الهدف من هذا التأمل هو إدراك كم أن موضوع التوحيد وعبادة الأوثان هو موضوعٌ حيوي وجوهري وعملي لحياتنا اليوم في القرن الواحد والعشرين. لأننا إن لم ندرك مدى تفشي عبادة الأوثان في حياتنا اليوم، من الصعب علينا، إذ ذاك، استشفاف الارتباط الحيوي بين حالتنا اليوم وحالة الشعب في وقت إرميا النبي.

إن الخطية الأولى والأساسية للشعب التي يبرزها الله في بداية سفر إرميا، والتي عليها قائمة هذه السلسلة، هي أن الشعب ترك الرب وعبد الأوثان:

"16 وَأُقِيمُ دَعْوَايَ عَلَى كُلِّ شَرِّهِمْ لأَنَّهُمْ تَرَكُونِي وَبَخَّرُوا لآلِهَةٍ أُخْرَى وَسَجَدُوا لأَعْمَالِ أَيْدِيهِمْ (للأصنام التي صنعتها أيديهم)." إرميا 1.

إن عبادة الأوثان في هذا العالم لا زالت قائمة إلى هذا اليوم، حيث أنّ حوالي نصف العالم إلى هذا اليوم لا يعبدون إله إبراهيم الحقيقي بل آلهة مختلفة كثيرة، وخاصةً الهندوس والبوذيين.

لكن بالرغم من هذا، عادةً نظن أن هذا الموضوع ليس حيويًّا لحياتنا اليوم كمسيحيين نعيش في القرن الواحد والعشرين.

لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا، إن ما يعلمه الكتاب عن التوحيد والشرك بالله هو حيوي، ضروري وعملي جدًا لحياتنا اليوم كمؤمنين بالمسيح. وكم أن تعاليم الله فعالة وماضية، وكما نقول بالعامية "بتمسك الإنسان من اليد التي بتوجَعُه" بشكل أعظم بكثير من جميع الديانات الأخرى المُوَحِّدة.

كيف نظر الله لعبادة الأوثان؟

إن الكتاب المقدس نظر لعبادة الأوثان بشكل عام كعدم وضع الله أولاً ووحيدًا في حياتنا. وتأتي بطرق وأشكال عديدة، منها عبادة الأوثان الحرفية، أي أن يضع الإنسان وثن ويعبده. أو تأتي بشكل روحي وسلوكي في أشكال عديدة، يذكر الكتاب منها:

1- التمرد والعناد:

"لأَنَّ التَّمَرُّدَ كَخَطِيَّةِ الْعِرَافَةِ، وَالْعِنَادُ كَالْوَثَنِ وَالتَّرَافِيمِ (عبادة الأوثان)..." 1 صموئيل 15: 23.

يُقصد بالتمرد هنا، الإنسان الذي يعرف كلام الله وطريقه، لكنه يرفض الاستسلام له بل يختار بمحض إرادته أن يضع لنفسه المعايير لما هو صواب. هذا يذكرنا بإغراء الحية لحواء حيث قالت لها: "تكونان كألله عارفين الخير والشر." (تكوين 3: 5)، تصبحان كألله لكم سلطان أن تحللوا لأنفسكم ما هو صحيح وما هو غير صحيح. أي أننا ممكن أن نقول أن إغراء الحية لحواء كان أن تعبد الأوثان، أي أن يصبح آدم وحواء آلهة أنفسهم (عبادة الذات). لذلك يثبتها الله بصفة "العناد" التي تجعل الإنسان عابد للأوثان، لأنه كما يستبدل الإنسان الله ويلتجئ إلى الشيطان (خطية العرافة)، فهو بالعناد يعلن سلطانه وألوهيته وأنه معصوم وكم هو على صواب. وبذلك يحلل بنفسه ما هو حلال وما هو حرام، ما هو صواب وما هو خطأ مثل الله تمامًا. ففي اللحظة التي فيها يرفض الإنسان مثلاً موت المسيح وخلاصه وسيادته وسلطانه، يصبح إله نفسه. لأنه هو حدد لنفسه طريقًا آخر مُتمردًا على الله، مهما كانت صورة مذهبه الديني. لذلك ينسب الكتاب عبادة الأوثان إلى أعمال الجسد وليس إلى أعمال الشيطان، لأنها تبدأ بسيادة الجسد بدل الله (غلاطية 5: 20).

لذلك ركز المسيح على أهمية التوحيد قائلاً: ".. أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيل، الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ." مرقس 12: 29. لأن الوصية الأولى التي أعطاها الله لموسى، ردًا على ما فعلاه حواء وآدم، كانت: " لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي." خروج 20: 3. لقد علم المسيح على أننا ممكن أن نستبدل الله ونشرك معه آلهة أخرى بطُرق كثيرة منها:

2- محبة المال والأمور الدنيوية:

قال المسيح: " لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللَّهَ وَالْمَالَ." متى 6: 24.

جدير بالذكر أن كلمة "يخدم" تعني "أن يكون مستعبدًا لـ"، لسيدين أو ربَّين. أي بكلمات أخرى أنه لا يقدر الإنسان أن يعيش لإلهين أو تحت سلطان إلهين، الله والمال. فالكثير من الناس يغتصبون، يكذبون، يُجَرِّحون، يسرقون، يزورون، ينصبون، وربما يقتلون، لكي يحصلوا على المال. وبعد سنين من هذا النمط من الحياة، يبنون بناية يكتبون عليها: "هذا من فضل ربِّي". نعم إنَّ هذا صحيحًا، إن كل هذه الأموال من فضل رَبَّهم، الذي هو المال والذات أو إبليس. أمَّا إله إبراهيم الحقيقي، فهو بريء من كل درهم وُضع على بناية كهذه. لذلك يقول الكتاب: " 9 وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ تُغَرِّقُ النَّاسَ فِي الْعَطَبِ وَالْهَلاَكِ، 10 لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ." 1 تيموثاوس 6.

3- الطمع:

الكتاب يصور أيضًا أن الطمع هو عبادة أوثان، وهو يتكلم مع المؤمنين بالمسيح قائلاً:

" فَأَمِيتُوا اعْضَاءَكُمُ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ: الزِّنَا، النَّجَاسَةَ، الْهَوَى، الشَّهْوَةَ الرَّدِيَّةَ، الطَّمَعَ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ." كولوسي 3: 5.

4- حياة اللّهو والشّراهة في ملذات الأطعمة والمشروبات:

 يحذر الكتاب المؤمنين بالمسيح بأن لا يكونوا عبدة أوثان مثل الشعب في القديم، وبحسب تفسير الله الدقيق للأحداث، يحدد أن مشكلة الشعب كانت ليست عبادة الأوثان بدايةً، لكن عدم وضع الله أولاً مما أدى إلى استبداله بالأوثان نهايةً. وهذا بدأ بتفضيل اللهو والأكل، على العيش والتكريس القلبي لله.

"7 فَلاَ تَكُونُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ كَمَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْهُمْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: جَلَسَ الشَّعْبُ لِلأَكْلِ وَالشُّرْبِ ثُمَّ قَامُوا لِلَّعِبِ." 1 كورنثوس 10. لذلك يعود ليُؤكِّد على هذه القضية لخلاصة تلك الفقرة في عدد 14 بقوله: " لِذَلِكَ يَا أَحِبَّائِي اهْرُبُوا مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ."

وفي مكان ثانٍ في الكتاب يقول بولس كيف أن سلوك بعض المؤمنين بملذات وشهوات الجسد، جعل إلههم بطنهم (الفجع في الأكل)، حتى قاد البعض منهم إلى الارتداد عن الإيمان بالمسيح، وبالتالي للهلاك:

" الَّذِينَ نِهَايَتُهُمُ الْهَلاَكُ، الَّذِينَ إِلَهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، الَّذِينَ يَفْتَكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ." فيلبي 3: 19.

5- الاستمرار في حياة الفتور:

وهنا أريد أن أقدم تحذيرًا لنا كمؤمنين عن كيف تبدأ حياة الشرك وعبادة الأوثان؟

تبدأ بحياة الفتور الروحي، لذلك يحثنا الكتاب على أن نكون دائمًا:

"غَيْرَ مُتَكَاسِلِينَ فِي الاجْتِهَادِ حَارِّينَ فِي الرُّوحِ عَابِدِينَ الرَّبَّ." رومية 12: 11.

نعم أخوتي وأخواتي، فهمتم كيف أن الله من خلال كلامه العملي المُصيب "بيمسكنا من اليد التي بتوجعنا"، لأنه كلام الإله الحقيقي. الإله الذي لا يأخذ بالكلام "الفاضي" مثل البشر، ويرضى بكلمات جملية نرددها تشهد أن لا إله إلا الله، لذلك قال الكتاب:

" أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ. حَسَناً تَفْعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ!" يعقوب 2: 19. إن الشيطان يؤمن أن الله واحد أيضًا، لكن قلبه جامح شرير، أمَّا إلهنا، الإله الحقيقي، يعرف ما في داخل قلب الإنسان وميله الجامح. واهتمامه الأول أن يغير قلب الإنسان، ويحرره من عبادة الذات، البطن، المال، الملذات، النساء، السلطة...إلخ. وأكبر إله ربما نعبده كفلسطينيين هو الأرض، حيث يتعلم أبناؤنا في المدارس أنهم يجب أن يموتوا من أجل أرضهم ويرووها بدمائهم.

أصلي أن تقودنا هذه التأملات من خلال سفر إرميا، لتتغيَّر نظرتنا ككنيسة إلى حالتنا السياسية والاجتماعية، لكي نفهم الله بشكل أعمق، ونخدمه بقوة مُؤثرة أكثر.

 

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا