الجسد والروح والنفس

خلق الله الانسان على صورته ومثاله وابدع في خلقه من ثلاث عناصر رئيسية تكمل بعضها بعضا، جسد وروح ونفس، لتجعل الإنسان مخلوقا متكاملا، والكمال لله وحده. فما هو...
19 مارس - 12:00 بتوقيت القدس
الجسد والروح والنفس

جاء في الكتاب المقدس في سفر التكوين: أن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله.

وجاء في القرآن أن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم.

لقد ابدع الله في خلقه عندما خلق الإنسان من ثلاث عناصر رئيسية تكمل بعضها بعضا (جسد وروح ونفس) لتجعل الإنسان مخلوقا متكاملا، والكمال لله وحده. فما هو الجسد والروح والنفس؟

الجسد

 خلق الله الإنسان من تراب الأرض حيث جبله على شكل إنسان ذكر. فكان له جسما يحمل عناصر التربة ومكوناتها الحاوية على معظم العناصر الكيميائية الموجودة في تراب كوكب الأرض، مثل عنصر الحديد والزنك والبوتاسيوم والصوديوم والكربون وغيرها. وهذه العناصر نجدها في تركيب خلايا الدم والقلب والكبد والبنكرياس والعظام وأعضاء أخرى. كما ان الإنسان لا يعيش من دون عنصر الاوكسجين الحر في الهواء، ويحتاج الماء المركب من الاوكسجين والهيدروجين. وهذه العناصر التي تكوّن جسد الإنسان تُثبت أن الإنسان مخلوق من تراب الأرض ومائها وهوائها.

جسد الإنسان يستهلك هذه العناصر الكيميائية التي تكوّن جسده أثناء الحياة على الأرض ليستطيع مواصلة العيش بشكل طبيعي، ولابد من ان يعوّض الإنسان ما يفقده من هذه العناصر لتوليد الطاقة البيولوجية. فزوده الله الخالق بالغذاء النباتي والحيواني لسد النقص الحاصل في الجسد وإمداده بالطاقة باستمرار اللازمة لمواصلة الحياة. ولهذا منحه حاسة الجوع والعطش والاختناق للبحث عن الطعام والماء وتنفس الهواء الحر. ووفّر له النبات ولحم الحيوانات التي تحتوي على العناصر الكيميائية التي يحتاجها الجسم للقيام بالفعاليات الحيوية وإنتاج الطاقة الحرارية والحركية وتغذية الدماغ. وبدونها لا يقاوم الجسد سوى لأيام معدودة ثم تنحل خلاياه ويموت.

جسد الإنسان هو اللباس المادي للروح والنفس، وهو يشكل هيئة الإنسان المادية القابل للنمو من الخلية الأولى للحياة والبويضة حتى يخرج الجنين من رحم امه وينمو إلى إنسان متكامل البنيان الذي يعيش بشكل جماعي متعاونا مع بعضه البعض لكي يتكاثر ويُعمر الأرض كما أمره الله.

عند موت الجسد لأي سبب تتوقف اعضاءه الداخلية عن العمل، القلب والدماغ اولا، ثم تنحل بقية خلايا الجسم وتتلف. وبمرور الزمن تتحول خلايا اللحم والعظام الى تراب الأرض، وتعود من حيث تشكلت اولا في جسد آدم أبي البشر.

وبذلك تتحقق كلمة الله (من التراب خلقت وإلى التراب تعود). 

الروح

يقول الكتاب المقدس في سفر التكوين، بعد أن خلق الله الإنسان من تراب الأرض، نفخ في أنفه نسمة الحياة، فصار المخلوق إنسانا حيّا يمتلك كل الصفات والمميزات للكائن الحي، الحركة والتنفس والتفكير والمنطق والإحساس. لقد اعطى الله من روحه نسمة الحياة لأنه هو منبع ومصدر الحياة في الكون. وهو من يتحكم بالروح، يهبها لمن يشاء ويأخذها متى شاء.

قبل دخول الروح إلى الجسد كان مادة ميتة لا حياة فيها، مثل تمثال منحوت من حجر بهيئة إنسان لكنه لا يشعر ولا يفكر ولا ينطق ولا يتفاعل مع محيطه. فما سر الروح الذي جعل من المادة الميتة إنسانا حيّا ناطقا عاقلا متحركا، ينمو ويتكاثر؟ إنه سر من أسرار  الله لا يفقهه إنسان مهما أوتي من العلم، والروح من أمر الله وحده لا يستطيع الإنسان أن يفهم سره لأنه يخص الله فقط. لكننا نعلم أن الروح هو الطاقة المحركة للجسد،  فكل جسد حيّ لا يقوم بفعالياته الحيوية إن فارقته الروح.

يمكن تشبيه سريان الروح في الجسد كسريان التيار الكهربائي في الموتور المتوقف عن العمل، في حال تزويده بالتيار يبدأ بالحركة والدوران وتنفيذ العمل المرتبط به بعد ان كان كتلة معدنية جامدة.

وكذلك عند تزويد جهاز التلفاز بالتيار الكهربائي يبدأ بإصدار الصوت والصورة والألوان بعد ان كان مادة ميتة لا يصدر عنها أي شئ مسموع أو مرئي. وبقطع التيار عنه يتحول إلى مادة ميتة ثانية.

الله نبع الحياة ومصدر الإرشاد والتوجيه وعمل الخير. قال السيد المسيح وهو كلمة الله على الأرض: أنا هو الطريق والحق والحياة، (من رآني رآى الاب) اي راى (الله) غير المنظور بهيئة المسيح المنظور. وقد منح الله سلطانه وقدرته كلها للسيد المسيح وحده فأحيا بهذا السلطان الإلهي الموتى واعاد لهم الحياة والروح بعد مفارقة الجسد.

وقال السيد المسيح عن حياته وروحه كإنسان: "لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها". فهو الله المتحكم بالحياة والروح. فهو من نزل من السماء ليفدي البشرية بدمه. وهو من اعاد الحياة لجسده الميت بعد ثلاثة ايام، وقام من الموت منتصرا عليه. اما الإنسان فلا تحكم له بالروح وبالحياة.

استطاع الإنسان بعلمه أن يعالج الأمراض والجروح والكسور التي تصيب الجسد لترميمها بعد العطب، لكن الله وحده هو الشافي وليس الطبيب المعالج. الجروح لا تلتئم والكسور لا تبنى من جديد إلا بإرادة الله ولا دخل للطبيب في التئام الجروح وتخليق خلايا جديدة أو إعادة ربط خلايا العظام المكسورة مع بعضها. فمن صنعها اولا هو من يشفيها. اما الطبيب فهو واسطة لترميم الجسد بقدرة الله. الطبيب يعالج الجسد لكنه لا يتحكم بالروح، فمهما عمل وعالج يبقى عمر الإنسان محددا ليوم موعود، لا يستطيع أي طبيب أن يطيل عمر الأنسان ساعة واحدة إن شائت ارادة الله أن يسترجع أمانته المودعة في الجسد. 

يستطيع الطبيب أن يتعامل مع الجسد ماديا مثل بتر ساق او يد او استئصال طحال أو ورم. لكنه لا يستطيع أن يتعامل مع الروح، لا يقطع جزء منه ولا يخيط أجزاء الروح مع بعضها. لأن الروح لا يتعامل معها إلا واهبها.

فإن مات الجسد لسبب، فإن ذلك الجسد مقدر له مسبقا ان يموت بتلك الساعة ولذلك السبب. 

النفس

تكلمنا عن الجسد والروح والآن نريد أن نعرف ما هي النفس المكوّن الثالث للإنسان؟

النفس هي المشاعر والأحاسيس والانفعالات ناتجة من تفاعل الإنسان مع محيطه الخارجي. ولها تأثير سالب وموجب على حياته وعلى تطور فعاليات الجسد.

لنأخذ مثالا يقرّب لنا ماهية النفس وتأثيراتها على الجسم.

سافر رجل إلى جزيرة هاواي للراحة والاستجمام والتخلص مؤقتا من متاعب وهموم العمل. ويستمتع براحة نفسية هناك حيث جمال الطبيعة ساحرٌ، زرقة مياه البحر تشرح النفس وتريح الأعصاب المتعبة، وخضرة السهول وروعة منظر الجبال تسلب الالباب والعقول بحسنها والوانها.

ينهض الرجل هناك صباحا ويستمع لتغريد البلابل وغناء الطيور ويستمتع بألوان الببغاوات تنتقل بين اغصان الأشجار، ويمجد الله على جمال وروعة خليقته في خضرة الأرض وزرقة المياه ولطافة نسائم الهواء العليل. فيشعر باسترخاء جسدي وفكري، ينسى همومه وأعماله الوظيفية، يعتدل نبضه ويتنفس الهواء العليل بعمق ويعتدل ضغط دمه، ويحس بالسعادة والمرح ويرى الفتيات الحسناوات تخدمه في فندق الخمس نجوم المطل على شاطئ البحر. ويشعر وكأنه ولد من جديد وهو في اسعد حال.

بينما هو مستلق على كرسي هزاز متأملا في جمال الطبيعة حوله، يستمتع بمذاق عصير الاناناس  ويستمع إلى موسيقى هادئة ويتطلع الى امواج البحر المتراقصة، ويراقب فرحا مبتهجا رقصات الفتيات الحسناوات على الشاطئ وهو في اسعد حال والابتسامة تعلو وجهه. يرن فجأة جرس هاتفه النقال ويأتيه خبر من بلاده البعيدة، أن والدته قد صدمتها سيارة وفارقت الحياة.

هنا تنقلب فرحة الرجل فجأة الى تعاسة وحزن شديد، تتسارع نبضات قلبه ويرتفع ضغط دمه، وتصعد حرارته، تنهمر الدموع من عينيه، يبكي مولولا يندب سوء حظه ويتمزق قلبه حزنا لفراق اعز انسان على قلبه. ويجمع اغراضه كي يقطع سفرته ليعود إلى بلاده ليودع أمه الحبيبة بسبب حادث لم يخطر على باله وقد انقلبت افراحه الى احزان وتعاسة.

انتهت القصة.

اسال القارئ العزيز :

من تحكّم بتلك المشاعر المتناقضة لهذا الرجل؟ كانت مشاعر الفرح والسعادة تغمره، كان فرحا مستبشرا متفائلا وتعلو الابتسامة وجهه، فجأة انقلب كل شيء الى نقيضه، الفرح تحول إلى حزن والأمل أصبح كآبة، الابتسامة انقلبت الى دموع وبكاء !

من حرك تلك المشاعر المتناقضة فجأة؟ إنها النفس البشرية التي تتفاعل مع المحيط. هي من تمنح الجسد مشاعر مختلفة بين الفرح والحزن، الغضب والراحة أو الشعور بالتعب والإنهاك.

لقد تحولت نفسيته الإنسانية من مشاعر فرح غامر الى حزن قاتل خلال ثواني. 

اتمنى ان اكون قد قربتُ للقارئ معنى النفس البشرية وتأثيرها على الإنسان.

هذا هو الإنسان الذي خلقه الله كتلة من مشاعر واحاسيس مخزونة في العقل والدماغ، تتحرر سلبا وايجابا وتنعكس على جسم الإنسان وأعضائه. تزيد من دقات قلبه وتنفسه، تنشر الابتسامة على شفتيه فرحا إن كان محيطه موجبا، او يثار بموجة من الغضب والانفعالات والحزن والبكاء إن كان المحيط المتأثر به سلبا.

من حرك تلك الانفعالات هي النفس ولا دخل للجسد والروح بها. فكل من الجسد والروح والنفس له واجباته الخاصة. 

سبحان الله الخالق العظيم على عظمة خلقه وصنعته. انه من خلق الجسد ووضع الروح والنفس فيها.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا