معظم علماء الكتاب يؤمنون أن موضوع رسالة يوحنا الأولى هو الشركة مع الله. وذلك من خلال حياة البر والمحبة، وأيضًا من خلال التمسك بالإيمان والتعليم الصحيح والابتعاد عن البِدَع والأباطيل، ووضع خطوط واضحة ما بين الروح الذي فينا والروح الذي يسيِّر هذا العالم.

المحبة هي أساس الشركة مع الله.

إن الوحي المقدس، من خلال يوحنا الحبيب، يفتتح رسالته ويعلمنا أن جوهر الشركة مع الله هو السلوك في النور، حيث يقول:
" 6 إِنْ قُلْنَا إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ. 7 وَلَكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ." 1 يوحنا 1.
إن السلوك بالنور يعني أن تكون لنا شركة حقيقية مع الله والتي تتنفس باستمرار هواء الاعتراف بالخطايا والتطهير المستمر بدم يسوع المسيح.

لكن ماذا يقصد يوحنا بالسلوك بالنور بشكل محدد؟

نرى الإجابة بالإصحاح الذي يليه:
" 9 مَنْ قَالَ إِنَّهُ فِي النُّورِ وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ، فَهُوَ إِلَى الآنَ فِي الظُّلْمَةِ. 10 مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ ..." 1 يوحنا 2.

أي أن حياة المحبة هي حياة النور وهي أساس الشركة مع الله، وبدونها يكون هناك حاجزًا بيننا وبين الله.

لكن ما هي قصة المحبة وما هو السر لمركزيتها ؟
قال يوحنا في بدء طرحه لموضوع المحبة، أن المحبة هي ليست جديدة، بل كانت عندنا منذ البدء وأيضًا سمعناها من البدء:
" 7 أَيُّهَا الإِخْوَةُ، لَسْتُ أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ وَصِيَّةً جَدِيدَةً، بَلْ وَصِيَّةً قَدِيمَةً كَانَتْ عِنْدَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ. الْوَصِيَّةُ الْقَدِيمَةُ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي سَمِعْتُمُوهَا مِنَ الْبَدْءِ." 1 يوحنا 2.
ويعود ويؤكد على هذا الموضوع في الأصحاح الثالث فيقول:
" 11 لأَنَّ هَذَا هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنَ الْبَدْءِ: أَنْ يُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً " 1 يوحنا 3.
بعض المفسرين يعتقدون أن يوحنا هنا يقصد وصية الله في تثنية 6: 5 ولاويين 19: 34: أن تحب الرب إلهك وتحب قريبك كنفسك، وذلك لأنهم لم يجدوا أية إشارة لوصية المحبة من بداية الخلق. لكن المشكلة في هذا التفسير هو أننا نعرف شعار " البدء" (باليونانية " أرخي")، كما يستخدمه يوحنا، يقصد به عند بدء الخليقة وليس عند نزول الناموس، حين أعطى الله لموسى وصايا المحبة هذه. في مطلع الرسالة مثلاً، يستخدم يوحنا كلمة " البدء" قائلا عن المسيح: " اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ..."، ونحن نعرف أنه يقصد منذ بداية الخليقة، وليس وقت نزول التوراة لموسى (وهكذا أيضًا يوحنا 1: 1).

لذلك أعتقد أن يوحنا هنا يتكلم عن بداية الخليقة، ويقول أن تلك الوصية، أي المحبة، كانت وصية قديمة سمعناها من البدء، لكنها أعيدت من جديد الآن في المسيح وفينا حيث يتابع ويقول:
" 8 أَيْضاً وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ، مَا هُوَ حَقٌّ فِيهِ وَفِيكُمْ (أي أنها تحققت في المسيح وفينا)، أَنَّ الظُّلْمَةَ قَدْ مَضَتْ، وَالنُّورَ الْحَقِيقِيَّ الآنَ يُضِيءُ." 1 يوحنا 2.

وهنا نلاحظ أن يوحنا يبرز ويربط ثلاث نقاط معًا:
الأولى: قضية المحبة التي كانت موجودة منذ بداية الخليقة.
الثانية: ربطها بالنور الحقيقي الذي رجع ليضيء في حياتنا وفي هذا العالم.
الثالثة: هي أن المحبة تحققت بيسوع المسيح، لأنه نور هذا العالم أيضًا كما قال عن نفسه (يوحنا 8: 12)، وأيضًا، كما قلنا في التأمل السابق، يقدم لنا يوحنا ربط تام ما بين الإيمان بالمسيح والمحبة بشكل لا يقبل الفصل (1 يوحنا 3: 23، راجع أيضًا وصية يسوع نفسه في يوحنا 13: 34-35 و15: 12-13 و17).

لكي نفهم أكثر، دعونا نتذكر ما قاله الوحي في بداية الخَلق:
" 1 فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. 2 وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ 3 وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ» فَكَانَ نُورٌ. 4 وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَة." تكوين 1.
نرى أن روح الله عندما بدأ يرف على وجه المياه، حالاً أدى إلى إظهار النور. والنور كان أول شيء حسن أمر الله بأن يَظهر في هذه الخليقة. وأنا أؤمن، بحسب فهمي لما أبرزه الوحي في رسالة يوحنا الأولى، أن النور هنا هو محبة الله التي ظهرت من خلال حياة المسيح في هذه الخليقة.

أي أن الخليقة هذه كلها أسسها الله على محبته الإلهية، وكانت تلك المحبة هي النور وهو أول شيء يقول الله أنه حسن في هذه الخليقة. بعدها عمل روح الله عملية فصل ما بين الظلمة والنور ومن ثم خلق كل شيء على اساس المحبة.

وهذا تمامًا ما يحدث لنا عندما نقبل المسيح: يفيض روح الله بالنور، أي بالمحبة الإلهية، في قلوبنا (رومية 5: 5)، ويبدد الظلمة التي فينا (يوحنا 8: 12)، ويجعلنا نور يشع من جديد بنور المحبة التي فُقدت من هذا العالم بعد خطية آدم (متى 5: 14).

إن هذه الحقائق خطيرة جدًا ويجب أن نعطيها جُل انتباهنا:
أن كان الله قد أسس هذه الخليقة على المحبة، وبعد خطية آدم فُقِدَت هذه المحبة من العالم، لذلك جاء المسيح وأظهر محبة الله مُجددًا بموته على الصليب، ليعيد تلك المحبة المفقودة إلى هذه العالم. فإن فقدنا هذه الحقيقة، سنفقد أهم شيء جاء المسيح لأجله في هذا العالم، وسوف لا نستطيع أن نحقق أهم جزء من إرادة الله ودعوته لإعادة نور المحبة المفقودة إلى هذا العالم.

لذلك يتابع يوحنا ويقول:
" 11 وَأَمَّا مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ فِي الظُّلْمَةِ، وَفِي الظُّلْمَةِ يَسْلُكُ، وَلاَ يَعْلَمُ أَيْنَ يَمْضِي، لأَنَّ الظُّلْمَةَ أَعْمَتْ عَيْنَيْهِ." 1 يوحنا 2.

لأنه بدون المحبة نصبح عثرة أمام عمل الله لذلك قال:
" 10 مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ وَلَيْسَ فِيهِ عَثْرَةٌ." 1 يوحنا 2.

الآن نستطيع أن نفهم لماذا استخدم يوحنا لغة قاسية لمن لا يحب أخاه، كما ورد في التأمل السابق:
من لا يُحب أخاه لا زال في الظلمة (1 يوحنا 2: 9)، من لا يحب أخاه يكون كأولاد إبليس (1 يوحنا 3: 10)، من لا يحب أخاه يبقى في الموت (1 يوحنا 3: 14)، من لا يُحب أخاه هو قاتل نفس (1 يوحنا 3: 15)، من لا يُحب أخاه لم يعرف الله لأن الله محبة (1 يوحنا 4: 8)، من لا يحب أخاه لا يحب الله (1 يوحنا 4: 20).

أن القضية ببساطة هي أننا إن فقدنا كمؤمنين دعوتنا لبث تلك المحبة الإلهية من جديد في هذا العالم، يكون قد تلاشى أي فرق بيننا وبين أهل العالم، وبالتالي أصبحنا بلا تأثير.

لكن نعمة الله لن تسمح بهذا، حيث قال يوحنا أيضًا أننا سنغلب العالم وسنحقق إرادة الله:
" 4 أَنْتُمْ مِنَ اللهِ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، وَقَدْ غَلَبْتُمُوهُمْ لأَنَّ الَّذِي فِيكُمْ أَعْظَمُ مِنَ الَّذِي فِي الْعَالَمِ." 1 يوحنا 4.

نعم الذي فينا هو الذي يحمل هذا العالم وسوف لا يستطيع العالم أن يهزمه. نحن نور هذا العالم، فالله يريد أن يستخدمنا ليظهر من خلالنا محبته من جديد في هذا العالم المظلم. تلك المحبة التي فُقدت بعد خطية آدم وأصبح العالم مكانًا تسود عليه الكراهية والغيرة التي أدت إلى دائرة القتل وسفك الدماء إلى هذا اليوم. نعم نصيبنا ككنسية المسيح أن نكون نور للمحبة الإلهية في هذا العالم، وهكذا سيكون نصيبُك ونصيبي بنعمة المسيح، إن تبعنا المحبة بلا هوادة ومهما كلَّف الأمر.

(سنتكلم في التأمل القادم عن سقوط المحبة الإلهية وتأثير هذا السقوط على هذا العالم).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا