في ثلاثة مقالات سابقة، تناولنا موضوع الوحي في المسيحية، حيث كان موضوع مقالتنا الأولى مفهوم عقيدة الوحي في المسيحية، أمَّا المقالة الثانية فقد تناولنا المفهوم المسيحي انطلاقًا من الكتاب المقدس لموضوع الوحي، وفي المقالة الثالثة تعرفنا على معجزة الوحي في المسيحية، وفي هذه المقالة، نرى كيف شهد المسيح والرسل لكتابات العهد القديم وكتاباتهم بعضهم البعض مؤكدين أنَّ "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّباً لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ" (2تيموثاوس 3: 16، 17).

تكلَّم السيد المسيح كثيرا عن وحي الكتاب المقدس، وشهد أن كل الكتاب هو موحى به من الله، وقد تناول عدة أمور ليشهد بها أن:

الناموس كلام الله

وكلام الله لا يزول "فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ" (متى 5 : 18)، وأكدّ ذلك حين قال: "وَلَكِنَّ زَوَالَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ تَسْقُطَ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ" (لوقا 16 : 17).

الكتب تشهد له

يؤكد السيد المسيح وحي الكتب المقدسة إذ أنها تتكلم وتشهد عنه حتى قبل ميلاده بآلاف السنين، فيقول في رده على الفريسيين بعدما شفى مريض بركة بيت حسدا، "فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي" (يوحنا 5 : 39). وبعد قيامته، وفي مقابلته مع تلميذيه في الطريق إلى عمواس ".. «هَذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ» حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ" (لوقا 24: 44 ،45).

المسيح يقتبس من الكتب المقدسة

اقتبس السيد المسيح كثيراً من الكتب المقدسة، والأنبياء، من هذه الاقتباسات،"أَفَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ، أَنَا إِلَهُ إِبْراهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ. لَيْسَ اللَّهُ إِلَهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلَهُ أَحْيَاءٍ" (متى 22: 31، 32، مرقس 12: 26، 27)؛ وغير ذلك الكثير مما اقتبسه المسيح من الأسفار المقدسة.

وعلى منوال السيد نسج التلاميذ والرسل فشهدوا أن الكتب المقدسة موحى بها من الله، ولم تأتِ نبوة قط من إنسان، بل ما كتبوه هم أيضاَ لم يكن من عندياتهم، لكنهم كتبوا ما أراد الله أن يكتبوه.

اقتباسات من العهد القديم

ما أكثر الاقتباسات التي استخدمها الرسل وكتبة العهد الجديد ليؤكدوا وحي وصدق ما كتبه الأنبياء في العهد القديم، من هذه الاقتباسات: "فَإِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ" (متى 11 : 10 – قارن ملاخي 3: 1)، "وَهَذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ «هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناًوَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ" (متى 1: 22 ،23 قارن إشعياء 7: 14)؛ وغير ذلك الكثير.

شهادة الرسل لوحي العهد الجديد

يسجل الرسل مراراً أن ما كتبوه لم يكن إلا كلام الله ولنا مثال فيما كتبه الرسول بولس حين قال "أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ. كَمَا سَبَقْتُ فَكَتَبْتُ .." (أفسس 3: 3)، "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْسِبُ نَفْسَهُ نَبِيّاً أَوْ رُوحِيّاً فَلْيَعْلَمْ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ وَصَايَا الرَّبِّ" (1كورنثوس 14: 37). كما أكد يوحنا الرائي أن ما يكتبه هو ما يأمر به الله فيقول: "كُنْتُ فِي الرُّوحِ فِي يَوْمِ الرَّبِّ، وَسَمِعْتُ وَرَائِي صَوْتاً عَظِيماً كَصَوْتِ بُوقٍ. قَائِلاً: «أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ. الأَوَّلُ وَالآخِرُ. وَالَّذِي تَرَاهُ اكْتُبْ فِي كِتَابٍ .." (رؤيا 1: 10، 11 - قارن رؤيا 1: 19، 2: 1، 8، 12، 18، 3: 7).

الرسل يشهدون لكتابات بعضهم البعض

نجد الكثير من شهادات الرسل وكتبة العهد الجديد لبعضهم البعض وهذا إنما ليؤكد أن جميعهم كتبوا بوحي من الله وليس هناك مجال للشك في وحي ما كتبه كتبة العهد الجديد فيقول الرسول بطرس عن كتابات بولس الرسول "وَاحْسِبُوا أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصاً، كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضاً بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ" (2بطرس 3: 15).

كتب البشير يوحنا "هَذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهَذَا وَكَتَبَ هَذَا. وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ" (يوحنا 21: 24)؛ وشهد يوحنا الحبيب عن يوحنا المعمدان قائلاً: «هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي" (يوحنا 1 : 15)؛ وأخيراً يؤكد الروح القدس أنّ ما كتبه يوحنا الرائي هو شهادة حق فيقول: "الَّذِي شَهِدَ بِكَلِمَةِ اللهِ وَبِشَهَادَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِكُلِّ مَا رَآهُ." (رؤيا 1: 2). 

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا