عَبيد بن الأبرص (ت نحو 600 م – 25 ق هـ) بن عوف بن... بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مُضَر، من بني أسد والمعروف بـ شاعر مضر، من فحول شعراء النصرانية قبل الإسلام ومن طبقة اٌمرئ القيس (مُعاصِره) وليس أحَدُهما بأقلّ موهبة وصناعة من الآخر، دارت بينهما مناظرة شعرية دلّت على قوّة شاعريّة كلا الشاعرين بالإضافة إلى سرعة البديهة. وقد قمت شخصيّاً بمعارضة تلك المناظرة، يمكن الإطّلاع على المعارضة عبر الرابط التالي:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=224172

عاش عبيد- وفق بعض قصائده- زماناً طويلاً، بل أزيَد من مئتي سنة ونيّف بحسب القصيدة التالية

ولتأتِيَنْ بَعْدي قُـرونٌ جَمَّةٌ -- تَرعى مَخارِمَ أيْكَةٍ وَلَدودا
فالشمسُ طالِعَة وليلٌ كاسِفٌ -- والنجمُ تجري أنْحُسًا وسُعُودا
حَتّى يُقالَ لِمَن تعَرَّقَ دَهرَهُ -- يا ذا الزَّمانةِ هَل رَأيتَ عَبيدا
مِئتـَي زمانٍ كامِلٍ ونـَصِيَّة -- عِشرين عِشتُ مُعَمَّرًا مَحمودا
أدْرَكتُ أوَّلَ مُلْكِ نـَصْرٍ ناشِئاً -- وبـِناءَ سِندادٍ وَكان أُبيدا
وَطَلَبتُ ذا القرنَينِ حَتّى فاتني -- رَكضًا وكِدتُ بأن أَرى داؤودا
ما تبتغي مِن بَعدِ هذا عيشة ً-- إلّا الخُلودَ ولن تنالَ خُلودا
وليَفنـَيَنْ هذا وَذاكَ كِلاهُما -- إلّا الإِلهَ ووَجْهَهُ المعبودا

نصِيَّة: أي بقيّة. لكنّي أرى بقوله (مِئتـَي زمان... إلخ) تعبيراً مَجازيّاً من خلال رؤياه (هَل رَأيتَ عَبيدا) فيمكن تقدير عمر الشاعر ما بين معاصرة اٌمرئ القيس وبين فترة حكم النعمان بن المنذر ملك الحِيرة (582-609 م) الملقب بأبي قابوس وصاحب يَوْمَي “البؤس والنعيم” إذ لقِيَ عبيد بن الأبرص في يوم بؤسِهِ فخيّرهُ الطريقة التي يقتله بها فقال عبيد:

وخيّرني ذو البؤس في يوم بؤسِهِ -- خِصالاً أرى في كلّها الموت قد بَرَقْ
كما خُيِّرَتْ عادٌ من الدهر مرّة ً -- سحائبَ ما فيها لذي خيرةٍ أنَقْ
سحائبَ ريحٍ لمْ توكّل ببلدةٍ – فتترُكَها إلّا كما ليلةِ الطّلـَقْ

فاختار الشاعر أن يُسقى خمراً فسُقِيَ ثمّ أمَرَ المَلِك ففُصِدَ (أي شُقّ عِرْقُهُ) فنزف دمه حتى الموت. ويُظنّ أنّ المنذر بن اٌمرئ القيس بن النعمان أحد ملوك الحِيرة والمُلقب باٌبن ماء السماء هو قاتل عبيد بن الأبرص، لكنّ ذلك الظنّ لن يصحّ ما لم يكن المَلِكُ اٌبن ماء السماء هو صاحب يَومَي البؤس والنعيم وليس أبا قابوس الذي ذكره النابغة الذبياني في معلّقته. ويقول شارح ديوان عبيد- أشرف أحمد عَدرَة- عن عاد: {عاد: قبيلة أراد الله إهلاكها فأرسل إليها سُحُباً مختلفة الألوان وخيّرَها نبيّها بينها فاختارتِ السحابة التي أبادتها. الأنق: الإعجاب والفرح. المعنى: أراد ذو البؤس هلاكي فخيّرني بما هو سبيلي إليه، كما خيّرَ عاداً نبيُّها} انتهى.

كان شاعرنا، على رغم فقر حاله المعيشي نسبيّاً، من سادات قومه بني أسد (الذين قتلوا حُجْر بن الحارث الكندي- والد اٌمرئ القيس) والناطق باٌسمهم في المديح والهجاء والمفاوضات. وقد تفاخر بإمكانيّته الشعريّة واصفاً نفسه بأمْهَـرَ الشّعراء حين قال:

سَلِ الشّعَراءَ هَلْ سبَحوا كسَبْحي – بُحُورَ الشّعْر أو غاصُوا مَغاصِي
لِساني بالقريض وبالقوافي – وبالأشعار أمْهَرُ في الغواصِ

ويبدو لي ممّا تقدّم أنّ عَبيد بن الأبرص أوّل من وردت في شعره عبارة “بحور الشعر” التي نسّقها في ما بعد الخليل بن أحمد الفراهيدي مؤسِّساً عِلم العَروض. ومن يقرأ ديوان عبيد يجد أنه حقّاً يمتلك مقوّمات الشعر القديم لغة ومعنىً، متمكناً من البحور والقوافي، لكنّ قصيدته التي اٌشتُهِرَ بها وعَدّها الإمام والمُحدِّث ابن قتيبة (ت 276 هـ - 889 م) من المُعَلّقات السّبع أثارت جدلاً بين النّقّاد القدامى، بسبب كثرة زحافاتها وعِللها- على رأي الشارح- ما أدّى إلى اضطراب في موسيقاها، حتى بدا بحرُها غريباً (يُدعى بالبسيط المُخلَّع) وهو ضرب من مجزوء البسيط (مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُنْ مستفعلن) وقد اختلطا في هذه القصيدة، لكني أرى في ما لمْ يألفِ العرب مِن قبْلُ سبباً من أسباب شهرتها.

أمّا المزيد من سيرة الشاعر فواردٌ في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وفي مواقع الكترونية عدّة. وقد اخترت من معلّقته الأبيات التالية وقد ذكر فيها الله ثلاث مرّات.

أقفرَ مِن أهلِهِ مَلحُوبُ – فالقُـطَبـِيّاتُ فالذَّنوبُ
أرضٌ تـَـوارَثُها شعوبٌ – فكُلُّ مَن حَلَّها مَحْروبُ
عَيناكَ دَمعُهُـما سَـروبُ – كأنَّ شَـأنـَيهِما شَـعِـيـبُ
تصبـو وأنَّـى لكَ التَّصابي – أنّـى وقد راعَكَ الـمَشِيبُ
إن يكُ حُوِّل منها أهلُها – فلا بَديءٌ ولا عَجيبُ
 فكُلُّ ذي نِعمَةٍ مَخلوسُها – وكُلُّ ذي أمَلٍ مَكذوبُ
وكُـلُّ ذي إبـِلٍ مَـوروثها – وكلُّ ذي سَلَبٍ مَسلوبُ
 وكُلُّ ذي غـَيْبَةٍ يَؤوبُ – وغائِبُ المَوتِ لا يَؤوبُ 
أعاقِـرٌ مِثـلُ ذاتِ رحْمٍ – أمْ غانِـمٌ مِثـلُ مَـن يَخِيـبُ
مَن يَسألِ النَّـاسَ يَحْـرِمُوهُ – وسائِـلُ اللهِ لا يَخِيـبُ
 ساعِدْ بأرضٍ إن كُنتَ فيها – ولا تقُـل إنَّني غريبُ
قد يُوصَلُ النازِحُ النائي وقد – يُقطَعُ ذو السُّهمَةِ القريبُ 
بـالله يُـدرَكُ كُـلُّ خـَيْر – والقـولُ فِـي بَعضِـهِ تلغِيـبُ
واللهُ ليسَ لـهُ شَـرِيكٌ – عَلّامُ مَـا أخْفتِ القلوبُ
والمَـرءُ مَا عَـاشَ فِي تكذِيبٍ – طولُ الحَياةِ لهُ تعذيبُ
فرُبَّ ماءٍ وَرَدتُ آجـِنٍ – سَبيلُهُ خائِفٌ جَديبُ 
ريشُ الحَمامِ عَلى أرجائِهِ – لِلقلب مِن خوفِهِ وَجـِيبُ
أفلِـحْ بمَا شِئـتَ قـدْ يُبْلَـغُ بالضَّعـفِ وقدْ يُخدَعُ الأرِيبُ

*******

المعارضة
 ----------

سَبْعاً حكىٰ المَلِكُ المصلوبُ – لِسانُهُ مُحْكَمٌ عَجيبُ

الواهِبُ الإبن َ خيرَ أمٍّ – والإبنُ للربّ مُستجيبُ ١

عطشانُ لا يرتوي بماءٍ – ترويهِ مِن حُبِّها القلوبُ ٢

أنتَ معي اليوم في الفردوس بَلْ – لكُلِّ مَن آمَنوا نصِيبُ ٣

غفرانُهُ غيرُ مُستحَقٍّ – لولا على مَتْـنِهِ الذنوبُ ٤

قد أُكْمِلَ العَهْدُ في جديدٍ – ومِن نبوّاتِهِ الصّليبُ ٥

إيلي لماذا تركْتني هلْ – تذكَّرَ الشعْبُ ما مكتوبُ ٦

يا أبَـتي في يَدَيْـك رُوحِي – بالمَوتِ عَن خاصّتي أنوبُ ٧

فاٌنشقّ عَن هَيكلٍ حِجابٌ – وعافهُ كاهِنٌ مُريبُ

للنّاس مفتوحة ٌ سَماءٌ – يأوي إلى الله مَن يتوبُ

مُعترِفاً بالمسيحِ رَبّاً – والصّوتِ: هذا اٌبنِيَ الحبيبُ

واٌنفتحتْ بَغتة ً قبورٌ – والمَوتُ مهما يَطُلْ مغلوبُ

حالَ إلى ظُلْمَةٍ فضاءٌ – لكنْ كسُوفٌ طغىٰ غريبُ

***

سَبْعاً حكىٰ والزمان ولّىٰ – وقولُهُ في الحَشا يذوبُ

يردِّدُ النّاسُ كلّ قولٍ – لهُ وكمْ ترجَمَتْ شُعوبُ

وكمْ بهِ اٌصطلحتْ خُصومٌ – وكمْ بهِ غُطِّيَتْ عُيوبُ

بقولهِ الحقّ مُستبينٌ – وصرخة الحقّ لا تخيبُ

نادىٰ بهِ كلّ مُستجيرٍ – وفاز مَن حَقّهُ مسلوبُ

لأنّهُ الحقّ لا غبارٌ – عليهِ ما اٌشتدّتِ الخطوبُ

للإنسِ مِن فضْلِهِ حُقوقٌ – لولاهُ مِيثاقها مَشُوبُ

هُوَ الطريق الذي يؤدّي – إلى حياةٍ هُوَ الطبيبُ

وقد شفىٰ مَن شفىٰ ولكنْ – تشفىٰ بهِ الرّوحُ بلْ تطِيبُ

*****

فلْيَعْلمِ العاقِـلُ الأريبُ – وليَفهَمِ المُبْصِرُ اللبيبُ

ما جاءَ بالحقّ فيلسوفٌ – ولا حكِيمٌ ولا أديبُ

لولا المَسِيحُ الذي يُغـَذّي – فمَاً فلا قولة ٌ تُصِيبُ

كِتابُهُ واضِحٌ بليغٌ – بنورهِ تـنجلي الغُيُوبُ

مقامُهُ في العُلىٰ رَصِينٌ – وظِلّهُ في الدّنىٰ قريبُ

مَنْ يَدْعُهُ يَأتِهِ سَريعاً – وكلّ داعٍ لهُ موهوبُ

يقرعُ بابَ الفؤادِ حُبّاً –  وفتحُ بابِ النّهىٰ مطلوبُ

لدعوةٍ سِرّها عشاءٌ – ألذّ ما يُشتهىٰ مرغـوبُ

ما غابَ عن دعوةٍ لداعٍ – عَن صادقِ الوعْدِ لا يغيبُ

حاشا ولا خابَ فيهِ ظنّ ٌ – ولمْ يَدُمْ مَوقِفٌ عَـصِيبُ

ليت تحلّىٰ الورىٰ بصَبْرٍ – خيرُ مثالٍ لهُمْ أيّوبُ

عذبٌ هُوَ الربُّ كُلّ حِينٍ – أبٌ عَنِ الحُبِّ لا يَؤوبُ

خلاصُهُ حاصِلٌ يَقِيناً – وصَدرُهُ للورىٰ رَحِيبُ

*******

 ١ إشارة إلى البشارة (الإنجيل) بتدوين البشير يُوْحَنّا 19: 26-27
{فلما رأى يسوع أمَّهُ، والتلميذ الذي كان يُحبّهُ واقفاً، قال لأمِّهِ: يا اٌمرأة، هُوَذا ابنكِ. ثم قال للتلميذ: هُوَذا أمّكَ. ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصّتِهِ} انتهى. عِلماً أنّ التلميذ المقصود هو البشير يُوحَنّا نفسه وقد حضر الصّلب مع السيّدة العذراء، بالإضافة إلى جموع غفيرة- بشهادة مؤرّخين يهود ووثنيّين

٢ يُوحَنّا 28:19 بعد هذا رأى يسوعُ أنّ كلّ شيء قد كمَلَ، فلِكَي يَتِمّ الكتابُ قال: أنا عطشان

٣  إشارة إلى البشارة بتدوين البشير لوقا 43:23
{فقال له يسوعُ: الحقّ أقول لك: إنك اليوم تكون معي في الفردوس} انتهى. والهاء في “له” تعود إلى اللّصّ المصلوب إلى جهة اليمين

 ٤ لوقا 34:23 فقالَ يَسُوعُ: يَا أبَتاهُ، اغْفِرْ لهُمْ، لأنَّهُمْ لا يَعْلمُون ماذا يَفعَلون

٥ يُوحَنّا 30:19 فلمَّا أخذ يَسُوعُ الخَلَّ قالَ: قدْ أُكْمِلَ

٦ مَتّى 46:27 ومرقس 34:15 {ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً: ((إيلي، إيلي، لِمَا شبقتني؟)) أي: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟} انتهى. ويقول العلّامة الخوري السّرياني يوسف داود الموصليّ، مترجم الكتاب المُقدّس عام 1875 أنّ [هذه الألفاظ سريانية كلدانية مأخوذة حرفاً بحرف من المزمور الثاني والعشرين بحسب النسختين العبرانيّة والسّريانيّة: {إلهي إلهي لماذا تركتني. تباعدتَ عن خلاصي عن أقوال أنيني} وهي مُحرَّرة هنا بحسب ما كان يلفظها اليهود في ذلك الزمان] انتهى

٧ لوقا 46:23 ونادى يسوعُ بصوتٍ عظيمٍ وقال: يا أبتاه، في يَدَيكَ أستودعُ رُوحِي
_____________________

الحلقة العاشرة: مُعَلَّقة النابغة الذبياني

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا