سنتعلم خلال هذا التأمل عن معنى عبارة: "ليست لي محبة"، أو كما عبر عنها يوحنا: "الذي لا يحب أخاه". أي ما هو الخط الفاصل الذي يحدد أن كانت لي محبة أم لا.

فعندما نتأمل بأصحاح المحبة الذي في 1 كورنثوس 13، وبرسالة يوحنا الأولى بشكل عميق ومدقِّق، نتواجه مع مشكلة تعريف من الذي ليست له محبة:
إذا قبَّحت إنسان مثلاً، هل هذا يعني أنه ليست لي محبة وبالتالي أنا نحاس يطن، ولست شيئًا ؟
إذا ظننت السوء في إنسان، أو إذا تفاخرت مرة بشيء، هل هذا يعني أنه ليست لي محبة وأنا لست شيئًا ؟
أو إذا تصارعت مع المرارة في قلبي تجاه أخ معين، هل أنا، كما يقول يوحنا، موجود في الموت وفي الظلمة وأنا قاتل نفس ؟ وبالتالي مهما خدمت أو فعلت سوف لا أنتفع شيئًا، كما يقول بولس ؟

وفي نفس الوقت، يشعر الكثير من المؤمنين أن الوحيد الذي عاش هذه الصفات هو المسيح، فهل متوقَّع منى أن أكون كاملاً تمامًا كالمسيح الآن على الأرض، وإلا فليست لي محبة ؟؟ وبالتالي فأنا لست شيئًا !!!

لقد تعلمنا في التأمل رقم 5 عن الطريق إلى المحبة من خلال مطلع رسالة يوحنا الأولى 1: 1 – 2: 5. تبدأ المحبة بـ (1) التجاوب مع محبة الله التي في قلب كل مؤمن وُلد من الله، والتي تقودنا إلى (2) الشركة مع الله، (3) حياة التوبة والانكسار، (4) حفظ وصايا الله، وبعدها تصبح شعلة محبة الله عاملة في قلوبنا ونستطيع أن نطلقها للأخوة وللعالم حولنا. وتكون، كما سماها يوحنا، محبة الله قد تكَمَّلت في قلوبنا (2: 5)، وكل ما مطلوب منا عندها، هو أن لا نغلق أحشائنا ونقاوم فيض تلك المحبة من قلوبنا للخارج (3: 17). وإذا كان هناك عُطل في أحد المراحل الأربع السابقة، سوف لا تفيض محبة الله فينا.

لنرجع إلى سؤال التأمُّل:
ما هو الخط الفاصل، الذي يحدد أنه ليست لي محبة ؟

الجواب ببساطة هو:
أن تكون محبة الله غير مُكمَّلة في داخلي، كما عرَّفناها أعلاه، أي عندما يكون هناك عُطل في أي مرحلة من المراحل الأربعة. فليس مقدار نموي الروحي الذي يحدد لي محبة أم لا، ولا مقدار المحبة نفسه. فإذا مررت في حالة انقطاع لفيض محبة الله، أكون ليست لي محبة، بغض النظر عن مقدار المحبة، وبغض النظر إن كنت مؤمنًا جديدًا أم قديم.

لا نقدر أن نطلق محبة الله من ذاتنا، فهي ثمر الروح القدس ( غلاطية 5: 22). نستطيع أن نمثل محبة الله بإتقان ربما بشكل جسدي ونفساني، لكن لا يمكن أن تؤثر تلك المحبة في العالم الروحاني والمادي كمحبة الله. فالمؤمن الجسدي يظن أن أعماله الصالحة هي التي ستجعله يحب أخاه، لكن الكتاب يعلمنا أن إشعال محبة الله في القلب، هو الذي يثمر بأعمال المحبة وليس العكس. فكثير من الأخوة عندما يشعرون بالمرارة تجاه أخ معين مثلاً، وهم بكل صدق يريدون أن يتخلصوا من روح المرارة، يحاولوا أن يقومون بعمل شيء حسن لذلك الشخص، لكي يتغلبوا على تلك المرارة. لكن سرعان ما تظهر هذه المرارة من جديد. فالمحبة تبدأ بالانسكاب والذوبان في محضر الله، وهو الذي يطهِّر القلب ويفيض بمحبته في أحشائنا، وعندها تحفزنا تلك المحبة للأعمال المثمرة والمؤثرة.

وبعد أن أجبنا على السؤال في الفقرة السابقة، أود أن أركز على مشكلة، نُعاني منها معظمنا كمؤمنين في مراحل معينة من حياتنا الروحية، فيها نتصارع مع المحبة تجاه أخوة معينين. وأكبر عُطل نصطدم به يكمن في المرحلة الثالثة:

(3) حياة التوبة والانكسار: وفيها أود أن أبرز ملاحظتين هامتين.

1- غفران خطايا وتغيير:

قال الوحي من خلال يوحنا الحبيب:
" 9 إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ." 1 يوحنا 1.
الكثير من اللاهوتيين يفسرون هذه الآية على أن الله أمين ومُحب للإنسان، لذلك دبر له غفرانًا لخطاياه، لكنه أيضًا عادل لا يتغاضى عن الخطية، لذلك وضع خطايانا على المسيح البار الذي مات على الصليب لأجلنا. وهذا صحيح ولكن لهذا الدمج، ما بين أمانة الله وعدالته، بُعد آخر يريد الله أن يعلمنا إياه. لكي نفهمه نحتاج أن نبرز ونفسر عدة ثنائيات في الآية وهي:
(أمين/عادل)، (يغفر/يطهر)، (خطية/إثم). وهذه الكلمات مرتبة في الآية كالتالي:
(أمين –  يغفر – خطية)، (عادل – يطهر – إثم). 

إن يوحنا يقدم لنا الخطية على أنها التعدي على إرادة الله (1 يوحنا 3: 4)، ويفصل با بين التعدي في العمل (خطية) والتعدي في الفكر والقلب (الاثم)، وبنفس الوقت يقول أن كل إثم هو خطية (1 يوحنا 5: 17)، إذًا الخطية والإثم هما التعدي على إرادة الله، الأول: التعدي بالفعل، والثاني: التعدي في الفكر والقلب.

لذلك يريد أن يقول لنا الوحي هنا في الآية السابقة التالي:
الله أمين، وأمانته ترحمنا وتغفر خطايانا مهما كانت.
لكنه عادل أيضًا، وعدالته تطالب بأن يُطهِّرقلوبنا وضمائرنا ويُغَيِّر فكرنا.
لا نستطيع أن نستثني عدالة الله من عملية الغفران، مثل الكثير من الديانات التي تحل مشكلة الخطية عن طريق إبراز بأن الله رحيم فقط. فلا يمكن أن نتغاضى عن عدالة الله أبدًا، فهو يقدم عدالته من خلال رحمته ونعمته. وعدالته لم تنتهي بالصليب، الذي فيه رحمنا وغفر خطايانا. إن عدالته مستمرة معنا حتى بعد نيل الخلاص، وكأنه يقول لنا:
" أنا غفرت ذنبك وخطيتك، لكن عدالتي تطالبك بأن تدعني أغير وأطهِّر قلبك من الإثم الذي يجعلك تُخطئ مرارًا وتكرارًا بنفس الخطية".

إن عدم إتاحة الفرصة لله بأن يغير ويطهر قلوبنا، يجعل عملية التوبة والانكسار ناقصة، وبالتالي يكون هناك عُطل في انطلاق محبة الله.

2- المغفرة للآخرين:

إن أكثر شيء ركز عليه المسيح في عملية مغفرة خطايانا، وهو الجانب الآخر، هو التطهير من الآثام، وخاصةً من جهة المغفرة للآخرين:
لقد علمنا المسيح عن الغفران والتطهير في الصلاة الربانية عندما قال:
" 12 واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا." متى 6.
"واغفر لنا ذنوبنا": بحسب أمانة الله التي تجعله يغفر خطايانا،
"كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا." بحسب عدالة الله التي تتطلب تطهيرًا وتغييرًا لقلوبنا من المرارة وعدم الغفران، التي تحجز محبة الله من أن تشع وتسطع من خلالنا.

وعاد وأكد المسيح على هذه الحقيقة بعد الصلاة الربانية وقال:
" 14 فإن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي، 15 وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاتكم." متى 6.

وأيضًا شبه المسيح قضية عدم الغفران بمثل الملك الذي سامح المديون له بعشرة آلاف وزنة، وبعدما لم يقدر ذلك العبد أن يسامح أخوه المديون له بمئة دينار، سمع الملك الذي فعله ذلك العبد:
" 34 وغضب ... وسلمه إلى المعذبين حتى يوفي كل ما كان له عليه. 35  فهكذا أبي السماوي يفعل بكم إن لم تغفروا من قلوبكم كل واحدٍ لأخية زلاته." متى 18. (لا حظ عبارة "من قلوبكم").

إن آية 35، في رأيي، هي من أخطر الآيات في العهد الجديد ومن أقلها إدراك، وقلما نربطها في عملية غفران الله لخطايانا. وهذا هو الفخ الخطير الذي نفشل فيه كمؤمنين في الكثير من المرات، لذلك تظل مرحلة التوبة والاعتراف غير مكتملة وبالتالي يكون هناك انقطاع في فيض محبة الله في حياتنا. عندها تكون فعلا، كما يصفها يوحنا، محبة الله غير مُكَمَّلة فينا، فكيف ممكن أن نكون مؤثرين ؟

يا رب ارحمنا وساعدنا لكي ندرك محبتك ونمتلئ بها.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا