هل تناولت فطورك اليوم؟

من أكثر الحقائق الأوليّة التي يعرفها الطب ويوصي بها جيدا هي أهمية تناول الوجبة الصباحيّة، الأفطار، في بداية اليوم.
16 سبتمبر - 10:06 بتوقيت القدس
هل تناولت فطورك اليوم؟

يعتبر الفطور من أهم الوجبات والعادات الصحيّة اللازمة لصحة الإنسان على مدار اليوم كله، وله فوائد عديدة يطول شرحها ويمكن لك عزيزي القارىء اللجوء لدوائر المعارف الطبيّة والصحيّة المتخصّصة للاستزادة عن ذلك الموضوع إذ لا مجال لسرده هنا، لكن لعلّي اتّخذ من الفكرة نفسها توصية أخرى على نفس السياق ولا تقل عنها أهميةّ بأي حال من الأحوال، ولأوضّح ما أعنيه دعني أقول لك عزيزي القارىء:"هل تناولت وجبتك الروحيّة الصباحية، إفطارك الصباحي، في صباح هذا اليوم، وهل ربّيت وطوّرت هذه العادة “الروحيّة الهامّة واللازمة لتكون إحدى عاداتك اليوميّة الهامّة والمنتظمة والتي لا يمكنك الاستغناء عنها؟

إن الجلسة اليومية الهادئة التي يمكن للإنسان أن يقضيها مع إلهه في بداية اليوم، ما درجنا على تسميته : "الخلوة الشخصيّة" لهي مهمة جدا لحد كبير لو أدركناه لعلمنا كيف أن وجودها بحياتنا يمكن يقينا أن يباركنا ويحمينا من الكثير من الأخطاء ومخاطر الطريق كما ان فقدانها يجعل حياة الانسان من دون شك تترنح وتتهاوى في دوائر من الفشل والصعوبات والمحبطات. 

فما هي الخلوة الشخصيّة: إنها ببساطة جلسة أتقدم فيها في بداية يومي لمحضر الله كي أتوحّد به وأتقابل معه في هدوء واتحاد وشركة عميقة بيني وبينه. ولقد قدّم الرب يسوع نفسه لنا مثالا ونموذجا كي نحتذي به حين علّمنا، مثلما تعرفنا الأناجيل، كيف انه كان يخصص أوقاتا كثيرة للصلاة في مختلف الظروف والأحوال لينفرد بالله ويتمتع بالشركة معه، وكثيرا ما عرّفنا الكتاب أن توقيت هذه الجلسة ـ في حياة يسوع لمّا كان على الأرض ـ كان عند الفجر أو في الصباح أو في الصباح الباكر جدا. 

وتكمن أهمية أن نأتي لله في أول اليوم حتى ما نكونهادئين ومستريحين وقبل أن تتلوث نفوسنا أو تفقد سكينتها وسلامها ربما من مواقف واحتكاكات وضغوطات وتحديات قد تقابلنا خلال اليوم، لذا فالأفضل أن نأتي لله في بداية اليوم. إن جلسة مثل هذه لا يمكن الاستهانة بها ولا تقدير أهميتها والأخطار التي يمكن أن تأتي علينا إن نحن أهملناها أو تقاعسنا عن الالتزام بها إذ هي تلعب دورا حيويّا ومُؤثّرا، فهي تحفظنا في الحرب الروحية وتساعدنا في الجهاد الروحي خلال يومنا ضد العالم والخطية والجسد وهجمات الشيطان المُتنوّعة التي يشنها علينا بغرض إعاقتنا عن أن نحيا حياة القداسة تلك التي ترضي الرب كما أنها تحمينا ممّا قد ياتي علبينا من شرور ومخاطر يسهل سقوطنا فيها ومعاناتنا منها إن لم نكن مستعدين ومتسلحين بتلك الجلسة الهادئة في بداية اليوم.

ماذا نعمل في الخلوة الشخصية
إن الخلوة الشخصية يمكن تصويرها بالدائرة الكهربائية التي بها تسير الكهرباء في دائرة مغلقة. فالخلوة تحتوي على شقين أو عنصرين رئيسيّين هما الصلاة وقراءة الكلمة المقدّسة. فالله يكلمنا من خلال الكلمة المقدسة ونحن نكلمه من خلال الصلاة وبدون وجود هذين العنصرين اللازمين لحياتنا معا لا يمكن لحياة المسيحي الحقيقي أن تتقدم وتنمو في النعمة. بل يصير الأمر كقارب يجذّف صاحبة بمجذاف واحد فلا تكون النتيجة إلا أن يدور القارب دورانا كاملا حول نفسه ولا يتقدم للأمام. فإن كنت تصلي جيدا ولا تقرأ الكلمة المقدسة فلن تجد طريقا ليكلمك الله كما أن العكس أيضا صحيح، فقراءة الكلمة من دون صلاة لا يمكن أن يؤدي إلى حياة روحية صحيحية ونامية.

إننا نأتي مصلين للرب في بداية اليوم مسلمين إياه للرب بكل أحداثه وبكل ما ياتي علينا فيه من حلو ومُر، طالبين وجهه ومتضرعين له أن يرضى علينا وأن يحفظنا من كل شر، وأكثر الشرور ضررا هي أن نعمل ما لا نرضيه، ومصلين وطالبين أن يحفظ نفوسنا في سلام وقلوبنا نقية متصالحة معه ومع الناس والعالم من حولنا، وأن يحفظنا من كل تجربة قد تأتي علينا خلال اليوم. إنّنا نأتي أمام الرب طالبين وجهه ومرضاته ومشيئته لنا ولكل من حولنا خلال ساعات اليوم المختلفة.

كما يمكننا أيضا أن نردد الصلاة الربّانية تلك التي علّمنا الرب إيّاها كنموذج رائع ومجمل ينبغي علينا أن نصلي على منواله، بشرط ألاّ نرددها كمجرّد كلمات نحفظها ونرددها من دون تمييز أو إدراك، فتلك الصلاة التي لا نصليها ونحن نعنيها ونطلب مضمونها ومغزاها من كل قلوبنا ولا نسعى لتحقيقها بالفعل، انما هي تكون مجرد ترديد كلمات جوفاء كصلوات الأمم تلك التي لا يرضى عنها الرب بل وتكون مكرهة له. نعم ما أجمل أن نكلّم الله أبانا في بداية اليوم وندعوه لأن يقدس اسمه في حياتنا وأن يتحقق ملكوته أي سلطانه ومشيئته في حياتنا وعلى أيامنا فإن ذلك بلا شك سيحفظنا من شرور كثيرة وسيدربنا لأن نحفظ وصايا الله وتعاليمه وسيجعل الروح القدس يقود خطواتنا ويرشدنا دوما في المسير فنكون بذلك مستعدين لمواجهة ما قد يأتي علينا من متاعب وضغوطات خلال يومنا ومتيقنين أن يد الله تحيط بنا وتباركنا إذ نكون قد سلّمنا يومنا له منذ أوله لآخره وسنختبر بركة حضوره ونعمة عنايته ومعيّته ورفقته. كذلك في الصلاة أيضا لا بد لنا في بداية اليوم أن نعترف بايّة خطية يكشف لنا روح الله القدوس عنها نكون قد اقترفناها عن سهو او عمد في اليوم السابق او ما سبقه، سواء بحق الله أو بحق الآخرين من حولنا إذ أنّ الخطايا كلها موجهة لله بالأساس، ونطلب من الله غفرانا عنها وأن يعطينا بحقّ القلب التائب والمنكسر حتى لا نعود لنعملها ثانية وفي الصلاة ينبغي علينا لا أن نصلي لنفوسنا واحتياجاتنا فقط بل كما يكون حري بنا أيضا أن نصلي لبلادنا وللحكام والرؤساء حتى يعطهيم الرب حكمة ونعمة لقيادة البلاد و حتى ما يعطينا الرب أن نعيش أيّاما هادئة مطمئنة. وعلينا ايضا أن نصلي لاحتياجات الناس من حولنا لا سيما المؤمنين الذين يطلبون منا الصلاة لأجلهم أو كل من نعرف أن مرضا أو حاجة ما ألمّت به ويحتاج لمن يصلي لأجله. كما أن الخلوة الشخصية لا بد أن تشمل ايضا قراءة الكلمة المقدسة بهدوء وانفتاح وتكريس واتضاع حتى يكلّم الله قلوبنا ويهدئها في بداية اليوم. 

وقراءة الكلمة لا بد ان تكون بانتظام وتتابع أصحاحا وراء اصحاح حتى ما يكلمنا الرب من خلالها، والعبرة في القراءة إنما هي تكون بالكمّ وليس بالكيف مثل الجائع الذي يأكل حتى يشبع ولا يشترط أن يأكل كميّة ما من الطعام بعينها في كل وجبة. وأنت تقرأ الكلمة المقدسة لاحظ أن تقرأ وتفهم وتتأمّل وتحفظ وتطبّق بروح الطاعة والخضوع ما علّمك الله إيّاه وأن تمارسه في سلوكيّاتك وتصرُّفاتك. إنّ أعظم الدروس التي يمكننا أن نتعلّمها هي تلك الدروس التي يعلّمنا الله إيّاها في المخدع، ولا تفشل إن قابلك جزءا في كلمة الله بدا عليك عسر الفهم، إنما يمكنك أن تلجأ لمرجع أو لكتاب تفسير أو لأب روحي يساعدك على فهمه وتحليله بطريقة يسهل عليك معرفتها. ويفضل أن يكون لديك نوتة وقلما لتدوّن كل ما يعلمك الله إياه وربما كل صلاة ترفعها حتى يستجيب الرب لها فتتشجّع بعمل الرب معك وترفع تلك الطلبة التي استجابها الرب من نوتة خلوتك وتضيف طلبة أخرى جديدة تداوم عليها حتى يستجيب الرب لك بخصوصها فترفعها هي الأخرى وتستبدلها بأخرى غيرها وهكذا يتقوى إيمانك وتفرح وتتشجّع بعمل الرب معك على مدار الأيا وتشارك اخوتك المؤمنين من حولك وهم أيضا يشاركونك بما يكلمهم الله به وما يعمله هو معهم واستجاباته لصلواتهم فتتشجعون جميعكم بالإيمان والشركة الحية الفاعلة مع الله ومع بعضكم البعض.فما أحلى الشركة بين الرب وبين المؤمنين.

عزيزي القارىء، لا أريد أن أطيل عليك أكثر لكنني أصلي أن تبدأ من الآن فصاعدا في اكتساب هذه العادة الروحية الصحيحة والرائعة واللازمة لحياتك ألا وهي تناول فطورك الروحي في صباح كل يوم. إحرص على ذلك وستختبر الفرق. والرب يباركك.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا