محمد أمزيان – إذاعة هولندا العالمية/ نهاية الأسبوع الماضي أعلن في المغرب عن إيقاف 17 شخصا بتهمة نشر العقيدة المسيحية بين المغاربة. وفي نهاية شهر فبراير الماضي رفض السويسريون في استفتاء شعبي عام بناء مآذن إضافية في سويسرا. فماذا يجمع بين منع التبشير في بلد إسلامي ومنع المآذن في بلد مسيحي؟ وكيف أضحت حرية العقيدة التي تكفلها مجمل الدساتير، عامل تشكيك بين الشعوب؟

حرية الاعتقاد أم زعزعة العقيدة
 
يكفل الدستور المغربي في مقدمته "لجميع المواطنين حرية العبادة والتنقل والرأي والتعبير بكل أشكاله". وهذا بالفعل واقع المغرب طيلة عقود من الزمن. بيد أن الأحوال تبدلت في السنوات الأخيرة من حال إلى حال، وأضحت أنباء ’تفكيك‘ شبكة للتبشير هنا والتنصير هناك لا يخلو منها عنوان أو مقال.
 
ولكن بجانب هذه الضمانة، هناك في المقابل شخصية الملك باعتباره أميرا للمؤمنين. وقد سبق للملك محمد السادس أن صرح لصحيفة "الباييس" الأسبانية في يناير 2005، قائلا إن المغرب "ليس دولة علمانية". ويرى الدكتور محمد ضريف، المختص في الحركات الإسلامية، إن هذه الإشارة الملكية تعني أن "الحديث عن الحريات الدينية وحرية المعتقد، ربما تطرح بشكل حاد وقوي في دولة علمانية تفصل بين الدين والسياسة. وعندما لا تكون الدولة علمانية، ينبغي التعامل آنذاك مع قضية حرية المعتقد أو الحرية الدينية بنوع من التحفظ".
 
كما يؤكد النائب محمد رضا بن خلدون من حزب العدالة والتنمية الإسلامي (معارضة) على ضمان حرية المعتقد في المغرب. "ولكن عندما نمر إلى مرحلة التبشير، بمعنى الدعوة إلى المسيحية في صفوف، خصوصا الشباب الذين لا تكون لديهم عادة مناعة ضد أفكار معينة، فيصبح من واجب الدولة أن تقوم باحترازات حتى لا يقع ما يصطلح عليه قانونيا، زعزعة عقيدة المسلم".
 
تجريم القانون المغربي للعمل التبشيري المسيحي يطال حتى "التبشير" لتغيير المذهب داخل المنظومة الإسلامية الواحدة، من المذهب السني إلى المذهب الشيعي. ويلاحظ الدكتور محمد ضريف أن الدولة المغربية حينما تمنع المبشرين وتعاقب المبدلين لمذهبهم و تعتقل البهائيين، فهي "لا تتحدث عن تضييق على حرية المعتقد أو أنها لا تؤمن بالحرية الدينية، بقدر ما تبرر تصرفاتها بأنها تريد الحفاظ على الاستقرار".

التبشير والدعوة

ظاهرة المبشرين المسيحيين والدعاة المسلمين لا يخلو منها مجتمع. فإذا كانت المجتمعات الغربية حسمت أمر الشؤون الدينية بإسنادها إلى الكنيسة، فإن أمور الدعوة في العالم الإسلامي ينخرط فيها الجميع بما في ذلك أجهزة الدولة. كما أن الدعاة والمبشرين يسخرون، كل حسب استطاعته، قدراتهم المادية والمعنوية لكسب الأتباع. وفي العالم الإسلامي يثار في الوقت الراهن جدل حقوقي – ديني حول "حرية" ترك الإسلام كدين والدخول في دين آخر أو الجهر بالإلحاد.
 
وكانت حركة "مالي" في المغرب أثارت زوبعة حقيقية خلال شهر رمضان الماضي حينما أعلنت هذه الحركة عزمها تنظيم "إفطار علني" في واضحة النهار، الأمر الذي استوجب تدخل الأمن وإلقاء القبض على "متزعمة" الحركة. كما أن بعض المغاربة تجرؤوا وأعلنوا دخولهم المسيحية عبر المواقع الإلكترونية،وألقت صحف وطنية اللوم على جمعيات أجنبية تقوم بإنجاز مشاريع تنموية في الظاهر، ولكنها تمارس في السر تبشيرا وتنصيرا تقودهما المؤسسات الكنسية في الغرب.
 
يقول بن خلدون: "كثير من الدعوات تحت غطاء التبشير وراءها ما وراءها من أفكار تهدف إلى تغيير وزعزعة النسيج المجتمعي المغربي في أفق هيمنة غربية، ليست بالضرورة دينية. هيمنة غربية على أفكار الشباب وعلى أذواقهم وعلى ثقافتهم. وهذا إشكال حقيقي".
 
صدمة المآذن
 
ويستغرب النائب البرلماني الإسلامي محمد رضا بن خلدون من استغلال موضوع التبشير الآن "بعدما ظهرت الهجمة الشرسة على المسلمين في الغرب؛ قضية الحجاب وقضية المآذن، وبدأنا نقول بنوع من الموازنة: إذا كان من حق الدولة المغربية اعتقال شبكة المبشرين، فكأننا نقول من حق هؤلاء أن يمنعوا إقامة بناء المساجد والمآذن".
 
يرفض بن خلدون هذا الطرح ويرى أن بناء الكنائس والبيع للمسيحيين واليهود المتأصلين في البلدان الإسلامية واقع لا نقاش فيه. في حين أن منع بناء المساجد في بعض البلدان الأوربية "الديمقراطية" بدأ يسري في نسق عام معاد للإسلام. "فاليوم نبدأ بالمآذن وغدا أين سننتهي؟".

أجراس لا تقرع

باستثناء البلدان الإسلامية التي تعرف أقليات مسيحية متأصلة، والبلدان التي استقرت فيها المسيحية مع مجيء الاستعمار، هناك بلدان أخرى تدفقت عليها جاليات مسيحية مع تدفق النفط فيها. ولم تسمح كثير من الأقطار الخليجية ببناء الكنائس ودور العبادة لغير المسلمين إلا في السنوات الأخيرة. وكان افتتاح أول كنيسة في قطر (أبريل 2008) حدثا تداوله الإعلام الدولي.
 
كما جرت مباحثات بين الفاتيكان والعربية السعودية في مستهل العام الماضي بشأن بناء أول كنيسة في المملكة التي يعيش فيها، حسب التقديرات، أكثر من مليون ونصف مليون مسحي؛ وهي مباحثات أدانها جمع من المسلمين، من داخل السعودية ومن خارجها باعتبار السعودية "أرض الحرمين الشريفين". إلا أنه وعلى غرار عدد من البلدان الإسلامية الأخرى، لا يسمح للكنائس بقرع الأجراس، وإظهار الرموز المسيحية الأخرى كالصلبان.
 
حرية المعتقد المكفولة في المغرب، لا تخص المغاربة، يؤكد الدكتور محمد ضريف، بل تستهدف إما اليهود المغاربة المؤصلين ومن يزور منهم المغرب من الخارج، أو المسيحيين الأوربيين المقيمين في المغرب. أما المسلمون المغاربة فلا يحق لهم لا تغيير الدين ولا تبديل العقيدة. "المغاربة المسلمون لا حق لهم في تغيير عقيدتهم".
 
وحينما يتم الحديث عن حق الممارسة الدينية في المغرب لغير المسلمين، فالملاحظ أن "هناك نوعا من التوافق بين المشرفين على الكنائس في المغرب على قلتها وبين السلطات المغربية، بحيث أن هذه الكنائس لا تقرع الأجراس احتراما منها لمشاعر المسلمين".
 
كما أن حرية الاعتقاد المكفولة بالدستور المغربي تخص فقط الديانات السماوية الثلاثة المعترف بها، ولا تشمل الديانات الأخرى كالبوذية وغيرها.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا