أيّهما أهمّ الرّسول أم الإرساليّة؟

كما ذكرنا آنفًا، لا نعرف ما إذا كان "ملاخي" هو اسم النّبيّ أو لقب يشير إلى دوره.
10 أغسطس - 09:54 بتوقيت القدس
أيّهما أهمّ الرّسول أم الإرساليّة؟

"مَلْآخْ" (في اللّغة العبريّة الكتابيّة) يعني رسول، وفي رأيي لم يذكر الكاتب هنا سوى دوره ورسالته، لأنّه يريد إخراج نفسه تمامًا خارج نطاق الخطاب. لقد أراد أن ينقل رسالة مُرسِلِه بكاملها، وبالتّالي، من أجل عدم إشراك شخصيّته وصوته - فهذا صوت الله، وهو لا يكشف عن هويّته. رسول مثل هذا هو في الواقع أفضل رسول بشريّ، الّذي يتواضع ويعطي الله "المنصّة بالكامل".

هويّة النّبيّ وزمن نبوّته ليسا من التّفاصيل الّتي تهمّ النّبيّ. إذ أنّ إرساليّته أكثر أهمّيّة وذات مصداقيّة، لأنّه رسول من الله - وهكذا يجب أن تكون الحالة لكلّ شخص آخر يرسله الله. الرّسول وزمنه ليسا مهمّين. المهمّ هو رسالته الّتي لها دلالة في زمانه وما بعده. يجب على جميع رسل الله في جميع الأوقات أن يعلموا أنّهم في الواقع يختفون في النّهاية، بَيدَ أنّ الرّسالة هي أبديّة لأنّها تخصّ الله الأزليّ.

الرّسول الجيّد والأمين هدفه الأوحد هو إيصال الرّسالة المُرسَلة بأفضل طريقة. كلّ نبيّ، كرسول من الله، نقل الرّسالة الّتي تلقّاها من الله إلى النّاس الّذين أُرسل إليهم، حيث أنّ شخصيّته وصوته كانا يؤثّران دائمًا في عمليّة الإيصال أيضًا. تقول رسالة كورونثوس الأولى: "وَأَرْوَاحُ الأَنْبِيَاءِ خَاضِعَةٌ لِلأَنْبِيَاءِ" (كورونثوس الأولى 14: 32). إرميا، على سبيل المثال، كان معروفًا بالنّبيّ الذي كثيرًا ما كان ينتدب ويبكي، وكانت شخصيّته واضحة جدًّا في النّبوءات الّتي نقلها. كانت لإشعياء شخصيّة مختلفة، كذلك حزقيال وزكريا. بينما الرّسالة في سفر ملاخي هي رسالة مباشرة من الله للكهنة واللّاويّين والشّعب. النّبيّ نفسه كان بمثابة أداة - كرسول وملاك - لكنّه لم يتدخّل في الرّسالة. لقد تمكّن من إخراج نفسه من المعادلة، وأصبح مجرّد قناة تنقل رسالة حادّة وواضحة.

سفر ملاخي هو بمثابة كتاب التّعليمات للرّسول الّذي يريد أن ينقل الرّسالة الّتي يحملها بالطّريقة الأوضح. وهو يحتوي على شروط الرّسول والرّسالة الّتي يجب أن ينقلها. في الواقع، يمكن القول بأنّ الرّسول نفسه هو الرّسالة (وسأشرح هذا لاحقًا)، وبالتّالي يهمّ الله كيف يتمّ إيصال الرّسالة ومَن هو الرّسول.

إنّ الله يقدّس الرّسول ويطهِّره حتّى يكون الرّسول نفسه رسالة واضحة عن محبّته. هذا ما يجب أن يصبو إليه كلّ مُرسَل أرسله الله، كما نرى في "كتاب التّعليمات" - سفر ملاخي - لإيصال الرّسالة بشكل أوضح، دون تلطيخها بنواقص حاملها الشّخصيّة. يجب على كلّ مُرسَل من الله أن يصبو حتّى يمنع شخصيّته من التّأثير على الرّسالة نفسها. في بعض الحالات، كما هو الحال في سفر ملاخي، اختار الله أن يخفي عن القرّاء تفاصيلًا عن الفترة الّتي قيلت فيها هذه الأمور، كما وهويّة الرّسول، بينما في حالات أخرى رأى الله أنّه من المناسب الإشارة إلى اسم المُرسَل وزمنه. لذلك يمكن الاستنتاج أنّ هذه المعلومات، سواءً وردت أو لم ترد، هي أيضًا جزء من الرّسالة.
لقد أصبح هذا هو العرف السّائد لدى القادة الدّينيّين. إنّهم في الواقع يزحمون أنفسهم بين كلمة الله وبين النّاس للتّأثير على متلقّي الرّسالة. حتّى يومنا هذا يعاني شعب إسرائيل من هذه الظّاهرة. لا نستطيع قراءة الكتاب المقدّس دون طرح السّؤال "الأبدي": "ماذا يقول عنه الرّبّانيّون؟".

لقد فعل قادتنا عكس ما قام به ملاخي. لقد حاول أن ينأى بنفسه، ويُبطل نفوذه أثناء إيصال كلمة الله، بينما هم يزحمون أنفسهم كوسطاء. لقد حاول ملاخي التّأثير على فحوى الرّسالة بأقلّ قدر ممكن، بينما يحاول حاخاماتنا التّأثير قدر الإمكان. حاول ملاخي عدم الظّهور أو التّعرّف عليه، ولكن يبدو أنّ الحاخامات يريدون منّا أن نعرفهم هم فقط، ونسير فقط في طرقهم.

السّؤال الّذي يستحقّ كلّ منّا أن يسأل نفسه هو: "أيّ نوع من المُرسَلين أنا؟ هل أحاول أن أخفِ نفسي حينما أنقل رسالة الله إلى الآخرين؟ أم أنّني أحاول أن أصبو إلى إظهار وجودي وتضخيم تأثيري على الرّسالة؟ هل أحاول نقل رسالة نقيّة؟ أم أنّني أحاول إقحام نفسي في الرّسالة؟". إحدى الطّرق لمعرفة ما إذا كان المعلّم، أو المبشّر، أو النّبيّ، أو أيّ شخص آخر يتحدّث في إرساليّة نيابة عن الله، وأنّ الله قد أرسله بالفعل، هو اختبار ما إذا كانت جهوده تخضع لمحاولة تواضع نفسه، أو لتمجيد نفسه.

ماذا عنك؟ أيّ نوع من المُرسَلين أنت؟ صلاتي أن يساعد هذا الكتاب كلّ من يريد أن يحمل إرساليّة من الله ليكون مُرْسَلًا صالحًا وذا رسالة أوضح.
كما ذكرنا، تمّت كتابة هذا الكتاب ليكون أداة للقرّاء. كلّ يوم، عندما تقرأ الكتاب المقدّس وتصلّي، اقرأ أيضًا مقطعًا واحدًا على الأقل من هذا الكتاب، تأمّل فيه وصلّي. إفحص ما إذا كان هناك أيّ شيء في المقاطع الّتي من خلالها يكلّمك روح الله. إذا كان الأمر كذلك، صلّي من أجله. إذا لزم الأمر - تُبّ إلى الربّ، وإذا لزم الأمر - أشكره. أطلب قوّته وإرادته، واطلب منه قبل كلّ شيء أن يجعلك مُرسَلًا يكرِّم المُرسِل؛ أطلب منه أن يجعلك: "رَسُولُ الرَّبِّ بِرِسَالَةِ الرَّبِّ" (حجي 1 :13).

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا