أحسن ما أبدأ به هذه المقالة آية قالها السيد المسيح له المجد {الحق الحق أقول لكم: إنّ من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فلهُ حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة} - يُوْحَنّا 24:5 فلعلّ الذي يقرأ هذه الآية يتأمل فيها قليلاً ثمّ يسأل نفسه: ماذا أتمنى أكثر من الحياة الأبدية في حضرة ربّ المجد، حيث الخلاص والنور الأبدي وحيث لا دينونة ولا وجع ولا معاناة من جوع وعطش وكبت؟ أليست هذه هي الحياة المنشودة، أليس هذا هو الخبر السارّ، المكتوب في كتاب الخبر السّارّ (الإنجيل) حتى اٌستحقّ الكتاب أحسن المديح وقد خُتِمت به شريعة الله وخطته الأزليّة والأبدية التي رَسَمَ للإنسان ليعيش مدى الزمان، الخطّة التي بُدِئت بالعهد القديم، وكملت بالعهد الجديد، حتى استحق الكتاب وصفه بالكتاب المقدّس؟ فأيّ كتاب آخر يستحق التقديس بعد هذا الكتاب؟

ولقد ركزت في مقالتي “كم كتاباً لله؟” على وحدانيّة كتاب الله، أي أنّ لله كتاباً واحداً يجب تقديسه في كل زمان وكلّ مكان. وهذا غير متفق عليه من أتباع الديانات الذين يعتقدون بأن الله أرسل بعد المسيح أنبياء آخرين أو رُسُلاً- غير رسل المسيح- مُحمّلين برسالات مصدرها الإله السّماوي نفسه، ما اٌقتضى التفنيد بطريقة تحليلية مبنية على فهم خطة الله مع الإنسان، الموضّحة في الكتاب المقدّس بعهديه الجديد والقديم

وتكاد المقالة تنتهي عند هذا الحدّ لأنّ (خير الكلام ما قلّ ودلّ) ومرحباً بأيّ اعتراض من أيّة جهة. فالكتاب يقول: {بَلْ قدِّسُوا الرَّبَّ الإله في قلوبكم، مستعِدِّين دائمًا لمجاوبة كلّ من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم بوداعة وخوف} - بطرس الأولى 15:3.

لكني سمعت أحد المعترضين يقول كما يقول المثل: (هاتِ من الآخِر) قلت: حسناً؛ آتيك من الآخِر، بل من آخِر الآخِر، ممّا ورد في سِفر رؤيا يُوحَنّا: {لأني أشهد لكلّ من يسمع أقوال نبوّة هذا الكتاب: إن كان أحدٌ يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب. وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوة يحذف الله نصيبَهُ من سِفر الحياة، ومن المدينة المقدسة، ومن المكتوب في هذا الكتاب} - رؤيا 22: 18 و19 إذاً كلّ ما زاد على الأقوال المدوّنة في كتاب الله يكون لا محالة باطلاً ولا يجوز أن يُنسَبَ لإله الكتاب المقدّس، إنّما لجهة أخرى أو إله آخر! في وقت حَذّر الله في كتابه وأنذر من خلال وصيّته الأولى في ضمن وصاياه العشر في التوراة: {لا يكُنْ لكَ آلهةٌ أخرى أمامي} - سِفر الخروج 3:20 وإذاً لا يحقّ لأحد أيّاً كان أن يدّعي بنبوّة مَصْدَرُها إلهُ الكتاب المقدّس.

ويسرّني بهذه المناسبة أن أذكر جانباً من حوار لي مع أحد خُدّام الإنجيل في الموضوع عينه؛ لقد تفضّل مشكوراً بكتابة التالي: [لقد استشهدتَ بآيتين من سفر الرؤيا لتشرح أنه لا يجوز الإضافة على الكتاب المقدس. ورب معترض سيقول لك (وبحق) كلمة "الكتاب" هناك تعني سفر الرؤيا وحده وليس الكتاب المقدس. فكيف تجيب على هذا الاعتراض؟ الإجابة على ذلك قد تكون: نعم، كلمة "كتاب" أو عبارة "نبوة هذا الكتاب" تتعلق بسفر الرؤيا، لكنها ليست مجرد صدفة أن الله قد ألهم الكنيسة، التي جمعت الكتاب المقدس، أن تضع سفر الرؤيا في آخره، لكي يكون واضحًا أنّ وحي الله بكتابه لكنيسته قد خُتِم] انتهى.

وهاءنذا أتوقف ثلاث وقفات عند عبارات مهمّة وردت في إجابة خادم الإنجيل الكريم؛
الوقفة الأولى بخصوص الصدفة: نعم، نحن المسيحيّين والمسيحيّات نؤمن بالتدخل الإلهي (أي عمل الروح القدس) في مختلف تفاصيل حياتنا اليوميّة ولا نؤمن بالصدفة. فمن يعِشْ متقرّباً إلى الله يلتفتِ الله إليه فيرشده إلى الصواب في كل خطوة وينظّم له مختلف تفاصيل حياته، أمّا الذي قرّر أن يعيش مبتعداً عن الله (أي مخالفاً تعاليمه ووصاياه) فلا يَلُمْ في مواجهة العواقب سوى نفسه- يقول الكتاب: {هاءنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي} - رؤيا 20:3.

الوقفة الثانية بخصوص إلهام الروح القدس: نعم، إن الله هو الذي ألهَمَ الكنيسة من خلال الروح القدس، الذي يعمل فيها باستمرار ودون انقطاع، لأنّ الكنيسة تعني شعب الله. لكنّ الأستاذ الخادم قصد بالكنيسة آباءَ الكنيسة الأوّلين، القديسين الذين جمعوا أسفار الكتاب المقدّس. لقد جمعوه قطعاً بإلهام الروح القدس، كما وعد المُعلّم الأوّل له المجد قائلاً: {وأمّا المُعَزِّي، الروح القدس، الذي سيُرسله الآب باٌسمي، فهو يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شيء، ويُذكِّرُكُمْ بكلّ ما قلتهُ لكم} - يُوْحَنّا 26:14.

الوقفة الثالثة بخصوص الختم: لقد كان آباء الكنيسة أمناء جدّاً على موضوع ختم الكتاب المقدّس، أي تحديد أسفاره القانونية بدقة، بإرشاد الروح القدس، لأنّ كتابات أخرى ظهرت لـم تقبلها الكنيسة، إنما اعتبرتها غير مُوحىً بها من الله. أمّا المقاييس التي اعتمدها الآباء لتحديد قانونية كل سِفر فيمكن لأي باحث-ة العثور عليها عبر الإنترنت؛ بغض النظر عن قناعات الطوائف المسيحية المختلفة على قانونية عدد قليل من الأسفار، لأن جوهر الإيمان المسيحي ثابت.

ولا بدّ لي من أن أذكّر القارئ-ة الكريم-ة بأنّي استشهدت بآيتين مدوّنتين في الصفحة الأخيرة في كتاب الله المقدّس والذي أثبتّ بمقالتين قصيرتين أن لا كتاب لله سواه، سواء أكان قصد يوحنّا اللاهوتي بالكتاب سِفر الرؤيا أم الكتاب المقدّس كله؛ علماً أنّ من عادة كتّاب الوحي أن يذكروا الكتاب بدون تحديد العهد، لأن الكتاب بعهديه كتاب واحد، لكنّ المدقق في القراءة يستطيع أن يكتشف العهد المُشار إليه- والأمثلة كثيرة، نقرأ منها التالي
فلمّا قام من الأموات تذكّر تلاميذُهُ أنه قال هذا، فآمَنوا بالكتاب والكلام الذي قالهُ يسوع- يوحنا 22:2.

من آمن بي، كما قال الكتاب، تجري من بطنه أنهارُ ماءٍ حي- يوحنا 38:7.

ألم يقل الكتاب إنه من نسل داود، ومن بيت لحم، القرية التي كان داود فيها، يأتي المسيح؟- يوحنا 42:7
لست أقول عن جميعكم. أنا أعلم الذين اخترتهم. لكن ليتم الكتاب: الذي يأكل معي الخبز رفع عليَّ عقبه- يوحنا 18:31.

بعد هذا رأى يسوع أن كل شيء قد كمل، فلكي يتم الكتاب قال: أنا عطشان- يوحنا 28:19
وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدّام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب- يوحنّا 30:20

وأمّا أنت فاثبت على ما تعلمت وأيقنت، عارفاً ممّن تعلمت. وأنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة، القادرة أن تُحَكِّمَكَ للخلاص، بالإيمان الذي في المسيح يسوع. كلّ الكتاب هو مُوحًى به من الله، ونافعٌ للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البِرّ، لكي يكون إنسان الله كاملاً، متأهّبًا لكلّ عمل صالح- بولس الثانية إلى تيموثاوس 3: 14-17.

لذلك يتضمن أيضًا في الكتاب: هاءنذا أضع في صهيون حجر زاوية مختارًا كريمًا، والذي يؤمن به لن يُخزى- بطرس الأولى 6:2.

عالِمِين هذا أوّلاً: أن كلّ نبوّة الكتاب ليست من تفسير خاص، لأنه لم تأت نبوة قطّ بمشيئة إنسان، بل تكلم أناسُ الله القديسون مَسُوقين من الروح القدس- بطرس الثانية 1: 20-21.

أخيراً، قال السيّد المسيح: {فتِّشوا الكتب لأنكم تظنّون أنّ لكم فيها حياة أبدية. وهي التي تشهد لي} - يوحنا39:5 بل قال له المجد: {السّماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول} - متّى 35:24 ومرقس 31:13 فهنيئاً لمن يحفظ كلام الله: {ها أنا آتي سريعًا. طوبى لِمَن يحفظ أقوال نبوّة هذا الكتاب} - رؤيا 7:22.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا