كل انسان منا له فكره الخاص به، شخصيته ومعتقداته وأمور كثيرة يحبها ويرغبها، واخرى يبغضها وينفر منها.

كلنا نعلم انه ليس احد منا كامل لا بأفكاره، رغباته ولا بأعماله، وجميعنا مهما حاولنا ان لا نفشل ونخطىء في تقييم أمورنا الشخصية، لكننا ندرك ضعفنا واحتياجنا لمعونة وارشاد الاخرين، اشخاص نثق بهم ونتكل عليهم، ونعلم أنهم سبب بركة لنا ويريدون الخير لنا.

عندما نتكلم عن الله ليس الأمر كذلك، لان الله كلي القدرة والمعرفة، هو خالق السماء والأرض، وهو صاحب السلطان على كل مجريات الحياة، ولا مشير له، وكما ان لكل انسان فكره الخاص به ورغبات شخصية، كذلك يمكن لنا القول ان الله يملك الفكر الطاهر والمقدس، انه لا يخطىء ابدًا في تقييم الأمور، لا امور الكون بكامله ولا حتى تفاصيل حياة كل واحد منا.

تكلم انبياء العهد القديم والجديد في الكتاب المقدس، مسوقين من الروح القدس، عن الله بمجده وعظمته، عن محبته وقداسته، عن افكاره التي هي سلام لشعبه كما تنبأ لنا ارميا النبي.

ولكي نعرف فكر الله لنا، علينا ان نقرأ بل ان نتأمل، ندرس ونلهج بكلمة الرب التي هي الكتاب المقدس، وهذا الأمر هو وصية إلهية كما اوصى الرب عبده يشوع ان لا يبرح سفر الشريعة من فمه، بل أوصاه ان يلهج فيه نهارًا وليلًا، لكي يتحفظ للعمل حسب كل ما هو مكتوب في الشريعة.

ربما يقول احد انه علينا ان نركز على عمل النعمة، محبة الله لنا اجمع، والفداء العظيم الذي وهبنا الله بعمل يسوع المسيح الكفاري على عود الصليب، موته وقيامته من بين الأموات في اليوم الثالث.

بكل تأكيد علينا ان نمسك بنعمة الله ومحبته لنا من كل قلوبنا، وكما يقول كاتب رسالة العبرانيين انه حسن ان يثبت القلب بالنعمة، لانه من دون نعمة الله وعمل يسوع الكفاري فان كل شيء باطل!

ولكن علينا جميعًا ان ندرك اهمية معرفة وصية الله الصالحة لنا، والتي اعلنها لنا بكتابه المقدس بعهديه، وكما قال الرسول بولس ان الوصية صالحة ومقدسة، علينا ان نعرف وبعمق كلمة الله المقدسة، ان كان من خلال دراسة الكتاب المقدس بشكل شخصي وبارشاد روح الرب، كذلك من خلال الوعظ والتعليم على فم خدام الرب، قراءة ودراسة كتب روحية من مصدر موثوق منه، وان لا نقبل كل روح تعليم يناقض تعليم الكتاب المقدس الذي هو حسب التقوى اي رحمة الله.

لا شك عندنا ان كلمة الله هي الكتاب المقدس لا غير، لان الله واحد، كذلك كتابه واحد وكلمته واحدة، وفكره هو هو لا يتغير منذ الأزل الى الأبد، والذي اعلن لنا هذا وبكل يقين هو ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، بحياته على الارض قبل تعاليمه، محبته، مجده وكماله، عندما تكلم هو في الاناجيل او على فم رسله وخدامه، وما يؤكد لنا الامر ايضًا هو انسجام العهد القديم بنبواته عن حياة المسيح، وما تحقق في حياته بما نقرأه في الاناجيل المقدسة.

ولكن هل كل شيء كُتِب في الكتاب المقدس هو صالح؟ هل كل احداث الكتاب المقدس هي فكر ورغبة الله؟

نقول بالطبع لا، لانه حاشا لله ان يقبل بالقتل والزنى والسرقة والظلم، حتى من اعظم الانبياء مثل الملك داود، الذي ارسل له الله النبي ناثان لكي يوبخه على خطية الزنى والقتل، ونعلم ان الملك داود تاب من كل قلبه وكتب مزموره الشهير المزمور 51.

هذه الأحداث كتبت لكي نتعلم نحن ان الله لا يتساهل مع الخطية، ولكي تكون عبرة لنا جميعًا وان نعرف أنه لا ايمان حقيقي ولا خلاص إلا من خلال التوبة من كل القلب، لذلك نقرأ مثلًا في خروج اصحاح 20 عن الوصايا العشر، وهي اساس وصية الله وتعليمه المقدس لكل انسان باحث عن الحق، ليس ان الله اعطى هذه الوصايا لكي نحياها بقوانا البشرية، لان الجميع اخطؤوا واعوزهم مجد الله، وفي مقالات قادمة سوف نتأمل في غاية الناموس؟ ولماذا اعطى الله الناموس لشعب اسرائيل في العهد القديم، ولنا في عهد النعمة؟ ونختم في مقال بعنوان " ناموس النعمة ". في هذا المقال سوف نكتشف ان كل الناموس صالح، وان الله هو الذي امر بكتابة الناموس، كما نقرأ في تثنية 8:27، "وتكتب على الحجارة جميع كلمات هذا الناموس نقشًا جيدًا".

وفي سفر المزامير نقرأ في المزمور الاول عن الرجل الذي مسرته في ناموس الرب، وفي ناموسه يلهج نهارًا وليلًا، كما يقول الكتاب، طوبى لذلك الرجل الذي يعرف فكر الرب وكلمته، بل قبل كل شيء يحياها ايضًا. كذلك في المزمور 7:19 نقرأ ان ناموس الرب كامل يرد النفس، شهادات الرب صادقة تُصَيِّر الجاهل حكيمًا.

ربما يقول أحد ان هذا الكلام مكتوب في العهد القديم، ونحن اليوم في عهد النعمة، فما لنا والناموس والانبياء والعهد القديم؟ انه ليس لنا!

لنقرأ في متى 17:5 ما قال يسوع في موعظته على الجبل، "لا تظنوا اني جئت لانقض الناموس أو الانبياء، ما جئت لانقض بل لاكمل. فاني الحق اقول لكم، الى ان تزول السماء والارض لا يزول حرف واحد او نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل".

وفي سفر اعمال الرسل 53:7 نقرأ كيف وبخ استفانوس الشعب اليهودي والكهنة على قساوة قلوبهم ورفضهم الاعمى ليسوع المسيح قائلًا : " الذين اخذتم الناموس بترتيب ملائكة ولم تحفظوه "، اي ان الناموس هو بمشيئه الله ( بترتيب ملائكة، اي خدام الله) ولكن الأمر الهام جدًا والخطير انهم لم يحفظوا الناموس!

كذلك بولس الرسول يؤكد على ذلك في كتاب اعمال الرسل 14:24، انه حسب الطريق الذي يقولون له "شيعة"، هكذا اعبد اله آبائي، مؤمنًا بكل ما هو مكتوب في الناموس والانبياء.

وفي اعمال الرسل 23:28 نرى ان بولس الرسول شرح لاهل روما، شاهدًا بملكوت الله، ومقنعًا اياهم من ناموس موسى والانبياء بأمر يسوع. وهذا يؤكد ان موسى والانبياء تنبؤوا عن يسوع المسيح، وهذا هو غاية الناموس، اعلان يسوع المسيح المخلص، واعلان ملكوت الله.

في رسالة رومية ذكر الرسول بولس بإرشاد الروح القدس عن أهمية الناموس في حياة المؤمن. ففي الأصحاح الثاني نقرأ كيف وبخ بولس كل من يسمى يهوديًا، ويتكل على الناموس، ويفتخر بالله، ويعرف مشيئته. لكن بولس لم يكتفي فقط بمعرفة الناموس، كما كتب في عدد 20 انه لك صورة العلم والحق في الناموس، فانت اذا الذي تعلم غيرك، الست تعلم نفسك؟ ويتابع الكلام عن السرقة والزنى... بعدها يوضح في عدد 29 ان الختان الحقيقي هو ختان القلب بالروح، لا بالكتاب هو الختان، اي انه ليس فقط معرفة الكتب المقدسة بل تغيير جذري وحقيقي في اعماق القلب.

يتابع بولس في رومية الاصحاح الثالث كلامه عن الناموس والايمان متسائلًا : "أفنبطل الناموس بالايمان ؟ حاشا ! بل نُثَبِّت الناموس". وفي الأصحاح السابع يؤكد الرسول على اهمية الناموس في حياتنا، فيقول هل الناموس خطية ؟ حاشا ! بل لم اعرف الخطية الا بالناموس. فإنني لم اعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته.

يتابع بعدها ان الناموس مقدس، والوصية مقدسة وعادلة وصالحة (رومية 12:7). واننا نعلم ان الناموس روحي، وان كنت افعل ما لست اريده (أي الخطية) فإني اصادق الناموس انه حسنٌ.

نعم اخوتي، ليكن عندنا هذا اليقين في قلوبنا ان الله يحبنا، والذي يحبنا بذل لنا ابنه الوحيد لكي يخلصنا من خطايانا، وأعطانا كلمته المقدسة والناموس الصالح لكي نعرف الحق والحق يحررنا كما قال ربنا يسوع المسيح.

بنعمة الرب، في المقال القادم سوف نتأمل في غاية الناموس، لماذا الناموس؟

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا