بعد كتابة المقال الأول عن النزاع، وجدت أن العديد من التعليقات توافق على وجود مشكلة الإنشقاقات بيننا. فلنبدأ التعامل مع هذه القضية الحساسة خطوة تلوة الأخرى. والمقال القصير ادناه خطوة أخرى صغيرة تتعامل مع بعض جوانب آلية اتخاذ القرار. ولمنع أي سوء فهم، نشدد أننا نثمّن مساهمات قادة بلادنا وكل من يخدم الرب ونقف إجلالا وتكبيرا لتعب محبتهم، ولا يهدف هذا المقال إلى تقزيم المساهمات المهمة لأي خادم للرب أو تقييم مساهماتهم أو توفير مساحة الكترونية للتعدي على أي إنسان، حاشا، بل نهدف إلى تحفيز شعب الله وقادته لعلاج داء الإنقسامات بدواء كتابي وعملي. فيا رب احمنا من ظلم أي إنسان لأن "الظلم في أي مكان هو تهديد للعدالة في كل مكان." واحمنا من المشتكي الذي ينتقد الآخرين بهدف التدمير وليس البناء ويتحدث بروح فريسيّة وليس كالعشار الذي يقول بحق: أنا خاطئ فارحمني يا رب. وأشهد أنني أكثركم ضعفا وحاجة إلى رحمة الرب. بعيون العشار وليس بنظرات الفريسي صاحب الحاجب المتعالي دعونا ننظر معا إلى بعض النصوص في سفر أعمال الرسل التي تتحدث عن اتخاذ القرارات الكبيرة والمهمة في الكنيسة. سأشرح النصوص باقتضاب، ثم اضع بعض الاستنتاجات والاقتراحات العملية.

أولا، لم يستطع افضل قادة الكنيسة الأولى أن يتعاملوا مع الخدمة بدون مواجهة النزاعات. فلقد كبرت الكنيسة وحدث تذمر فيها بسبب التقصير في الخدمة (أع 6: 1 – 8)، حينها اجتمع الرسل مع شعب الكنيسة وشرحوا المشكلة من وجهة نظرهم وتكلم الرسل برأي واحد. ثم دعوا الشعب إلى انتخاب سبعة أشخاص بحسب معايير واضحة شرحوها للناس. وصلى الرسل ووضعوا الأيادي على الأشخاص المنتخبين. وهكذا نرى اهمية الرأي الواحد للقادة والمعايير الواضحة ومضاعفة عدد الخدام والصلاة العاملة.

ثانيا، اختلف بعض القادة فيما بينهم (أع 11: 1 – 18). وخاصم أهل الختان بطرس لأنه كان في شركة مع "مجموعة مشبوهة"، أي بيت كرنيليوس. لهذا اجتمع كل القادة واعطوا بطرس فرصة لشرح موقفه بشكل علني. وكان جواب بطرس متمحورا حول رؤيا شاهدها وارشاد الروح له وفي شهادة ستة اخوة ذهبوا معه وفي تعامل الله مع بيت كرنيليوس إذ حلّ الروح القدس عليهم. فسكت القادة وسكبوا قلبهم في الصلاة ليمجدوا الله. لاحظوا معي أن القائد الرسول بطرس لم يكن معصوما عن المساءلة أو شرح سلوكه أمام اخوته القادة. لقد تواضع بطرس من اجل الكنيسة بالرغم من عشرات الأسباب التي تؤهله أن يصدر قراره بسلطان. إن وصف الحدة والتسلط بالشخصية القوية هو وصف خال من الصحة. وليس العناد والتسلط دليلا يعكس "قوة الشخصية"، بل يعكس ضعفها وعدم نضوجها. أما بطرس فكان متواضعا.

ثالثا، واجهت الكنيسة مشكلة عقائدية (أع 15: 1 - 35). ولم يستطع القادة أن يتفاهموا فقرروا الذهاب إلى المجمع في أورشليم. وبعد عرض المواقف المختلفة، وقف بطرس متحدثا عن اختباره وأكد أننا يجب ألا نضع قيودا غير ضرورية على اخوتنا إذ طهّر الله قلوبهم بالإيمان واعطاهم الروح القدس. واكدا برنابا وبولس عمل الروح القدس في الأمم. ثم شرح يعقوب توافق الاختبار مع الإعلان الكتابي داعيا إلى عدم وضع قيود غير ضرورية على الأمم. وكانت النتيجة الفرح والتعزية والتبشير بكلمة الله.

بعض الاستنتاجات المتعلقة بالنص الكتابي في سفر أعمال الرسل واقتراحات عملية. (1) يبدو لي أن اجتماعات العمل كانت اجتماعات للصلاة واحيانا للصوم والتسبيح (انظر أيضا أع 1: 15 – 26). ولم تكن الصلاة ناموسا مفروضا، بل جزءا مهما من آلية اتخاذ القرار الصحيح ووسيلة طوعية للتفاعل مع الله وانتظار ارشاده والبحث عن مشورته. ولم تكن صلواتهم عبارات بشرية استهلالية كقص الشريط في احتفالات الإفتتاح، بل تفاعلا عاطفيا وفكريا مع الله. إن النقاش المقترن بالصلاة هو بمثابة جرعة ذاكرة لكل من ينسى أنه لا بالقوة ولا بالقدرة، بل بروح الرب سيمتد عمل الرب. يا رب انعش ذاكرتي الضعيفة بصلوات شعبك في اجتماعات العمل.

(2) واجهت الكنيسة الأولى المشاكل بوضع إجابات ومعايير واضحة أعلنتها للجميع وناقشتها معهم. وتوقعت أن يلتزم بالقرار النهائي كل المؤمنين دون استثناءات. وكان هدف هذه المعايير بناء الكنيسة وحمايتها. ولقد وضع القادة هذه المعايير ولكنهم ناقشوها مع الكنيسة قبل اصدارها. إن المعايير ضرورية ويجب أن نعمل على وضعها بحكمة ونشكر الله لمن يعمل على كتابتها وكتابة عقيدة الكنيسة أو دستور الإيمان أو دستور الترتيب والنظام. في ذات الوقت وبدون التهجم على أي إنسان ولكن من اجل التوضيح فقط، اضيف قائلا: لم تكن المعايير مقدمة بعقلية متخشبة أو متحجرة كالصوان الصلب، بل متسمة بمرونة لكي لا نضع قيودا غير ضرورية على المجموعات غير القريبة منا أو على الخدمات التي تختلف عنا. فالنظام في خدمة الله وليس الله في خدمة النظام. لهذا نحتاج إلى تطوير نظام انجيلي ناجع يساهم في معالجة داء الإنقسام. في ضوء هذا الأمر وضرورة القضاء الكنسي أو وجود قضاة في الكنيسة (1 كور 6: 1 – 5) اشدد على أهمية تأسيس محكمة كنسية إنجيلية مبنية على أسس كتابية ولها سلطان كنسي مُلزم لكل الاشخاص الذي يوافقون على التوجه إليها خاصة أننا نحتاج إلى سلطة كنسية انجيلية تترجم الأبعاد الكتابية في سياق النزاعات والإنشقاقات.

آمل أن تكون هذه الأفكار البسيطة خطوة أخرى في سبيل بناء عقلية الوحدة الملتزمة بالمحبة والحق والتي تسعى بقلب منكسر إلى الحفاظ على جسد المسيح بدون تمزق.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا