وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب، فالمسيح إفتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا (رو8: 3، غل4: 4، غل3: 13، في2: 7-8).

وهكذا سدد ربنا يسوع المسيح في الصليب عقوبة الموت بدلاً منا وأنقذنا من اللعنة. ثم أن كل من آمن بربنا يسوع المسيح وإتخذه مخلصاً ورباً فالله يحيه مع المسيح (أف2: 5)، أي يحسب له موت المسيح وقيامته فيكون كمن سدد دين الموت الذي كان عليه، ويقيمه مع المسيح (أف2: 6)، فينال حياة جديدة بدلاً من الموت الذي يسري في أعضاءه وفي حياته. وإذ يتبع هذا الشخص، الجديد، المؤمن، المسيح، بواسطة الحياة الجديدة التي اخذها في المسيح، يصير له بالطبيعة الجديدة نفس مصير المسيح. فيقول الرسول أن الله "أجلسنا معه (أو معاً) في السماويات في المسيح يسوع" (أف2: 6).

ماهو الخير وما هي الحياة؟
ورغم أن البشر يرون الخير في الماديات والحالة النفسية المرتفعة والإنجازات البشرية كما رأينا، فمع فحصنا لكلمة الحق، الكتاب المقدس، نكتشف الرؤية الصحيحة للخير فرغم أن "كثيرون يقولون من يرينا خيرا؟" فصرخة الأتقياء هي "إرفع علينا نور وجهك يارب" (مز4: 6) فالخير الحقيقي هو أن يكون الإنسان في علاقة حقيقية حية مع الله ويكون في ملء مشيئة الله من جهة الإنسان. يقول الرسول بولس أن "كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله.... لكي يكونوا مشابهين صورة إبنه" (رو8: 28-29) فالخير هو أن يكون الإنسان مشابهاً لصورة ربنا يسوع المسيح. ولكن لن يستطيع الإنسان أن يكون مشابهاً لصورة الرب يسوع دون الرب يسوع. أي لابد أن يحصل على الحياة الجديدة بالإيمان فيستطيع أن يتبع الرب يسوع المسيح فيكون في ملء الخير.

فمن جهة الموت الروحي فالله أحيانا كما رأينا، أما من جهة الموت الأدبي فعلينا أن ندرك أنه لم يوجد إنسان على الأرض في حالة أدبية أخلاقية صحيحة أمام الله أبداً إلا شخصاً واحداً، هو الرب يسوع المسيح. فإن نوع حياة المسيح هو ما يدعوه الكتاب المقدس، الحياة الأبدية، وهو لايقصد الحياة للأبد، لأن الخاطئ سوف يعيش للأبد في جهنم، ولكنه يقصد بكلمة "الحياة الأبدية" صنف حياة سامية رائعة مرضية أمام الله. لذا يقول الرسول يوحنا "فإن الحياة أُظهرَت.... الحياة الأبدية التي كانت عند الله وأُظهرَت لنا" (1يو1: 2) فنوع حياة الله من الوجهة الأخلاقية الأدبية السامية قد ظهر لنا في شخص ربنا يسوع المسيح كما يؤكد الرسول عنه "ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملؤاً نعمة وحقاً" (يو1: 14) ففي شخص المسيح نرى الكمال الأدبي السامي الرفيع الذي يجب أن يكون عليه الإنسان.

لذا فمن جهة الموت الأدبي فالله بعد أن أحيانا مع المسيح وأقامنا معه يقول الرسول أنه أعاد خلقتنا من جديد "في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها" (أف2: 10). وهكذا أعطانا أن نعيش كالمسيح. وإن كان للأسف بداخلنا إتجاهان إتجاه قديم آدمي بالطبيعة، الإتجاه الجسدي، وإتجاه جديد روحي في المسيح، "وهذان يقاوم أحدهما الآخر" (غل5: 17) وبقدر ما نخضع لله بقدر ما نسلك في توافق مع الإتجاه الجديد. وبالتالي نكون في ملء الخير وملء الحياة.

وأما بالنسبة للموت الجسدي فسيحدث بكل تأكيد لكل الناس حتى المؤمنين، عدا أقلية صغيرة ستكون حية وقت مجئ المسيح، ولكن كل من سكن فيهم روح المسيح فسيأتي يوماً ما و"الذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم" (رو8: 11) وهكذا لما يُظَهَر المسيح فإننا "نكون مثله" (1يو3: 2) أي أن الله "سيغير شكل جسد تواضعنا (حالتنا الوضيعة جسدياً الآن) ليكون علي صورة جسد مجده (مجد المسيح)" (في3: 21) وهكذا سيكون لنا جسداً روحياً ممجداً مثل جسد الرب يسوع بعد القيامة "لايموت أيضاً لايسود عليه الموت بعد" (رو6: 9).

الرجاء المسيحي
وهكذا كما رأينا فإن الإنسان العادي الطبيعي مصيره مع قائده إبليس في البحيرة المتقدة بنار وكبريت، ولكن الإنسان المسيحي الحقيقي المؤمن المولود من الله فقد صار حياً مقاماً مع المسيح من الوجهة الروحية وصار في علاقة مع الله كإبن في المسيح إذ "بما أنكم أبناء، أرسل الله روح ابنه إلي قلوبكم صارخاً يا أبا الآب" (غل4: 6).

ثم أخذ طبيعة جديدة متوافقة مع الله إذ خلقه الله في المسيح لكي يعيش يعمل أعمال المسيح ويحيا حياة مشابهة للمسيح، وإن كان لديه نفس الإتجاه القديم يتصارع معه لكي لا يعيش الإتجاه الجديد. ولكن بمجيئ المسيح أو بالموت سوف ينهي الله تماماً على الإتجاه القديم الذي بداخلنا وسنكون في حالة بر تامة كبر المسيح للأبد. وهذا عنصراً هاماً من الرجاء المسيحي الذي ينتظره كل مؤمن.

ثم رغم أن الجسد الحالي مازال تحت الأمراض والأتعاب فسيأتي اليوم الذي سيقيم فيه الرب أجسادنا ويغيرها لتكون على صورة جسد المسيح الممجد المقام. وهذا عنصراً ثانياً للرجاء المسيحي.

ولكن ليس هذا فقط هو رجاء المسيحي ولكن الرسول بولس يضع كلمات غاية في السمو وغاية في صعوبة التصديق والإدراك إذ يقول "إن كنا نصبر فسنملك أيضاً معه" (2تي2: 12) وأيضاً "فإن كنا أولاد فإننا ورثة أيضاً ورثة لله ووارثون مع المسيح، إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضاً معه" (رو8: 17) وهذا يعني أن الله لن يزيل أثار الشر والخطية والموت فقط، ولن يحينا فقط، ولكنه سيجعلنا نشبه إبنه من جهة الحياة والتصرفات والسلوك والمجد بل وسوف نملك مع المسيح ونرث كل ما لله مع المسيح.

يا له من رجاء مبارك وسعيد سوف يناله كل من يؤمن بالمسيح ويتخذه رباً ومخلصاً. وياله من مصير تعيس ينتظر كل من يتبع إبليس إلى مكان العذاب والألم والندم للأبد.

صديقي، هل قبلت المسيح مخلصاً شخصياً لك؟ هل تتبع المسيح؟ هل حياتك تظهر بوضوح تبعيتك للمسيح؟ هل تنتظر الرجاء المبارك الذي سينهي مآساة هذه الحياة؟ أم سوف تعض أصابع الندم طوال الأبدية في عذاب لن ينتهي؟ إغتنم الفرصة الآن. تحدث مع الله، أقبل للمسيح. ها هو يدعوك.....

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا