أبدى المعنيون بسلامة البيئة تخوفا من أن تؤثر التغيرات المناخية على شعار لبنان: شجرة الأرز. وكانت غابات الأرز تغط مساحات كبيرة من جبال لبنان، لكن خشب الأرز والراتينج المادة الصمغية التي تستخلص من هذه الشجرة جعلتها هدفا للاستغلال المكثف عبر العصور منذ المصريين القدامى إلى اللبنانيين المعاصرين أنفسهم مرورا بالفينيقيين والعثمانيين الذين أمعنوا في تلك الغابات تقطيعا. وتحظى شجرة الأرز في الوقت الراهن بالحماية، لكنها بدأت تواجه خطرا من نوع آخر. فربع عدد أشجار الأرز في لبنان توجد بمحمية الأرز الطبيعية للشوف، إلى الجنوب الغربي من بيروت.

ويقول المنسق العلمي لهذه المحمية نزار هاني إن ظاهرة الاحتباس الحراري قد تؤثر على نمو اشجار جديدة بسبب ضعف التساقطات الثلجية، وبسبب تزايد الأمراض الناجمة عن ارتفاع حرارة الطقس وتكاثر الحشرات.
حرارة مرتفعة ويوجد المجال الطبيعي لنمو شجرة الأرز على ارتفاع يتراوح ما بين 1200 و1800 متر على مستوى سطح البحر. ويقول هاني إن ارتفاع حرارة الأرض يعني ضرورة أن يرتفع مجال نمو هذه الأشجار: " وهذا أمر صعب المنال، ففي لبنان لا تتعدى أعلى نقط الألفي متر. ولهذا السبب فإن غابة الأرز في لبنان قد تختفي." ويستدرك هاني قائلا إن هذه لا تعدو أن تكون توقعات : " فغابة الأرز لدينا تتمتع بالعافية، خصوصا هنا في هذه المحمية."
وتسعى هذه إلى الحد من آثار ارتفاع حرارة الأرض. ويقول نزار هاني إن المجموعات المعزولة من أشجار الأرز هي المعرضة أكثر للخطر لذا فإن الزيادة في مساحات الغابات قد يساعد في مواجهة خطر الانقراض. ويقول هاني: "لدينا مشروع لغرس 100 ألف شتلة أرز".

من عجائب الطبيعة
بالنسبة للبنانيين شجرة الأرز التي تستطيع العيش لمئات السنين، هي أكثر من شجرة. ويقود زعيم الدروز السياسي وليد جنبلاط جهود حماية شجرة الأرز في منطقة الشوف معقل حزبه. وتقول زوجته نورا إن الأرز جزء من التراث الثقافي للبنانيين: "بعض من هذه الأشجار يناهز عمره ثلاثة آلاف سنة".
كما ألهمت شجرة الأرز العديد من شعراء وكتاب وفناني لبنان ومن بينهم جبران خليل جبران الذي دفن في بشري قرب محمية الأرز شمالي لبنان.

ويقول وهيب كيروز القيم على متحف جبران إن شجرة الأرز تحتل مكانة رفيعا في منظمة استعرات الكاتب والشاعر اللبناني الراحل. ويضيف قائلا: "إن الأرز كان دائما رمزا للقوة والسلطة والخصب والاستمرارية والإحساس بالخلود." وكانت شجرة الأرز من بين ما رشح ليصير عجائب الدنيا الطبيعية السبع الجديدة.
ويؤمل أن لا يصبح رمز البقاء هذا في أرض مشتتة، مجرد ذكرى فوق راية.

الأرز في الكتاب المقدس
والكلمة مشتقة من أصل عبري يعني " ثابت أو راسخ " ( قارنه بالفعل " أرسى " في اللغة العربية بمعنى " ثبَّت " ) . وتشير كلمة " أرز " في العهد القديم غالباً إلى " شجر الأرز " الأصيل المعروف في اللاتينية باسم " سيدراس ليباني " أو أرز لبنان . ولكن قد يستخدم الاسم للدلالة على أنواع مشابهة من الأشجار مثل الرتم أو الصنوبر ، فمثـــــــلاً في سفر العدد ( 24 : 6 ) " كأرزات على نهر " وهي عبارة شعرية ، لا بد أن المقصود بها هو نوع آخر من الأشجار التي تنمو بجوار المياه .
 
1- الأرز في التطهير الطقسي : يذكر الأرز مرتين كمادة للتطهير ، ففي اللاويين ( 14 : 4 ) كان يجب على الكاهن أن ينضح على الأبرص المتطهر من دم العصفور الطاهر الذي غمس فيه " خشب الأرز والقرمز والزوفا " . وفي سفر العدد ( 19 : 6 ) كان على الكاهن أن يأخذ " خشب أرز وزوفا وقرمزا ويطرحها في وسط حريق البقرة الحمراء . ويرى الكثيرون أن " الأرز " هنا لا يمكن أن يكون هو شجر  " أرز لبنان " حيث أنه - على قدر ما نعلم - لم يكن ينمو في البرية ، ولعل المقصود هنا هو نوع من الرتم الذي ينمو في البرية .
2- الأرز في العهد القديم : يذكر الأرز في العهد القديم بإعجاب دائماً ، وقد اعتبر سليمان شجرة الأرز أول الأشجار ( 1 مل 4 : 33 ) وهي " مجد لبنان " ( إش 35 : 2 ، 60 : 13 ) وكان أكثر ما تشدق به سنحاريب هو تهديده بقطع أرز  لبنان الطويل ( إش 37 : 24 ) . وهي أشجار قوية كما يبدو من القول " صوت الرب بالقوة … صوت الرب مكسر الأرز ، ويكسر الرب أرز لبنان " ( مز 29 : 4 و 5 ) .
 
وأشجار الأرز عالية : " قامته مثل قامة الأرز " ( عا 2 : 9 ، 2 مل 19 : 23 )  رائعــــــــــة الجمال ( نش 5 : 15 ) . وتشبه قوة أشور " بالأرز في لبنان جميل الأغصان وأغبى الظل وقامته طويلة وكان فرعه بين الغيوم .. فارتفعت قامته على جميع أشجار الحقل وكثرت أغصانه وطالــت فروعه " ( حز 31 : 3 - 5 )  . ويطلق عليها اسم " أشجار الله " : " تشبع  أشجار الرب أرز لبنان الذي نصبه ( أو غرسه ) " ( مز 104 : 16 ) ومازال السوريون إلى اليوم يسمونه " أرز الرب " والصديق ينمو " كالأرز في لبنان " ( مز 92 : 12 ) .
 
وواضح من سفر الملوك الأول ( 6 : 9 - 18 ، 10 : 27 ) أن الأرز كان كثيراً جداً في لبنان ، ويمكننا أن نتصور ماكانت تضفيه أشجارة من روعة وجمال على تلك المنطقة مما جاء في نبوة زكريا ( 11 : 1 - 2 ) : " افتح أبوابك يالبنان فتأكل النار أرزك . ولول ياسرو لأن الأرز قد سقط لأن الأعزاء قد خربوا . ولول يابلوط باشان لأن الوعر المنيع قد  هبط " .
 
3-خشب الأرز  : وخشب الأرز عظيم القدر دائماً ، فهو أثمن من الجميز ( 1 مل 10 : 27 ، إش 9 : 10 ) . وكان لداود بيت من أرز بناه له رجال حيرام ملك صور ( 2 صم 5 : 11 ) . وقد أعد " خشب أرز لم يكن له عدد " ( 1 أخ 22 : 4 ) . وقد استخدم خشب الأرز بكثرة في بناء هيكل سليمان وقصره . وكانت الأشجار تقطع في جبل لبنان بواسطة الصيدونيين بأمر من حيرام ملك صور ، " فكان حيرام يعطي سليمان خشب أرز وخشب سرو حسب كل مســـرته " ( 1 مل 5 : 6 - 10 ) . وكان من أهم عمائر سليمان : " بيت وعر لبنان " ( 1 مل 7 : 2 ، 10 : 17 ، 2 أخ 9 : 16 ) لأنه بني من أرز لبنان . وبينما كانت تصنع من خشب الأرز " الجوائـــز " ( 1 مل 6 : 9 ، نش 1 : 17 ) ، والألواح ( نش 8 : 9 ) ، والأعمدة ( 1 مل 7 : 2 ) ، والسقـــــــوف ( إرميا 22 : 14 ) ، فإنه كان أيضاً يستخدم في النحت وصنع الأصنام ( إش 44 : 14 و 15 ) كما كانت تصنع منه سواري السفن ( حز 27 : 5 ) .
 
4- الأرز في لبنان حالياً  : مازال أرز لبنان شامخاً في جبال لبنان ، وينمو بأعداد كبيرة في جبال طورس وبخاصة في عين زحلة " وبشرى " ، ولأرز " بشرى " شهرة عالمية واسعة حيث توجد حوالي 400 شجرة بينها بعض الأشجار الضخمة المعمرة نامية على سفوح لبنـــان الجرداء ، على ارتفاع حوالي 6.000 قدم فوق سطح البحر ، ولا شك في أنها بقايا غابة كانت تغطي سفوح الجبال على امتداد أميال كثيرة . ويوجد بينها حوالي ست أشجار ترتفع إلى سبعين أو ثمانين قدماً ، ويبلغ محيط الجذع أربعين قدماً أو أكثر وليس من السهل تقدير عمرها وقد يكون أكثر من 800 سنة أو 1000 سنة ، ورغم روعتها إلا أنها ليست أضخم أشجار الأرز ، فبعض أشجار الأرز في الهيمالايا ترتفع إلى 150 قدماً ، ولكن أروع ما في أشجار الأرز ليس هو ارتفاعها ولا ضخامة جذعها ، بل امتداد أغصانها امتداداً  جانبياً قد يزيد عن ارتفاعها . وتنمو الأغصان أفقياً في طبقات يعلو بعضها بعضاً ، تبدو كل طبقة منها إذا نظر إليها من أعلى ، وكأنها مرج أخضر ويبلغ طول الورقة بوصة واحدة ، وهي تنتظم في عقود ، وتبدو فاتحة الأخضرار في البداية ، ولكنها تتحول إلى اللون الأخضر القاتم المتدرج كلما تقدمت بها الأيام . وشجرة الأرز دائمة الاخضرار ، وتعيش الورقة لمدة سنتين ، أما الكيزان المخروطية التي يتراوح طولها ما بين 4 - 6 بوصات ، فبيضاوية أو بيضاوية مستطيلة مع انخساف أحياناً عند القمة ، وتستغرق عامين حتى تنضج ، ولكنها لا تسقط كباقي الصنوبريات ، بل تظل معلقة بالشجرة طارحة قشورها التي تحمل معها البذور .
 
وخشب الأرز الذي ينمو في بيئته الطبيعة ، خشب صلب محبب وقابل للصقل الشديد ، ويمتليء بعصارة صمغية ( مز 92 : 14 ) تحفظه من الفساد ومن الديدان . وزيت الأرز نوع من التربنتينا يستخرج من خشب الأرز وكان يستخدم قديماً لحفظ الرقوق والأنسجه .
 

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا