بعد أن رأى الكاهن الإنسان المجروح "جاز مقابله" (لوقا 10: 31).

كذلك اللاوي بعد أن رأى الانسان المجروح "جاء ونظر وجاز مقابله" (لوقا 10: 32).

أما السامريّ فيقول عنه الكتاب أنه قام بسلسلة أفعال إيجابية متصاعدة في مفعولها لمساعدة هذا الإنسان المسكين "ولكن سامريًا مسافرًا جاء إليه ولما رآه تحنن، فتقدم وضمد جراحاته وصبّ عليها زيتًا وخمرًا وأركبه على دابته وأتى به إلى فندق واعتنى به. وفي الغد لما مضى أخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق وقال له: اعتن به ومهما أنفقت أكثر فعند رجوعي أوفيك" (لوقا 10: 34 – 35).

لقد اهتم السامريّ المرفوض بل المكروه والمعتبر عدوًا لليهود، وبذل كل مجهود ممكن لمساعدة هذا الإنسان المجروح المنكوب، الملقى أرضًا بين حيّ وميّت، ضاربًا عرض الحائط كل المخاوف والمخاطر والأسباب الحقيقية التي تمنعه من مدّ يدّ المساعدة، بما في ذلك احتمال اتهام البعض له بارتكاب الأذى والاعتداء على هذا المسكين لسبب اعتباره عدوًا، ومع ذلك صوّب نظره نحو الهدف الواضح، ألا وهو مساعدته حتى الشفاء التام، غير مباليًا بما قد يُتهم به، أو بوقته وحاجته للراحة وضرورة متابعة طريقه لإتمام أهدافه.

عندما رأى السامري هذا الانسان المسكين تحنن، مما يبين طينة هذا الانسان اللطيف، وإن اعتبره البعض غريب الجنس نسبة لليهود، ولكنه كان بكل بساطة "عز الطلب" في هذا الموقف. تأخذني هذه الحنيّة العابرة لحدود اللون والجنس والجنسية والقومية والثقافة والمركز إلى ربّ الإنسانية، صاحب القلب الحنون على الجميع وعلى الجموع في العديد من المواقف التي لا يُمكن احصاؤها فأستذكر مجموعة منها على سبيل المثال:

فَلَمَّا خَرَجَ يَسُوعُ أَبْصَرَ جَمْعًا كَثِيرًا فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وَشَفَى مَرْضَاهُمْ" (متى14: 14)، وأيضًا "فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَلَمَسَ أَعْيُنَهُمَا، فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَتْ أَعْيُنُهُمَا فَتَبِعَاهُ" (متى20: 34)، وكذلك "فَأَتَى إِلَيْهِ أَبْرَصُ يَطْلُبُ إِلَيْهِ جَاثِيًا وَقَائِلاً لَهُ: «إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي» فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَمَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَهُ وَقَالَ لَهُ: «أُرِيدُ، فَاطْهُرْ!». فَلِلْوَقْتِ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ ذَهَبَ عَنْهُ الْبَرَصُ وَطَهَرَ." (مرقس1: 40 -42)، ومثال آخر كنموذج عن أمثلة عديدة أخرى "فَلَمَّا اقْتَرَبَ إِلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، إِذَا مَيْتٌ مَحْمُولٌ، ابْنٌ وَحِيدٌ لأُمِّهِ، وَهِيَ أَرْمَلَةٌ وَمَعَهَا جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا رَآهَا الرَّبُّ تَحَنَّنَ عَلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا: «لاَ تَبْكِي». ثُمَّ تَقَدَّمَ وَلَمَسَ النَّعْشَ، فَوَقَفَ الْحَامِلُونَ. فَقَالَ: «أَيُّهَا الشَّابُّ، لَكَ أَقُولُ: قُمْ!» (لوقا 7: 12 -14).

بدافع المحبة، ابتدأ الاهتمام والعلاج بإسعاف أولي على قارعة الطريق بما توفر لديه من مواد يُمكِن الاستفادة منها للعلاج، من زيتٍ وخمر، "فتقدم وضمد جراحاته وصبّ عليها زيتًا وخمرًا". "ضمد جراحه"، هذا رمز بسيط لعمل ابن الله (الله المتجسد) الذي افتقدنا في هيئة ابن الإنسان العظيم، لقد جاء ليخلص ما قد هلك، ليبطل وينقض عمل ابليس، كما حاول السامري أن ينقض عمل اللصوص، حقًا لقد جاء ابن الانسان ليكمّل ما عجز عنه ناموس موسى (كما عجز الكاهن واللاوي في عمل الخير والرحمة).

ثم فضّله على نفسه، وأعطاه مكانه ليركب دابته، أما هو فترجّل ماشيًا محتملًا مشقة الطريق بفرح وصبر "وأركبه على دابته وأتى به إلى فندق واعتنى به"، وتابع اهتمامه به فترة وجوده في الفندق حتى اضطر للسفر في مهامه بعد أن اطمأن عليه، فأوكل مهمة الاعتناء به لصاحب الفندق، وغالبًا كان يثق به وبخدماته إذ لا بُدّ وأنه اعتاد على هذا الفندق واختبر خدمة صاحبه وأمانته مدة طويلة، فاستأجر خدماته، ودفع تكلفتها مسبقًا، وتعهد بتغطية أية تكاليف أخرى عند عودته "وفي الغد لما مضى أخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق وقال له: اعتن به ومهما أنفقت أكثر فعند رجوعي أوفيك".

لقد قصّ الرّبّ يسوع قصة السامري الصالح كجواب لاستفسار معلم الناموس عن "من هو قريبي؟"، وبعد ذلك حثّه الرّبّ على الاستنتاج فسأله "فَأَيَّ هؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ تَرَى صَارَ قَرِيبًا لِلَّذِي وَقَعَ بَيْنَ اللُّصُوصِ؟" (لوقا 10: 36). فَقَالَ: «الَّذِي صَنَعَ مَعَهُ الرَّحْمَةَ». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ أَنْتَ أَيْضًا وَاصْنَعْ هكَذَا» (لوقا 10: 36). لقد كان استنتاج الناموسي في محلّه، وفهم رسالة الرّبّ من خلال القصة، ولكن جوابه كان محاولة للتهرب من ذكر اسم "سامريّ" بلسانه لئلا يتنجس بفمه وفقًا للمفاهيم العنصرية السائدة حينها، فقالها بشكل مُبطن وغير مباشر «الَّذِي صَنَعَ مَعَهُ الرَّحْمَةَ».

هذا الاعتراف بالفعل الحسن والانكار للشخص الصالح، يُذكرني بجواب أبوا المولود أعمى لليهود بعد فتح يسوع عينيه، فلم يذكرا اسم يسوع خوفًا من اليهود على مصالحهم "أَجَابَهُمْ أَبَوَاهُ وَقَالاَ: «نَعْلَمُ أَنَّ هذَا ابْنُنَا، وَأَنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى. وَأَمَّا كَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ فَلاَ نَعْلَمُ. أَوْ مَنْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَلاَ نَعْلَمُ. هُوَ كَامِلُ السِّنِّ. اسْأَلُوهُ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَنْ نَفْسِهِ». قَالَ أَبَوَاهُ هذَا لأَنَّهُمَا كَانَا يَخَافَانِ مِنَ الْيَهُودِ، لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا قَدْ تَعَاهَدُوا أَنَّهُ إِنِ اعْتَرَفَ أَحَدٌ بِأَنَّهُ الْمَسِيحُ يُخْرَجُ مِنَ الْمَجْمَعِ. لِذلِكَ قَالَ أَبَوَاهُ: «إِنَّهُ كَامِلُ السِّنِّ، اسْأَلُوهُ». (يوحنا 9: 20 – 23). كما وتابع اليهود تهديدهم لمن يعلن اسم يسوع ويشهد له فامسكوا التلاميذ وحبسوهم وضربوهم وهددوهم لئلا يشهدوا عنه "ودعوا الرسل وجلدوهم، وأوصوهم أن لا يتكلموا باسم يسوع، ثم أطلقوهم. وأما هم فذهبوا فرحين من أمام المجمع، لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه. وكانوا لا يزالون كل يوم في الهيكل وفي البيوت معلمين ومبشرين بيسوع المسيح" (أعمال 5: 40 -42).

صاحب الفندق

لقد أوكل السامريّ الصالح لصاحب الفندق مهمة الاعتناء بالإنسان الجريح وقت غيابه، فاستأجر خدماته ودفعها مسبقًا، وتعهد أنه سيدفع أية تكلفة إضافية.

كان صاحب الفندق مسؤولًا عن منزل يُستخدَم لاستضافة المسافرين أو الغرباء مقابل دفع تكلفة معيّنة. وتواجدت المنازل غالبًا بالقرب من مصدر ماء لكي يستريح فيها المسافرون ويجدوا الماء اللازم لهم ولمواشيهم والحماية أثناء الليل. وقد ذُكر في العهد القديم عن مبيت أخوة يوسف (أبناء يعقوب) في منزل في مصر (تكوين 42: 27، 43: 21)، كما نزل النبي موسى ومعه زوجته فصورة بأحد هذه المنازل (خروج 4: 24). ونقرأ في العهد الجديد عن ميلاد الرّبّ يسوع في أحد مذاود منازل بيت لحم، إذ لم يكن لهم مكانًا في المنزل، فباتا غالبًا في حظيرة المنزل، "وعندما ولد يسوع وضعوه في المذود" (لوقا 2: 7)، كما أرسل الرّبّ يسوع بطرس ويوحنا ليعدا له وللتلاميذ منزلًا لأكل الفصح مع تلاميذه (مرقس 14: 14، ولوقا 22: 11). وقد وردت كلمة "فندق" مرتين فقط في الكتاب المقدس وكلتاهما في نص السامري الصالح (لوقا 10: 34 و35).

بما أننا نعرف طبيعة الخير والمسؤولية لدى السامري الصالح، لذا يُمكننا الافتراض أنه أوكل مهمة الاعتناء بالإنسان المسكين لإنسان يعرفه حقّ المعرفة، ويثق بأمانته، ويعلم يقينًا أنه سيهتم ويسهر على رعايته، وليس كذاك الأجير الذي حذّر منه الرّبّ يسوع عندما أعلن "أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف. وأما الذي هو أجير، وليس راعيًا، الذي ليست الخراف له، فيرى الذئب مقبلًا ويترك الخراف ويهرب، فيخطف الذئب الخراف ويبددها. والأجير يهرب لأنه أجير، ولا يبالي بالخراف" (يوحنا 10: 11-13). وبالتالي لم يتركه لرحمة النازلين في الفندق، ولم يلق همّه على الآخرين، بل تحمل كامل المسؤولية، ودفع الثمن كاملًا. فكأنه بدوره هذا يُطبق جانبًا من وصية بولس لتلميذه تيموثاوس ولكل واحد منا "وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضًا" (2تيموثاوس2: 2)، وكأن مدح الرّبّ "نعمًا أيها العبد الصالح والأمين. كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير. أدخل إلى فرح سيدك" (متى 25: 21 و23)، وإن أصاب صاحب الفندق نسبيًا، فهو بكل ما فيه من مضمون يصُبّ في نصيب هذا السامريّ. فهذا السامريّ كان راعيًا أمينًا مُخلصًا لأخيه الإنسان المحتاج، وأقام وصية الرسول بطرس في رعايته لهذا الشخص الذي جعله الرّبّ أمامه وتحت مسؤوليته "إرعوا رعية الله التي بينكم نظارًا، لا عن اضطرار بل بالاختيار، ولا لربح قبيح بل بنشاط، ولا كمن يسود على الأنصبة، بل صائرين أمثلة للرعية. ومتى ظهر رئيس الرعاة تنالون اكليل المجد الذي لا يبلى" (1 بطرس 5: 2-4).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا