مثال النبي يونان والمسيح (٢)

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

كما قلنا في المقال السابق، يستخدم الكثير من النقاد قصة يونان للطعن في حقيقة موت وقيامة المسيح؛ فتوجد ثلاث قضايا يستخدمها النقاد عادة من مثال قصة يونان، الذي أورده المسيح؛ لقد رُدَّ على الأولى في المقال السابق؛ وسأرد في هذا المقال، على الثانية والثالثة وهما:

الثانية: هل مات يونان في قلب الحوت؟

لقد قرأت كتاب بعنوان "حوار بين مسلم ونصراني – Muslim Christian Dialogue"، للكاتب حسن محمد باعقيل، وهو من أكثر الكتب نشرًا في أوروبا للدعوة إلى الإسلام؛ وهو من إنتاج مؤسسة دعوة في الرياض. يحتوي على حوار مزعوم بين مسلم وميسحي؛ طبعًا يتحلى المسيحي فيه بأعلى درجات السذاجة والجهل وأغبى الأجوبة، وأما المسلم فيبدو مفحمًا له على الدوام. يستشهد الكاتب بتشبيه المسيح لبقائه في القبر ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ كيونان:
" ٤٠ لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال.” متى ١٢.

وبعدها يسأل المسلم المسيحي سؤال: "هل بقي يونان على قيد الحياة وهو في بطن الحوت، إلى أن قُذِف خارجًا؟"
فيجيبه المسيحي: "نعم"
فيقول له المسلم: “إذا المسيح لم يَمُتْ، وبقي على قيد الحياة كما تنبأ” (الصفحات ٤٥-٤٦).
فبحسب رأي الكاتب الساذج، إذا برهن من خلال سوء استخدام هذه الآية التشبيهية أن المسيح لم يمت، بناءً على استنتاجه بأن يونان لم يمت في بطن الحوت، سينجح في نقد أكثر من ١٠٠ آية قاطعة في العهد الجديد، تؤكد موته وقيامته بشكل لا يقبل الشك !!!

إن ميزان الكلمة من جهة يونان، لا يقول أنه لم يمُت، بل بالعكس يميل للإماء بأن يونان مات في بطن الحوت. وذلك من خلال عدة تعابير في صلاته:
بالرغم من أن النص يقول أن يونان صلى إلى الرب إلهه من بطن الحوت (٢: ١)؛ إلا أنه في الآية التي تليها يذكر أنه نزل إلى الهاوية: “ ٢ وَقَالَ: «دَعَوْتُ مِنْ ضِيقِي الرَّبَّ، فَاسْتَجَابَنِي. صَرَخْتُ مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ، فَسَمِعْتَ صَوْتِي.”؛ والنزول إلى الهاوية في معظم النصوص الكتابية، يتكلم عن موت الإنسان.

فمثلاً من صلاة حنة:
"الرَّبُّ يُمِيتُ وَيُحْيِي. يُهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَيُصْعِدُ.” (١ صموئيل ٢: ٦). وهذه من النصوص الشعرية من الفئة التي تسمى مفارقة مترادفة؛ وفيها تتكون الآية من شطرين: الأول يتكون من كلمتين عكس بعضهما البعض + فاعل؛ والشطر الثاني، كلمتين، الأولى تفسر الكلمة الأولى من الشطر الأول، والثانية تفسر الكلمة الثانية من الشطر الأول.

إذًا "يميت" عكس "يحيي"؛ و"يهبط إلى الهاوية"، مرادفة لكلمة "يُميت" وتفسِّرها؛ "ويصعد"، مرادفة لكلمة "يحيي” وتفسِّرها. إذا الموت هو مرادف للهبوط إلى الهاوية في الكثير من النصوص؛ لذلك عندما يعلن يونان أنه صرخ من جوف الهاوية، هذا يعني أنه مات؛ وبقي جسده في بطن الحوت، أما نفسه وروحه فذهبا إلى الهاوية وأخذت تناجي الله وتستغفر منه (كما في قصة لِعازر والغني، لوقا ١٦: ١٩-٣١). لكن الذي حدث في قصة يونان، أن الله سمع إلى صلاته وصراخة وهو في الهاوية؛ وأعاد إحيائه؛ وجعل الحوت يقذفه إلى اليابسة مرة أخرى. وهذا هو مثال المسيح، الذي سيموت في القبر، يبقى جسده في القبر، وتذهب نفسه وروحه إلى الهاوية، حيث بشر الموتى هناك بقدومه (أفسس ٤: ٩ و ١ بطرس ٣: ١٩ و٤: ٦). وبعدها، لم تعاد له الحياة في الجسد الترابي كيونان، بل كان أول من لبس الجسد السماوي الممجد؛ لذلك يسمى بكرُ من الأموات (كولوسي ١: ١٨).

أيضًا يُثَبِّت هذا المعنى الآية السادسة:
" نَزَلْتُ إِلَى أَسَافِلِ الْجِبَالِ. مَغَالِيقُ الأَرْضِ عَلَيَّ إِلَى الأَبَدِ"، فهنا لا يذكر يونان أنه نزل إلى أعماق البحار فحسب، بل إلى اسافل الجبال والأرض، حيث أغلقت عليه بابها إلى الأبد. فمن المستحيل جدلا أن ينزل إلى أسافل الأرض، وهو في بطن الحوت، إلا إذا مات فعلاً؛ فهذا التعبير يؤكد موته في بطن الحوت أيضًا.

الثالثة: إنه وعد أن يعطيهم آية يونان، فلماذا لم يظهر نفسه للفريسيين، بعد القيامة، ويفي بوعده؟

الجواب هو: إن المسيح بالحقيقة وعد وقال أنه لن تُعطى لهذا الجيل إلا آية يونان؛ فبعد القيامة حقق المسيح وعده للفريسيين، وكانوا أول من اطلع على قيامته من الأموات.
بعدما ترتب من الله بأن يطلب بيلاطس من الفريسيين أن يضعوا بأنفسهم حراس منهم على القبر :
" 65 فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ. اذْهَبُوا وَاضْبُطُوهُ كَمَا تَعْلَمُونَ». 66 فَمَضَوْا وَضَبَطُوا الْقَبْرَ بِالْحُرَّاسِ وَخَتَمُوا الْحَجَرَ." (متى ٢٧).

بعدها يقول الكتاب:
" 1 وَبَعْدَ السَّبْتِ عِنْدَ فَجْرِ أَوَّلِ الأُسْبُوعِ جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الأُخْرَى لِتَنْظُرَا الْقَبْرَ. 2 وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ وَجَلَسَ عَلَيْهِ. 3 وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَالْبَرْقِ وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ. 4 فَمِنْ خَوْفِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ....11 وَفِيمَا هُمَا ذَاهِبَتَانِ إِذَا قَوْمٌ مِنَ الْحُرَّاسِ جَاءُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَخْبَرُوا رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ بِكُلِّ مَا كَانَ. 12 فَاجْتَمَعُوا مَعَ الشُّيُوخِ وَتَشَاوَرُوا وَأَعْطَوُا الْعَسْكَرَ فِضَّةً كَثِيرَةً 13 قَائِلِينَ: «قُولُوا إِنَّ تَلاَمِيذَهُ أَتَوْا لَيْلاً وَسَرَقُوهُ وَنَحْنُ نِيَامٌ. 14 وَإِذَا سُمِعَ ذَلِكَ عِنْدَ الْوَالِي فَنَحْنُ نَسْتَعْطِفُهُ وَنَجْعَلُكُمْ مُطْمَئِنِّينَ». 15 فَأَخَذُوا الْفِضَّةَ وَفَعَلُوا كَمَا عَلَّمُوهُمْ فَشَاعَ هَذَا الْقَوْلُ عِنْدَ الْيَهُودِ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ.

أيضًا الكتاب يوضح بأن المسيح ظهر بعد القيامة لأكثر من ٥٠٠ شخص، فمكن جدًا أن يكون جزء من الفريسيين منهم (١ كورنثوس ١٥: ٦)؛ كنيقوديومس الذي دفن بنفسه المسيح مثلاً (يوحنا ٣: ١ و١٩: ٣٩).

إذًا كما أن يونان مات في بطن الحوت، ومن ثم أحياه الله وأقام من خلال قيامته حياة لأهل نينوى. هكذا أيضًا مات المسيح، ونزل إلى اسافل الأرض، وكرز للأرواح التي ماتت قديمًا على رجاء المسيح. وقام من الأموات في اليوم الثالث، وأقام الله معه أيضًا حياةً لجميع الأموات والأحياء المؤمنون به. فالمسيح انتصر على أهم مشكلة في حياة الإنسان – القبر والموت، بقيامته.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
يستخدم الكثير من النقاد قصة يونان للطعن في حقيقة موت وقيامة المسيح؛ فتوجد ثلاث قضايا يستخدمها النقاد عادة من مثال قصة يونان، الذي أورده المسيح؛ سأرد على الأولى منها في هذا المقال
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader