سادت المعاداة للسامية في أوروبا في القرن التاسع عشر إذ انتشرت نظريات تقزيم "العرق" أو "الجنس" اليهودي. واللاسامية هي محاباة ضد اليهود بسبب خلفيتهم العرقية. وظهر هذا العداء في كارثة المحرقة إذ أباد الأشرار في أوروبا ملايين الأبرياء من اليهود. وفيما بعد وسع البعض مفهوم المعاداة للسامية ليشمل أي نقد للدين اليهودي او لقيم وقناعات الشعب اليهودي، فصار من الصعب تقديم أي نقد عادل للأخطاء دون مواجهة تهمة اللاسامية. أيضا، في ضوء التعريف الأوسع للعداء للسامية، ظن البعد أن العهد الجديد معادي للسامية قائلين: يصف يوحنا اليهود أنهم ابناء الشيطان (يو 8: 44)، ويبين متى أن جميع الشعب اليهودي وأودلاهم مسئولون عن قتل المسيح (مت 27: 25)، ويصفهم سفر الرؤيا بأنهم مجمع الشيطان (رؤ 3: 9). ويجادل بعض المتعصبين: أن أفضل اليهود هم يهوذا الخائن وبطرس الناكر وقيافا وحنان الظالمين. ولقد أدان المسيحيون بحق هذه التوجهات ولغة التعميم غير الحساسة لسياق الكتاب المقدس والقوالب المسبقة التي تنشر عقلية متخشبة بدلا من الانفتاح على الآخر.
 
ولا شك أن قصة اعتقال ومحاكمة يسوع المسيح ساهمت في تشكيل علاقتنا مع اليهود. وزادت سهولة تعميم إدانة اليهود في ضوء النكبة سنة 1948 والنكسة سنة 1967 والتشديد على يهودية الدولة بدلا من تشكيل دولة لكل مواطنيها. فصوّر بعض العرب اليهود كأعداء مقدمين اليهودية كنقيض للمسيحية مما سهّل نمو اللاسامية. وللأسف، نرى اليوم في بلادنا بعض الأصوات العربية اللاسامية. فمثلا، يصرخ الناس في القدس يوم سبت النور قائلين: "يا يهود يا يهود عيدكم عيد القرود وعيدنا عيد المسيح". في ضوء ما سبق، نكتب المقال التالي متأملين في مواقف يهوذا وبطرس وحنان وقيافا في قصة اعتقال السيد المسيح ومحاكمته. ونأمل بالتواصل مع الماضي والتفاعل مع واقعنا الحاضر في دولة تحتضن ملايين اليهود بين سكانها.
 
خيانة يهوذا
لا تتمحور قصة محاكمة يسوع وصلبه حول خيانة يهوذا "اليهودي" أو بعض افراد الشعب اليهودي، بل حول وفاء المسيح وتفانيه في محبة من ساهموا في قتله. ولا أقصد تبرئة يهوذا من مسئولية خطأه أو عدم الاقرار بخطأ بعض رجال الدين اليهود أو بعض افراد الشعب الذين طالبوا بصلب المسيح. ولكنني اشدد أن فشل افراد من الشعب اليهودي في القرن الأول لا يشرع تعميم الفشل على كل اليهود خاصة أن قسما كبيرا منهم كان في الشتات وبعضهم لم يكن قد وُلد بعد.
 
في ذات الوقت، تشديدنا على فئة ما لا يعني تبرئة باقي الجنس البشري. فالجميع اخطأوا وفشلوا في الحفاظ على قانون محبة القريب وبذل الذات في سبيل ارساء قواعد الحق والسلام. لهذا يجب أن يؤكد الحوار المسيحي – اليهودي على مساواتنا جميعا في الفشل والسقوط وعلى عدم تفوق أحدنا على الآخر. ويجب أن يُبرز المسيحي سيده المسيح وعدالته ومحبته ووفاءه. فعلاقة المسيح مع يهوذا نموذجا لعلاقتنا مع كل من يرفض السيد المسيح ورسالته. لقد وبخ المسيح يهوذا على خيانته وتقصيره ولكنه أيضا غسل رجليه وقدم له الخبز على مائدته مظهرا له المحبة الإلهية. الخيانة هي نقيض الثقة والوفاء ويمكن علاجها بالمحبة. وهكذا يدعونا الله إلى الالتزام بالمحبة والعدالة نحو كل شعوب هذه الأرض.
 
إنكار بطرس
ليست محاكمة يسوع هي قصة انكار بطرس اليهودي، بل هي قصة أمانة المسيح. يخبرنا يوحنا أنه عندما طلب الجنود يسوع الناصري، اجابهم المسيح قائلا: "أنا هو" (يو 18: 5). وتكرر السؤال. ثم تكرر جواب المسيح: "أنا هو" (يو 18: 8). في نفس الإصحاح، تسأل الجارية البوابة بطرس قائلة: "ألست أنت أيضا من تلاميذ هذا الإنسان؟" فيجيب بطرس قائلا: "لست أنا" (يو 18: 17). ثم يتكرر السؤال. ويقول بطرس ثانية: "لست أنا" (يو 18: 25). وهكذا ينكر بطرس المسيح أمام الجارية وأمام الخدام والعبيد. أنكر المسيح لينجي نفسه إلا أن المسيح اعترف بهويته لينجي بطرس بالرغم من معرفته بأنه سينكره. ولا تهدف قصة محاكمة يسوع إلى سؤالنا عما نفعله لله، بل عما فعله الله لنا. ولا تريد قصة محاكمة يسوع أن تؤكد فشلنا وخيانتنا وانكارنا لله فحسب، بل تريد أيضا أن تذكرنا بمحبة الله بالرغم من كل تقصيرنا ورغبته أن يرتبط بنا ويغير قلوبنا.
 
فشل حنّان وقيافا
ليست محاكمة يسوع هي قصة فشل القضاء اليهودي وفشل حنان وقيافا، بل هي قصة فشل البشرية وابداع الله في خلاص الناس. لا شك أن الكثير من الكتبة والفريسيين زمن المسيح فشلوا في معرفة هوية المسيح. لقد حكموا عليه بالموت لأنه يدعي أنه الله وأنه ملك (يو 10: 33). ولا شك أن الرسول يوحنا يريد أن يبين فشل العديد من اليهود في القرن الأول إذ قال: إن المسيح جاء إلى خاصته ولكنهم لم يقبلوه (يو 1: 11). ويشرح يوحنا في إنجيله تفاصيل هذا الفشل. بالرغم من ذلك، يجب ألا ننسى أن المسيح وتلاميذه هم من اليهود. ولا يقصد العهد الجديد أن يعرض مسيحا معاديا للسامية ولشعبه، بل إلها متجسدا يُعادي الخطية. لا يقصد العهد الجديد أن يتحدث عن فشل عرقي أو اثني بل عن فشل بشري ولاهوتي اذ يفشل البشر في التعرف على المسيح. واليوم وفي بلادنا، يفشل الكثير من الناس في معرفة هوية المسيح.
 
واخيرا، بدلا من لوم اليهود على قتل المسيح والبكاء على خيانة الآخرين وانكارهم أو محاولة فصل يسوع عن يهوديته وهويته الأرضية وخلفيته الحضارية، دعونا نتأمل في خياتنا وانكارنا وقرارتنا أن نتجاهل ربوبية المسيح وملكه على حياتنا. فخطيتنا سواء كنا عربا أم يهودا هي التي قتلت المسيح ويجب أن نعادي الخطية بدلا من السامية أو اليهود. وكل نقد للخطية عند العرب أو اليهود هو نقد مشروع. والإنجيل لا يعادي السامية ولا يرفض الجذور اليهودية للعهد الجديد والكنيسة، بل يضعها في إطار العلاقة بالمسيح فتصبح عندئذ جزءا من تراثنا المسيحي. فاليهودية بدون المسيح هي جسد بدون روح، والمسيحية في القرن الأول بدون الجذور اليهودية هي شجرة بدون جذور. فبدلا من تركيز انظارنا على رفض الجذور اليهودية وعلى خطايا اليهود أو حتى خطايانا دعونا ننظر إلى أمانة المسيح وقوة دم المصلوب القادر أن يعطينا الغفران والحياة الجديدة. ففي المسيح يلتقي العهد القديم والجديد معا. ودعونا نتأمل في صبر الله وأمانته وتواضعه وشدة محبته ودعوته لنا أن نأتي إليه. نعم، لنذهب إلى يسوع المصلوب فنجد في جراحه شفاء لقلوبنا وفي كلماته: يا ابتاه اغفر لهم، فرصة جديدة للتوبة. يا ليت يسوع المصلوب يكون في حياة كل فرد منا.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا