يستخدم نقاد الكتاب المقدس عددًا من النصوص ليُظهروا أنه يوجد زنى في الكتاب المقدس، وأنه يقدم ‏صورة غير لائقة عن رجال الله القديسين، ويدَّعون أن هذا يمس في قدسية كتاب الله!!

ابنتا لوط
ابنتا لوط مع ابيهما
 

إن الحالات التي يتكلمون عنها معدودة وقليلة؛ مثل ابنتا لوط، اللتان اضطجعتا مع أبيهما (تكوين 19)؛ ‏ويهوذا الذي عاشر زوجة ابنه عير، بعد أن توفي (تكوين 38). ورأوبن الذي زنى مع امرأة أبيه (تكوين ‏‏35: 22)...إلخ.  ‏
لفهم تلك النصوص يجب أن ننتبه للمبادئ الهامة التالية:‏

أولا: يجب أن يميِّز القارئ بين تصرفات البشر ومواقف الله من تصرفات البشر. فالنصوص الكتابية تتكلم ‏عن تصرفات البشر، بهدف إعلان مواقف الله وردود أفعاله على تصرفاتهم. فالذي يحدد قداسة الله وكلامه، ‏هو إظهار ردود أفعال الله ومواقفه الطاهرة، تجاه خطايا الإنسان.  فعندما يُخطئ البشر، هذا لا يؤثر ‏على قداسة الله أو قداسة كتابه. فالذي يؤثر على قداسة الله، هو مواقفه من خطايا البشر، وليس خطايا ‏البشر بذاتها.  فإذا تستر الله على خطاياهم مثلا، أو أنزل على المخطئين آية تحلل لهم زناهم أو خطأهم؛ ‏هنا الكارثة الكبرى التي تصيب قدسية الله وكتابه.  فلا يمكن مثلا أن ينزل الله آية على يهوذا، يحلل له ‏بها بأن يتزوج امرأة ابنه.  وإذا حدث هذا، يكون فعلا الأمر لا يليق في حق الله؛ ويكون الله حينئذٍ يشجع ‏على الفحشاء!!! لأن المبدأ الهام الذي يجب أن نتذكره دائمًا هو: ‏
إن تصرفات رجال الله لا تؤثر على طهارة الله، بل ردوده على تصرفاتهم هي التي تظهر طبيعة الله ‏المقدسة أم غير اللائقة.‏

ثانيًا: من جهة رأوبين، فهو ليس من رجال الله الصالحين، والله أيضًا لعنه على فعلته المشينة التي فعلها، ‏بزناه مع امرأة أبيه (تكوين 49: 4). أما من جهة قضية يهوذا ولوط وبناته، ففيهما شيء مشترك، وهو أن ‏البنات غير زانيات إطلاقًا؛ بل بالعكس، يردن نسلاً مقدسًا من شعب الرب؛ وذلك لأنهنَّ لا يردن أن يزنين ‏أو يتزوجن من رجال وثنيين، ليسو من شعب الرب.  فنلاحظ في النصين، بالنسبة للوط وبناته، أن ‏التركيز هو أن يعطيهم الله نسلاً مقدسًا لإحياء إسم لأبيهم، وليس للزنى بحد ذاته: 32  هَلُمَّ نَسْقِي أَبَانَا ‏خَمْرًا وَنَضْطَجعُ مَعَهُ، فَنُحْيِي مِنْ أَبِينَا نَسْلاً" تكوين 19.  وأختها الثانية كذلك الأمر: " 34  وَحَدَثَ فِي ‏الْغَدِ أَنَّ الْبِكْرَ قَالَتْ لِلصَّغِيرَةِ: إِنِّي قَدِ اضْطَجَعْتُ الْبَارِحَةَ مَعَ أَبِي. نَسْقِيهِ خَمْرًا اللَّيْلَةَ أَيْضًا فَادْخُلِي ‏اضْطَجِعِي مَعَهُ، فَنُحْيِيَ مِنْ أَبِينَا نَسْلاً."‏
كذلك ثامار مع يهوذا، أصرت على أخذ خاتم يهوذا، كيما عندما تحبل منه، تبرر نفسها، لكي تحيي ‏ليهوذا نسلا.  وعندما علم أن كنته حبلى أراد حرقها، فواجهته بما حدث؛ فقال يهوذا أمام الجميع "هي أبر ‏مني، لأَنِّي لَمْ أُعْطِهَا لِشِيلَةَ ابْنِي" (تكوين 38: 26).  وهذا يعبِّر عن قداسة وتواضع وشفافية رجال الله، ‏بعيدين عن التبجح وإنكار خطأهم، ومدحهم لأنفسهم مثل ادعائهم الباطل بأنهم معصومون.  فلم يدَّعِ ‏يهوذًا مُتبجحًا أن الله حلل له أن يأخذ ثامار زوجة ابنه له، كما تُعلِّم ديانات أخرى عن أنبيائهم!!  فيبرؤون ‏النبي، وينسبون الفحشاء لله (والعياذ بالله)!!  ‏

ثالثًا: إن النقاد عادة في هذه الأمثلة، لا يدركون الخلفية التاريخية التشريعية للشخصيات المذكورة التي ‏عاشت وقتها.  فزواج المحارم، وهو الزواج من الأقرباء المحرمين؛ مثل الزواج من البنات أو الأخوات؛ ‏كان شيئًا طبيعيًا لأولاد آدم بعد الخلق؛ وحتى في الوصايا التي أعطاها الله لنوح، لم تكن وصية الزنى أو ‏زواج المحارم أو حتى الكذب، موجودة فيها، حيث كانت الشريعة في حالة تطور.  فلأن جميع الشخصيات ‏المذكورة، كانت تعيش تحت وصايا نوح وليس تحت شريعة موسى، وفيها تركيز كبير على الإكثار من ‏النسل المقدس.  وهذا التركيز نراه في الثلاث أمثلة السابقة، حيث شددت وصية الله لنوح على هذا الأمر ‏مرتين، قبل وبعد الوصايا: 
‏"1 وَبَارَكَ اللهُ نُوحًا وَبَنِيهِ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ...7 فَأَثْمِرُوا أَنْتُمْ وَاكْثُرُوا وَتَوَالَدُوا فِي ‏الأَرْضِ وَتَكَاثَرُوا فِيهَا" تكوين 9. 
فلم تكن هناك وصية تخص الزنى في وصايا نوح أو شرب الخمر؛ لكن طبعًا هذا لا يعني أن رجالات الله ‏لم يكن عندهم الكثير من أخلاق وفضائل الشريعة بالفطرة، كما نرى من سيرتهم؛ لكن يجب أن نتذكر ‏دائمًا أنه بحسب مبادئ الله، الخطية لا تُحسب دون وجود وصية تنهى عنها:  
‏" 13... عَلَى أَنَّ الْخَطِيَّةَ لاَ تُحْسَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَامُوسٌ‎.‎‏" رومية 5. 
واستمرت ظاهرة الزواج من الأقرباء المحرَّمين، إلى أن منعته شريعة موسى عندما أتت. فشريعة موسى ‏أتت حوالي 1100 سنة بعد وصايا نوح، وبعد يهوذا ورأوبين بحوالي 600 سنة. وعندما أتت شريعة ‏موسى، رأينا من خلالها موقف الله مما فعل لوط ويهوذا ورأوبن وغيرهم من قبل: "11  وَإِذَا اضْطَجَعَ رَجُلٌ ‏مَعَ امْرَأَةِ أَبِيهِ، فَقَدْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَبِيهِ. إِنَّهُمَا يُقْتَلاَنِ كِلاَهُمَا (ما فعله رأوبين). دَمُهُمَا عَلَيْهِمَا. 12 وَإِذَا ‏اضْطَجَعَ رَجُلٌ مَعَ كَنَّتِهِ، فَإِنَّهُمَا يُقْتَلاَنِ كِلاَهُمَا (ما فعله يهوذا). قَدْ فَعَلاَ فَاحِشَةً. دَمُهُمَا عَلَيْهِمَا...17  وَإِذَا ‏أَخَذَ رَجُلٌ أُخْتَهُ بِنْتَ أَبِيهِ أَوْ بِنْتَ أُمِّهِ (كإبراهيم)، وَرَأَى عَوْرَتَهَا وَرَأَتْ هِيَ عَوْرَتَهُ، فَذلِكَ عَارٌ. يُقْطَعَانِ أَمَامَ ‏أَعْيُنِ بَنِي شَعْبِهِمَا. قَدْ كَشَفَ عَوْرَةَ أُخْتِهِ. يَحْمِلُ ذَنْبَهُ."  لاويين 20.  فحتى إبراهيم كان قبل الشريعة، ‏وكانت سارة أخته من أبيه (تكوين 20: 12)،  لذلك لم تحسب خطية عليه بحسب شريعة موسى كما هو ‏مبين في الآيات، لأنه عاش قبل شريعة موسى بحوالي 700 سنة، والله لم يكن قد حرَّم هذا بعد. ‏

رابعًا: إن إبراز وحي الكتاب المقدس لخطايا شخصيات كتابية وضعفاتهم، أتى لكي يؤكد على أمرين: ‏

الأول: هو قدرة الله لتغييرهم؛ حيث يبرز لنا كيف استجابوا لتغيير الله لهم فيما بعد. وأنا عادة أشبه هذا ‏الأمر بمهندس عظيم يرمم أبنية قديمة. فإذا أراك المهندس مبنى قديم مُرمَّم وجميل، ماذا سيُعَرِّفك هذا على ‏قدراته ؟؟ ليس الكثير!!  إلا إذا أراك صُوَر عن كيف كان المبنى قبل، خلال، وبعد الترميم؛ عندها ‏ستتعرف على قدرات هذا المهندس العظيمة فعلا.  هكذا يصور أسلوب الله في الوحي الكتابي، يُظهر ‏ضعفات رجال ونساء الله عندما يختارهم، يُظهر قدرات الله لتغييرهم؛ وفي النهاية يظهر روعتهم وإبداع الله ‏في تغييرهم.  لذلك عندما يتكلم الوحي عن قدوة رجال الله لنا، يقول: "7... انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا ‏بِإِيمَانِهِمْ‎.‎‏" عبرانيين 13، ولا يحثنا على الاقتداء في كل شيء في سيرتهم.  وهذا يعطي إنسان الحاضر ‏رجاء في الله المُخَلِّص. أي الله الذي يريد أن يشترك في تغيير الإنسان؛ ليُظهر أنه قادر على تغييري أنا ‏اليوم، لكي أصبح إنسان حياته تمجد الله وتشهد عن كم هو إله عظيم ومجيد.‏

الثاني: هو لكي يبرز الوحي دائمًا أن الله وحده الكامل المعصوم عن الخطية، وليس البشر.  فعصمة ‏الأنبياء ما هي إلا بدعة تمس في قداسة الله شخصيًا؛ لأنها تنسب أفعال الأنبياء الناقصة، لمشيئة الله التي ‏من المفترض أن تكون كاملة وطاهرة!!!  مما يجعل الله إله ذات قوانين مزدوجة، يعطي بها الأنبياء ‏امتيازات دون غيرهم؛ فتنفي عن الله أنه إله ثوابت ومبادئ كاملة متساوية للجميع.  فالكتاب المقدس يؤكد ‏على أن الله وحده المعصوم عن الخطأ؛ فإذا كان الأنبياء صالحين ومعصومين عن الخطأ، فما حاجتهم ‏إلى الله إذًا!! فيكون الله مثل المهندس الذي يتباهى بمباني ليست من صنعه!!! فبماذا يكرمه هذا؟؟ لذلك ‏إذا كان الله يختار أناس معصومين وكاملين من ذاتهم، أي دون أن يغيِّرهم، فبماذا يمجد هذا الله؟؟ لا ‏يمجد الله في أي شيء، بل بالعكس يمجد الأنبياء!! لكن الوحي دائمًا يؤكد أن صلاح الأنبياء هو من ‏صنع الله وليس من صنعهم، لكي يرجع المجد لله وحده دون أي شريك.‏

أما من جهة زنى الملك سليمان مع نساء، وداود مع بتشبع، سبق وكتبت عنه في مقال دفاعي سابق ‏بعنوان: "خطايا الملوك"، بأمكانك أن ترجع له.‏

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا