هل القدرة على الوعظ دليل على استقامة روحية؟

غالبًا ما نلاحظ وجود مؤمنين سطحيين ممن يركزون أنظارهم نحو الواعظ أو المتكلم أو الخادم في الكنيسة ويتعلقون به علاوة عن اللزوم بدلاً من أن يوجهوا أنظارهم نحو الرب
01 نوفمبر - 09:35 بتوقيت القدس
هل القدرة على الوعظ دليل على استقامة روحية؟

غالبًا ما نلاحظ وجود مؤمنين سطحيين ممن يركزون أنظارهم نحو الواعظ أو المتكلم أو الخادم في الكنيسة ويتعلقون به علاوة عن اللزوم بدلاً من أن يوجهوا أنظارهم نحو الرب يسوع. وهذا أمر في غاية الخطورة لأن الوصية الكتابية في رسالة العبرانيين تحثنا أن نكون دوماً في حالة الترقب والاستعداد الروحي "ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع". عبرانيين ١٢: ٢

وكثيرًا ما نسمع ألفاظ وعبارات من بعض المؤمنين العارجين بين الفرقتين، مثل: "الواعظ الفلاني ينعشني ويباركني من خلال عظاته، مشاركاته وتأملاته...  الواعظ الفلاني يلهب قلبي ومشاعري من خلال عظاته... الواعظ الفلاني "ممسوح ومملوء بالروح القدس"... أو مثلاً: "أنا اتبارك، أستفيد واتشجع من عظات فلان أو علان"... إلخ."

طبعًا هذه العبارات بحد ذاتها ليست خاطئة ولا تحتوي على أية عيوب أو عثرات. وهي لا تزعجنا بتاتاً، بل على العكس تمامًا.  نحن نفرح لأجل هؤلاء المؤمنين الضعفاء الذين تنتعش قلوبهم وتلتهب مشاعرهم ولو بشكل مؤقت عند سماعهم تلك العظات التشجيعية (طالما أن تلك العظات لم تنحرف عن الحق الكتابي)، على الرغم من أننا نعلم أن هذا الانتعاش المؤقت لن يدوم طويلاً ولن يكون سوى نوع من التخدير وتسكين الآلام مؤقتًا.

ولكن على الرغم من فرحتنا وسعادتنا لأجل هؤلاء "المؤمنين" المساكين الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم والذين يتأثرون بشكل مؤقت من خلال تلك العظات "النارية" وتثور مشاعرهم لبضع دقائق أو بضع ساعات أو أيام معدودة عند سماعهم بعض العظات "الانتعاشية"، إلا أننا لا نستطيع أن نشاركهم في المدح والثناء لأولئك الوعاظ المتكلمين طالما أن المتكلم ذو سيرة سيئة، صيت رديء وثمار فاسدة أو إذا كان المتكلم من مروجي البدع والهرطقات والتعاليم الكاذبة. ومن الممنوع أن نشارك أولئك الضعفاء المساكين في ذلك المدح الملتوي، لئلا نسقط في فخ الشركة مع قوى الظلمة. لأن الكتاب المقدس يحذرنا بشكل واضح من خطورة الانزلاق والاشتراك في مدح الأشرار، من خطورة مدح دعاة الضلال والهرطقات وخطورة الشركة معهم.

"ان كان أحد يأتيكم و لا يجيء بهذا التعليم فلا تقبلوه في البيت ولا تقولوا له سلام لأن من يسلم عليه يشترك في أعماله الشريرة ". رسالة يوحنا الثانية ١٠- ١١

ويقول الوحي الإلهي المقدس أيضاً في الأصحاح الثالث عشر من سفر حزقيال:

"وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَاجْعَلْ وَجْهَكَ ضِدَّ بَنَاتِ شَعْبِكَ اللَّوَاتِي يَتَنَبَّأْنَ مِنْ تِلْقَاءِ ذَوَاتِهِنَّ، وَتَنَبَّأْ عَلَيْهِنَّ، وَقُلْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: وَيْلٌ لِلَّوَاتِي يَخُطْنَ وَسَائِدَ لِكُلِّ أَوْصَالِ الأَيْدِي، وَيَصْنَعْنَ مِخَدَّاتٍ لِرَأْسِ كُلِّ قَامَةٍ لاصْطِيَادِ النُّفُوسِ. أَفَتَصْطَدْنَ نُفُوسَ شَعْبِي وَتَسْتَحْيِينَ أَنْفُسَكُنَّ،

وَتُنَجِّسْنَنِي عِنْدَ شَعْبِي لأَجْلِ حَفْنَةِ شَعِيرٍ، وَلأَجْلِ فُتَاتٍ مِنَ الْخُبْزِ، لإِمَاتَةِ نُفُوسٍ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَمُوتَ، وَاسْتِحْيَاءِ نُفُوسٍ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَحْيَا، بِكَذِبِكُنَّ عَلَى شَعْبِي السَّامِعِينَ لِلْكَذِبِ؟

«لِذلِكَ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هَا أَنَا ضِدُّ وَسَائِدِكُنَّ الَّتِي تَصْطَدْنَ بِهَا النُّفُوسَ كَالْفِرَاخِ، وَأُمَزِّقُهَا عَنْ أَذْرُعِكُنَّ، وَأُطْلِقُ النُّفُوسَ، النُّفُوسَ الَّتِي تَصْطَدْنَهَا كَالْفِرَاخِ. وَأُمَزِّقُ مِخَدَّاتِكُنَّ وَأُنْقِذُ شَعْبِي مِنْ أَيْدِيكُنَّ، فَلاَ يَكُونُونَ بَعْدُ فِي أَيْدِيكُنَّ لِلصَّيْدِ، فَتَعْلَمْنَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ. لأَنَّكُنَّ أَحْزَنْتُنَّ قَلْبَ الصِّدِّيقِ كَذِبًا وَأَنَا لَمْ أُحْزِنْهُ، وَشَدَّدْتُنَّ أَيْدِي الشِّرِّيرِ حَتَّى لاَ يَرْجعَ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ فَيَحْيَا، فَلِذلِكَ لَنْ تَعُدْنَ تَرَيْنَ الْبَاطِلَ وَلاَ تَعْرِفْنَ عِرَافَةً بَعْدُ، وَأُنْقِذُ شَعْبِي مِنْ أَيْدِيكُنَّ، فَتَعْلَمْنَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ». حزقيال ١٣: ١٧- ٢٣

للتوضيح: ليس المقصود من هذا المقال أن ندين أحدًا أو نعلق أحدًا على حبل المشنقة (حاشا وكلا)، ولكن المقصود بكل بساطة وبكل وضوح هو أن نحذر من مغبة السقوط في الفخ الشيطاني الخطير (وهو فخ التعلق بالواعظ أو المتكلم الذي ليس سوى أداة لنقل رسالة، قد تكون رسالة سماوية مقدسة، أو قد تكون أيضًا رسالة أرضية نفسانية مخدرة) ومن مغبة الانحراف وراء الشهوات الأرضية التي قد تقودنا إلى الضلال والبعد عن كلمة الحق، ومن مجملها: شهوة المنبر، شهوة الواعظ/ المتكلم وشهوة الكلام المعسول الذي يدغدغ الأذنين كنوع من التخدير أو المسكنات.

وهنالك بعض النقاط المهمة التي يتوجب علينا التنويه إليها في هذا المضمار:

أولاً: كما أسلفنا وذكرنا في بداية المقال، عيوننا يجب أن تتجه بشكل مستمر ومتواصل نحو الرب فقط، ومن الممنوع أن تميل أنظارنا نحو شخص آخر مهما كانت قيمته أو مكانته الروحية فهو ليس سوى أداة يستخدمها الله في نقل رسالته (طبعاً هذا إذا كان رسولاً للرب. لأنه من الممكن أن يكون أيضاً من دعاة الضلال والخزعبلات التي تتغلف بالإيمان المسيحي وبالكتاب المقدس ظاهرياً وخارجياً).

ثانياً: ليس الأمر الجوهري والأهم ما إذا كان الواعظ ذو قدرات كلامية فائقة تتلامس مع القلب والروح أم لا.  هذا ليس الجوهر أو الأساس بتاتاً.  وليس هذا ما يجب أن يشغلنا. وبالمناسبة، ليست القدرات والمواهب هي ما ستجعل المتكلم يكتسب المكافآت السماوية. فهذا ليس المقياس.

الأمر الأساسي الذي يجب أن نفحصه ونحرص على مراقبته لئلا تلام الخدمة هو نوعية الحياة الروحية الأخلاقية والسلوكية التي يعيشها هذا الواعظ/ المتكلم. لأن الرب يسوع أعلن بشكل واضح في الاصحاح الخامس من إنجيل متى البشير أن "مَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ." (متى 5: 19).

فما الفائدة إذا كان الواعظ يتكلم عن أهمية حياة التوبة والتقديس إذا كان هو بحد ذاته يعيش حياة ملؤها النجاسة والزنى والفجور؟

وما الفائدة إذا كان الواعظ يتكلم عن أهمية الصوم والصلاة إذا كان هو بحد ذاته لا يصلي ولا يصوم؟ وما الفائدة إذا كان الواعظ يتكلم عن أهمية المحبة والسلام والمغفرة إذا كان هو بحد ذاته لا يحب الناس ولا يحب إخوته المؤمنين بل يهينهم، يجرحهم، يحتقرهم، يتنمر عليهم أو يستهزيء بهم؟؟ هل من المفروض أن يعيش المؤمن أو الخادم حياة كهذه؟؟ وهل هذه خدمة للرب؟

ثالثاً: المقاييس والمعايير الحقيقية للنمو الروحي والتقدم في الإيمان ليست مواهبنا أو قدرتنا على الوعظ والتكلم، وليست قدرتنا على صنع المعجزات أو الشفاءات أو إخراج الشياطين... إلخ. على الرغم من أهمية كل هذه الأمور، وعلى الرغم من كونها جزءًا من الخدمات التي صنعها الإله المتجسد ربنا ومخلصنا يسوع المسيح خلال حياته على الأرض، ولكنها ليست المقياس أو المعيار للنضوج أو النمو الروحي. فهذه الأمور قد تكون زينة خارجية ناتجة عن السلوك بالروح القدس وقد لا تكون ناتجة عن ذلك بتاتًا. فنحن نعلم أن يهوذا الاسخريوطي (الذين خان الرب وسلمه لأعدائه ليصلبوه مقابل ثلاثين من الفضة) كان واحداً من التلاميذ الذين أرسلهم الرب يسوع وأعطاهم سلطاناً ليشفوا المرضى، ليخرجوا الشياطين وليكرزوا بالملكوت.  وبالتالي، المواهب والقدرات والمعجزات ليست دليلاً على النمو الروحي.

المقاييس والمعايير الحقيقية للنمو الروحي هي حياتنا اليومية بما في ذلك: ثمارنا، أعمالنا، أخلاقياتنا، سلوكياتنا، مقدار مخافتنا ومحبتنا للرب وخضوعنا له. وكذلك مقدار محبتنا لأولاد الرب وأسلوب تعاملنا معهم. وهذا معلن في الاصحاح الثالث من رسالة يوحنا الأولى: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ. مَنْ لاَ يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي الْمَوْتِ." (يوحنا الأولى 3: 14).

رابعاً: بصرف النظر عما إذا كانت العظة قد ساهمت في تشجيعنا أم لم تساهم في ذلك، من المهم والضروري جدًا أن نمتحن تأثير فحوى الوعظ أو فحوى التعليم على جمهور السامعين في الإجتماع أو المؤتمر أو الكنيسة. فالرب يسوع قال بوضوح في الاصحاح السابع من إنجيل متى: "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟

هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً. كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ.

فَإِذًا مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. متى ٧: ١٦-٢٠

من المهم أن نسأل: هل تغيرت حياة السامعين بعد هذه العظة أو المشاركة أو التعليم؟ وكيف تغيرت بالضبط؟ ما نوعية التغيير؟ هل هو تغيير إيجابي يعكس مجد الرب، نور الرب، محبته وتعاملاته العظيمة مع البشر؟؟ أم هو تغيير مخزي يسبب الفضائح، وصمات العار، ولربما تشويه وتلطيخ سمعة الكنيسة وشعب الكنيسة؟؟  لنتذكر وصية الرب الواضحة:

"فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ." متى ٥: ١٦

خامساً: من المهم أن نتذكر أن العظة أو التأمل أو التعليم لن يساهموا في تغيير حياة المؤمن سلبًا أو إيجابًا. بل أن ممارسة وسائط النعمة (بما فيها الخلوة الفردية، صلاة المخدع، قراءة الكلمة، الصوم، والمواظبة على الشركة مع الرب ومع المؤمنين) هي ما ستساهم في تغيير حياة المؤمن وتطويره روحيًا.

بدون مواظبة على ممارسة وسائط النعمة هذه، لن يفيدك سماع مئات الآلاف من العظات التشجيعية والتأملات.

وبالمناسبة، إن عدم المواظبة على ممارسة وسائط النعمة قد يؤدي إلى ضلال، ارتباكات ومخاطر كثيرة. 

على سبيل المثال: إن الإبتعاد عن قراءة كلمة الله (الكتاب المقدس) يجعلنا نصدق كل ما يقال لنا من تعاليم ومعتقدات لأننا لن نمتلك القدرة على أن نمتحن الأرواح طالما أننا لا نقرأ الكلمة. ولكن بالمقابل فإن التقرب من كلمة الله (التي هي روح وحياة كما وصفها السيد المسيح في إنجيل يوحنا ٦: ٦٣) يجعلنا نكتشف كل تعليم خاطئ ونميز تمييزًا واضحًا بين الحق والضلال.

سادسًا: من المهم أن نتذكر ونشدد على حقيقة مهمة جدًا وأساسية جدًا في الإيمان المسيحي، وهي أن الإيمان العامل بالمحبة هو السبيل الذي يقود إلى الخلاص ودخول ملكوت السماوات.

مفتاح الخلاص والحياة الأبدية لا يتعلق بالمواهب أو القدرات الفائقة للطبيعة، وهو لا يتعلق بكمية الخدمات أو تأثير الخدمات التي قمنا بها خلال حياتنا الأرضية اليومية. ليس هذا طريق الخلاص. ليس هذا ما يحدد حصولنا أو عدم حصولنا على الحياة الأبدية. فكلمات الرب يسوع المسيح في الأصحاح السابع من إنجيل متى كانت واضحة بخصوص هذا الموضوع: 

«لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.

كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟

فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!

«فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا، أُشَبِّهُهُ بِرَجُل عَاقِل، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ.

فَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ، وَوَقَعَتْ عَلَى ذلِكَ الْبَيْتِ فَلَمْ يَسْقُطْ، لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّسًا عَلَى الصَّخْرِ.

وَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَلاَ يَعْمَلُ بِهَا، يُشَبَّهُ بِرَجُل جَاهِل، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الرَّمْلِ.

فَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ، وَصَدَمَتْ ذلِكَ الْبَيْتَ فَسَقَطَ، وَكَانَ سُقُوطُهُ عَظِيمًا!».

متى ٧: ٢١-٢٧

انتبهوا جيدًا للعبارات الخطيرة التي يقتبسها الرب يسوع على لسان المخدوعين الضالين والمضلين في الآية ٢٢ : تنبأنا،  أخرجنا شياطين، صنعنا قوات كثيرة... إلخ. 

انتبهوا ولاحظوا أنهم لم يصرخوا إلى الرب قائلين له: يا رب أليس باسمك قد آمنا؟ أليس لاسمك قد سلمنا حياتنا، ذواتنا ونفوسنا؟ أليس باسمك قد طلبنا التوبة والتقديس والرجوع إلى حضنك؟ أليس باسمك قد طلبنا الخلاص، النجاة والاغتسال من خطايانا من خلال دمك المسفوك لأجلنا على خشبة الصليب؟ 

إنهم لم يصرخوا إليه سائلين أو قائلين عبارات كهذه بتاتًا. بل صرخوا إليه متباهين ومتفاخرين بأعمالهم ومعجزاتهم الخارقة التي ظنوها دليلاً على خلاصهم ونجاتهم من النار الأبدية. فمن الواضح أن هؤلاء يظنون أنهم قد اقتنوا أنفسهم وخلاص نفوسهم من خلال المواهب والأمور الظاهرة علناً والتي قد تكون مجرد شكليات وأمور استعراضية!

آه يا للغباء والتصلف حينما يرفض الإنسان العنيد أن يذعن للحق وحينما يقسي قلبه ورقبته محاولاً أن يقوم بالالتفاف على الحق الكتابي الواضح فيما يتعلق بالخلاص والحياة الأبدية.

سابعاً: لو قرأنا المقاطع الكتابية التي تتحدث عن تجربة يسوع المسيح في البرية بعد أن صام أربعين يومًا وأربعين ليلة حتى جاع، فإننا نرى أن المواجهة بين يسوع المسيح وإبليس الشيطان كانت تشمل استخداما لآيات من كلمة الله. أي أن المجرب عدو الخير إبليس كان يجرب المسيح يسوع من خلال اقتباسات كتابية من كلمة الله. مثلاً: لقد حاول إبليس أن يجرب الرب يسوع طالبًا منه أن يطرح نفسه من فوق جناح الهيكل إلى أسفل قائلاً له "أَنَّه مَكتوب: يُوصي مَلائكتَه بِكَ فعلى أَيديهم يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجرٍ رِجلَكَ" متى ٤: ٦.  ولكن الرب يسوع كان يرد عليه من خلال المكتوب في كلمة الله أيضًا.

"مكتوب أيضًا لا تجرب الرب إلهك" متى ٤: ٧

إذن، هنا نرى بوضوح أن عدو الخير قد يعرف بعض المعرفة من كلمة الله، وقد يستخدم هذه المعرفة الكتابية لتضليل الناس وخداعهم. وبالتالي، نستنتج أن ليس كل من يعرف الكلمة أو يلهج بها هو مملوء بالروح القدس.  ليس كل من يعظ بالكلمة هو مستقيم روحياً أو سلوكياً. وليس من المفروض أن نتعلم أو أن نوجه أنظارنا ومسامعنا نحو كل من يلهج بالكلمة مهما كانت فحوى عظاته أو مشاركاته.

علينا أن نميز بين الواعظ الذي يغش ذاته ويغش الآخرين وبين الواعظ الحقيقي الذي يستخدمه الرب ليقود البشر إلى الحق الكتابي الصافي المطلق العديم الغش.

صلاتي أن يعطينا الرب الحكمة الكافية، الخضوع الكافي، التواضع والإذعان للحق والقدرة على التمييز بين الحق الكتابي والضلال المغلف بصورة التقوى.

صلاتي أيضاً أن يعطينا الرب القدرة والنعمة حتى نستمر في تثبيت أنظارنا نحوه ونحو قدرته اللامحدودة لئلا نتعلق بالبشر المحدودين ولكي نستطيع أن نسلك بحسب إرادته ووصاياه بدون انحراف أو التفاف أو تمرد.

آمين.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا