مقابل إعلان دينونة الله وفي وسط رسالة القضاء والحكم الصعب، يوجد دائمًا عند الله منفذ للرحمة والرجاء. بواسطته، يستطيع الإنسان أو الشعب أن ينجو من قضاء الله العادل والصعب، وعندها ينقله الرب إلى مجدٍ أعظم.

لقد شبه الكتاب المقدس كلمة الله مرارًا وتكرارًا أنها كسيف ذو حدين (مزمور 149: 6  وعبرانيين 4: 12  ورؤيا 1: 16). هذان الحدان هما: حد الحق، الذي يتكلم عن الحكم، الدينونة والقضاء، والحد الآخر هو حد الرحمة الذي يتكلم عن الشفاء، الأمل والرجاء (إرميا 32: 42). لقد تكلمنا في التأمل السابق عن إعلان دينونة الله في الكلمة التي تكلم بها الله من خلال إرميا النبي للشعب. لكن في وسط جميع رسائل الدينونة والقضاء دائمًا نجد منفذ للرحمة والرجاء: " 11 لأَنِّي عَرَفْتُ الأَفْكَارَ الَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ يَقُولُ الرَّبُّ أَفْكَارَ سَلاَمٍ لاَ شَرٍّ لأُعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً." (إرميا 29). هذا المنفذ، يضعه الله لكي نستطيع أن نثبت ونتغير كأفراد وشعوب (1 كورنثوس 10: 13).
سنخصص هذا التأمل لنتكلم عن منفذ الرحمة والرجاء من خلال سفر إرميا النبي.

ماذا يريد الله أن يقدم للشعوب والبشر من خلال منفذ الرحمة؟
يجب أن ندرك أنه يوجد عند الله هدف وخطة من وراء الدينونة والقضاء، والهدف هو لكي نلتجئ إلى رحمته وعونه. بالطبع ليس لكي يعبث الله معنا ويرجعنا حيث كنا، بل لشفائنا وتغييرنا إلى أفضل مما كنا.

يوجد عند الله أهداف كثيرة من وراء منفذ الرحمة والرجاء ، منها:
لأبراز رأفة الله، 3: 12. لكي يدرك الإنسان أن التطهير يأتي فقط من الله، 2: 22. ليعطي الإنسان أمان، لأن رحمتة أبعد من حدود وقدرات الإنسان، إرميا 3: 1. لتعزيز أبوة الله لنا، 3: 19. ليجعلنا بركة للأمم والشعوب، 4: 1-2. ليرجعنا إلى المكان الذي سقطنا منه، 6: 16. ليري الإنسان أعمال أعظم، 16: 14-15. لتثبيت عهده مع الشعب، 33: 16-18، ورفعه، 22. 
 
أيضًا لكي يكسر الله القوالب والآبار التي حفرها الإنسان لنفسه.
(سنركز على هذه النقطة في هذا التأمل) لقد قال الله عن شعبه:
" 12 اِبْهَتِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ مِنْ هَذَا وَاقْشَعِرِّي وَتَحَيَّرِي جِدّاً يَقُولُ الرَّبُّ. 13 لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ آبَاراً آبَاراً مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً." أرميا 2.
في حياتنا الروحية من وقت إلى وقت، نبني لأنفسنا تقاليد وقوالب لا تضبط ماء. هذه القوالب تحد من نمو إيماننا في قدرة الله المجيدة، والتي تستطيع أن تعمل بطرق جديدة، بعيدة عن خيالنا وتوقعاتنا وقوالبنا التي بنيناها لأنفسنا وتعودنا عليها. ولكي نستطيع أن ندرك قدرة الله المجيدة، يجب أن يكسر الرب القوالب التي بنيناها لأنفسنا والتي هي مثل الآبار المشققة التي لا تضبط ماء ولا ثمر مؤثر لملكوت لله.
للإنجيليين الذين يفكرون بافتخار أنه ليس عندهم تقاليد، سأورد مثالين حيويين فقط لأجل الإيضاح. مثلاً عندنا اليوم في معظم الكنائس الإنجيلية شيوخًا مرسومين (يدعونهم قسوسًا)، وشيوخ غير مرسومين. وعادةً مكانة الشيوخ المرسومين أعلى من الشيوخ غير المرسومين. لدرجة أنه في العديد من الكنائس لا يسمح للشيخ غير المرسوم أن يقوم بفريضة العشاء الرباني والمعمودية مثلاً والعديد من الخدمات الأخرى.
أين توجد هذه الطبقية في العهد الجديد؟ هل عيَّن بولس طبقتين من الشيوخ في كنائس العهد الجديد؟
إن هذه ببساطة قوالب وتقاليد وضعناها لأنفسنا، وأبار مشققة لا تضبط ماء، حيث أنها تحد يد الله من إطلاق وفرز خدام كثيرين مدعوين لامتداد ملكوت الله. الكثير من الكنائس الإنجيلية اليوم تتوجه نحو تجميع أكبر عدد من الناس في مكان واحد. لدرجة أنه يوجد في الكثير من البلدان، أبنية ضخمة تضم آلاف من الناس في اجتماع واحد تجتمع تحت رعاية نجم الحفل، القس المشهور الفلاني، ليقدم عظته وبركته للناس. إن هذه للأسف آبار مشققة تمثل أحلام العديد من القسوس في البلاد. بينما كانت كنيسة الرسل الأولى مثلاً تميل إلى التفريق، الإرسال، والمضاعفة بكنائس بيتية صغيرة وبسيطة. طبعًا هذا يعني انفجار في كثرة فرز الشيوخ والخدام، الاتكال على الروح القدس وأمانة الرب، وهدم قوالب الكنيسة ذات النجم الواحد. لست أقصد أن انتقد أي نظام كنسي، ممكن أن يكون النظامين من الله، لكن أريد أن نفتح آفاقنا إلى قوة الله غير المحدودة التي تريد أن تتحدى قوالبنا والتقاليد التي تعودنا عليها وقبلناها من الذين قبلنا، ومع الزمن أصبحت آبار مشققة لا تضبط ماء.

في وسط دينونة الله، الله يريد من خلال رحمته أن يكسر القوالب التي بنيناها لأنفسنا مثل الشعب على زمن إرميا النبي. وفيما يلي بعض القوالب والآبار المشققة التي بناها الشعب. سنرى أيضًا كيف أن الله، بِكسر تلك القوالب، يريد أن يخرجهم من توقعاتهم المحدودة، إلى قدرة الله غير المحدود.

كسر قالب تابوت العهد:
" 16 وَيَكُونُ إِذْ تَكْثُرُونَ وَتُثْمِرُونَ فِي الأَرْضِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ يَقُولُ الرَّبُّ أَنَّهُمْ لاَ يَقُولُونَ بَعْدُ: تَابُوتَ عَهْدِ الرَّبِّ وَلاَ يَخْطُرُ عَلَى بَالٍ وَلاَ يَذْكُرُونَهُ وَلاَ يَتَعَهَّدُونَهُ وَلاَ يُصْنَعُ بَعْدُ. 17 فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يُسَمُّونَ أُورُشَلِيمَ كُرْسِيَّ الرَّبِّ وَيَجْتَمِعُ إِلَيْهَا كُلُّ الأُمَمِ إِلَى اسْمِ الرَّبِّ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَلاَ يَذْهَبُونَ بَعْدُ وَرَاءَ عِنَادِ قَلْبِهِمِ الشِّرِّيرِ." أرميا 3. فالله يريد أن يفتح ذهن شعبه إلى عمل روحي غير محدود، بعيد عن خياله والأشياء المادية التي هو متمسك بها.

كسر قالب هيكل الرب:
" 4 لاَ تَتَّكِلُوا عَلَى كَلاَمِ الْكَذِبِ قَائِلِينَ: هَيْكَلُ الرَّبِّ هَيْكَلُ الرَّبِّ هَيْكَلُ الرَّبِّ هُوَ!" إرميا 7، بالرغم من أن هيكل الرب كان مهمًا جدًا لدى الله (عدد 30)، ولكنه يريد أن يحول ذهنهم إلى إله الهيكل الذي عنده خطة أعظم بكثير من هيكل الحجارة، جسد المسيح، هيكل الحجارة البشرية، أي الكنيسة من كل أمة وشعب ولسان (يوحنا 2: 19-21  و1 كورنثوس 3: 16).

كسر قالب الافتخار بأنهم أفضل شعب.
" 23 هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: لاَ يَفْتَخِرَنَّ الْحَكِيمُ بِحِكْمَتِهِ وَلاَ يَفْتَخِرِ الْجَبَّارُ بِجَبَرُوتِهِ وَلاَ يَفْتَخِرِ الْغَنِيُّ بِغِنَاهُ. 24 بَلْ بِهَذَا لِيَفْتَخِرَنَّ الْمُفْتَخِرُ: بِأَنَّهُ يَفْهَمُ وَيَعْرِفُنِي أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الصَّانِعُ رَحْمَةً وَقَضَاءً وَعَدْلاً فِي الأَرْضِ لأَنِّي بِهَذِهِ أُسَرُّ يَقُولُ الرَّبُّ." إرميا 9.
إن افتخار الأمة بأنها أفضل أمة، هو سبب كاف لدمار أي أمة. فنحن نعيش في أرض فيها أناس من أربع ديانات على الأقل. نتعاملنا مع بعضنا البعض عادة في احترام، لكن كل واحد في داخله يشعر أنه أفضل من ذو الديانة الأخرى. هذا ما نسميه "احترامًا فوقيًا" (إني احترمك، لكني أفضل منك). لم يعلمنا هذا الكتاب أبدًا، فالكتاب دعى شعبه أن يتعامل مع ذي الدين الآخر كالوطني، ويحبه كنفسه (لاويين 19: 34)، وحتى في العهد الجديد يطالبنا أن نكرِّم الأخر أكثر من نفسنا (فيلبي 2: 3).

كسر قالب البر الذاتي:
لقد قدم الرب من خلال رسالة الرحمة والرجاء فكرة أن الله بنفسه سيكون برنا من خلال عمل المسيح، وليس أننا نصبح أبرار إذا مارسنا أعمال البر. طبعًا الله يريدنا أن نعمل أعمال البر، لكن ليس لتكون مصدر برنا.
" 5 هَا أَيَّامٌ تَأْتِي يَقُولُ الرَّبُّ وَأُقِيمُ لِدَاوُدَ غُصْنَ بِرٍّ ( عن المسيح) فَيَمْلِكُ مَلِكٌ وَيَنْجَحُ وَيُجْرِي حَقّاً وَعَدْلاً فِي الأَرْضِ. 6 فِي أَيَّامِهِ يُخَلَّصُ يَهُوذَا وَيَسْكُنُ إِسْرَائِيلُ آمِناً وَهَذَا هُوَ اسْمُهُ الَّذِي يَدْعُونَهُ بِهِ: الرَّبُّ بِرُّنَا." أرميا 23.

كسر قالب معرفة الشريعة ليقدم نعمة معرفة الله.
هذا طبعًا حدث من خلال العهد الجديد والغفران الذي حصلنا عليه في الصليب.
" 31 هَا أَيَّامٌ تَأْتِي يَقُولُ الرَّبُّ وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْداً جَدِيداً.... 34 وَلاَ يُعَلِّمُونَ بَعْدُ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ قَائِلِينَ: [اعْرِفُوا الرَّبَّ] لأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ يَقُولُ الرَّبُّ. لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ." إرميا 31 (راجع أيضًا 22: 16  و24: 7).

كسر قالب ختان الجسد والنسل الوراثي وتقديم نعمة ختان القلب:
" 4 اِخْتَتِنُوا لِلرَّبِّ وَانْزِعُوا غُرَلَ قُلُوبِكُمْ يَا رِجَالَ يَهُوذَا وَسُكَّانَ أُورُشَلِيمَ لِئَلاَّ يَخْرُجَ كَنَارٍ غَيْظِي فَيُحْرِقَ وَلَيْسَ مَنْ يُطْفِئُ بِسَبَبِ شَرِّ أَعْمَالِكُمْ." إرميا 4.

كسر قالب كراهية قوات الاحتلال:
وذلك كان عن طريق طلب الرب أمرًا غريبًا وصعبًا من الشعب، وهو أن يصلوا لسلامة مدن دولة الاحتلال البابلي الظالم التي يسبون إليها:
" 7 وَاطْلُبُوا سَلاَمَ الْمَدِينَةِ الَّتِي سَبَيْتُكُمْ إِلَيْهَا وَصَلُّوا لأَجْلِهَا إِلَى الرَّبِّ لأَنَّهُ بِسَلاَمِهَا يَكُونُ لَكُمْ سَلاَمٌ." إرميا 29. والهدف هو أن يكون شعب الرب مشفي من جراح الكراهية والمرارة العرقية والوطنية، لكي يكون مثمرًا ويصبح شهادة للأمم:
" 9 فَتَكُونُ لِيَ (أمَّتي) اسْمَ فَرَحٍ لِلتَّسْبِيحِ وَلِلزِّينَةِ لَدَى كُلِّ أُمَمِ الأَرْضِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ بِكُلِّ الْخَيْرِ الَّذِي أَصْنَعُهُ مَعَهُمْ فَيَخَافُونَ وَيَرْتَعِدُونَ مِنْ أَجْلِ كُلِّ الْخَيْرِ وَمِنْ أَجْلِ كُلِّ السَّلاَمِ الَّذِي أَصْنَعُهُ لَهَا." إرميا 33.

يا رب، نشكرك لأنك إله الرحمة والرجاء، الرجاء الذي لا يخزي منتظريه أبدًا. نشرك لأن لك خطة من وراء تلك الرحمة في حياتنا ككنيسة وشعب. سامحنا يا الله على القوالب والآبار المشققة التي بنيناها لأنفسنا والتي لا تضبط ماء. عزز جميع الأساسات المقدسة التي ثبتها بنفسك في كنيستك في البلاد، والتي تتكل عليك يا ينبوع المياه الحية.
نحتاج إليك يا الله لكي تثبت وتحيي كل شيء ميت في وسط شعبك وأرضك.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا