الخادم الناجح في الكنيسة (1)

تكبير الخط نص تكبير الخط

سنقدم من خلال هذه السلسلة دراسة عملية من واقع رسالة يوحنا الثالثة، الكثير من القيم، أسس الأداء، مخاطر الخدمة وأسلوب التوجيه الكنسي.

أولا اشكر الرب يسوع المسيح على هذه الخدمة المباركة التي ستتيح لي مشاركة اخوتي في جسد المسيح وأن أتعلم من خلال مشاركاتهم وتعليقاتهم؛ وأن أطل عليهم بأفكار اتطلع لأن تكون ذات إثر روحي عملي في حياتنا سوية.

من خلال هذه النافذة المباركة سنطلع سوية على فكر الكتاب نحو التدبير والإدارة، سواء كان ذلك في حياة الأفراد أم الخدام. أيضًا سنكوِّن بنعمة الرب فكر واضح حول مقاصد الله في التدبير والإدارة، في الكتاب المقدس. والنهج الذي وضعه بين ايدينا لأجل تحقيق هذه المقاصد وعلاقتها بملكوت الله. وسواء كنت خادما متفرغًا أم خادمًا للرب في الحياة المهنية العلمانية؛ أو كنت ما زلت تبحث وتصلي لأجل موهبتك الروحية، فلا بد أن تتيقن أنه مهما كانت طبيعة عملك او خدمتك او حجم المهام والمسؤوليات، فإن لدى الله خطة عظيمة لاستخدامك. سواء في حياة الاخوة المؤمنين أو في حياة اخوتك بالخليقة، وأنك لست فقط مجرد انسان يبحث عن ضرورات الحياة اليومية. لذا سوف نذهب سوية في رحلة نستعرض من خلالها، أعماق فكر الله وارادته حول طريقة ادارة حياتنا سواء الشخصية والمهنية أو في الخدمة.
سوف نبدأ معا في هذه الرحلة من خلال رسالة يوحنا الثالثة التي تعتبر من أقصر أسفار الكتاب المقدس. حيث ستتناول هذه السلسلة الخادم الناجح من عدة جوانب: ما هو النجاح المسيحي؟ القيم الأساسية للنجاح المسيحي؟ أسس الخادم الناجح؟ المخاطر الواجب تجنبها؟ وأسلوب القيادة الكنسية؟ وذلك بحسب رسالة يوحنا الثالثة واعتمادًا على القديس غايس كحالة عملية.

تبدو رسالة يوحنا الحبيب الثالثة للوهلة الأولى بمثابة بطاقة شخصية تعالج أمر بين غايس ويوحنا الرسول. إلا أنها تتعلق بموضوع في غاية الأهمية ألا وهو خدمة الضيافة (حيث من الممكن تصنيفها أنها خدمة لوجستية أو إحدى الخدمات المساندة). وقد كان لها الأثر الأكبر في تفعيل وتعزيز الخدمة في كنائس آسيا الصغرى، من خلال الدعم اللوجستي للخدام المتجولين في الكنيسة. ولا نستطيع أن نجزم على وجه التحديد إن كان هؤلاء الخدام المتجولين هم رعاة أم مبشرين أم معلمين. ولكن ما نستطيع أن نجزم به، هو أن الاحتياج لهم كان واقعا فعليا؛ وإلا لماذا يحتاجون أن يتحملوا مشقات السفر، وبعدهم عن بيئتهم التي يعرفونها، ومصادر دخلهم التقليدية. أيضا نستطيع الجزم أن المسيحية لم تكن متجذرة، بدليل أن الموارد المالية لم تكن تكفي؛ مما يجعل معاونة غايس معاونة ذات أهمية لمواجهة دعوات للتعليم الكاذب مثل دعوات الغنوسيين.
في ظل هذه الظروف كتب يوحنا الحبيب ليشجع ويستنهض همم الخدام؛ فيشجع زميله المحبوب غايس في خدمة ضيافة الرسل المتجولين. بهدف إعطاء الزخم لهذه الخدمات، وأن يكون بمثابة نموذج قيادي عن كيفية تفعيل الحاضنة اللوجستية للمرسلين. ويبدو أن يوحنا كان ينظر للكنائس في أفسس كنقاط لانطلاق الكرازة والتعليم في آسيا الصغرى وقد حذر بصورة غير مباشرة من شخص يدعى ديوتريفس، وأدان تصرفاته التي كانت ترتكز على تمجيد ذاته حيث كان قائداً ديكتاتورياً، وكانت تصرفاته تتعارض بصورة مباشرة مع كل ما يعلمه الرب في إنجيله. مشجعا غايس من خلال لفت نظره إلى أخيه ديمتريوس لكونه قدوة يحتذى بها بشهادة الجميع.

الآن اسمحوا لنا قبل أن نتطرق للموضوع بشكل مباشر أن نضع أطرًا تجعلنا على إدراك لخصوصية هذه الرسالة.

شخصية يوحنا الحبيب كاتب الرسالة:

هو ابن زبدي من بيت صيدا في الجليل. دعاه يسوع مع أخيه يعقوب ليكونا من تلاميذه (متى 4: 21 واعمال 12: 1-2). ويبدو أنه كان ينحدر من أسرة على جانب من الغنى لأن أباه كان يملك عددًا من الخدم المأجورين (مرقس 1: 20). إلا أن مستوى حياة أسرته لم تفسده في الدلال المادي حيث نراه قد اتخذ مهنة الصيد حرفة. لأن عادات اليهود كانت تقضي على أولاد الأشراف أن يتعلموا حرفة ما.
ورغم مستواه المادي وحرفته كصياد سمك، وشركته مع كل من أخوه وسمعان في الصيد (لوقا 5: 10)؛ كان ليوحنا اهتمامات روحية مبكرة تمثلت باتباع يوحنا المعمدان، ومن ثم أن يكون من تلاميذ المسيح الأولين (مرقس 1: 19 ومتى 4: 21-22)؛ وربما هذا ما أهله للتطرق للنجاح المسيحي في رسالته.
والدته كانت شريكة النساء اللواتي اشترين الحنوط الكثير الثمن، لتكفين جسد يسوع. وكانت على الأرجح أخت مريم أم يسوع (يوحنا 19: 25).
لقد كان يوحنا وأخوه، حادّي الطبع سريعيّ الانفعال (مرقس 9: 38 ولوقا 9: 52 - 56). فلقبهما يسوع "بوانرجس" أي "ابني الرعد" (مرقس 3: 17). ونرى أن هذه الحدة توجهت فيما بعد، بالاتجاه الصحيح؛ فنرى يوحنا يقف في وجه التعاليم الكاذبة ومعلميها ويُواجههم بوضوح قاطع وصارم، داعيًا لمقاطعتهم.
كان هو واخوه طموحين نزَّاعين إلى العظمة والمجد، إلا أن هذه النزعة تلاشت فيهما فيما بعد، وأصبحا على استعداد لمجابهة الموت في سبيل المسيح وإنجيله (مرقس 10: 35-40 ومتى 20: 20 -23). ونرى هنا كيف أنهما عندما تخليا عن عظمة الأرض، حلت بركة السماء على يوحنا، ليدعا بالحبيب ويكون من مؤسسي الكنيسة الأولى؛ وربما لهذا كان واعيا بمخاطر خطية السعي ليكون الأول على الجميع!

وفي قائمة الرسل يتم ذكر يوحنا دائمًا بين الأربعة الأولين (متى 10: 2 ومرقس 3: 14 -17 ولوقا 6: 13 و14). وكان أحد الرسل الثلاثة، الذين اصطفاهم يسوع ليكونوا رفقاءه الخصوصيين، وهم بطرس ويعقوب ويوحنا. فهؤلاء وحدهم سمح لهم أن يعاينوا إقامة ابنة يايرس (مرقس 9: 2 ولوقا 8: 51)؛ والتجلي (متى 17: 1 ومرقس 9: 2 ولوقا 9: 28)؛ وجهاده في جيثسيماني (متى 26: 37 ومرقس 14: 33). وقد وثق يسوع بيوحنا وأحبه بنوع خاص وذلك يظهر من تسميته له "بالتلميذ الحبيب". فهو وإن لم يذكر اسمه جهرا في البشارة الرابعة من البشائر فإنه يتبوَّأ مكانًا ساميًا فيها. وظل يوحنا أمينًا لسيده، ملازمًا له حتى النهاية. وفي الليلة التي أسلم فيها سيده، تبعه إلى دار رئيس الكهنة عن قرب؛ لا عن بعد، كما فعل بطرس. وعند الصليب ظل أمينًا، فأخذ من يسوع أجمل وديعة، إذ أوصاه بالعناية بأمه. وعندما قصد القبر الفارغ فجر يوم القيامة، كان أول من آمن بقيامة المسيح (يوحنا 20: 1-10). ولهذا دعي دون غيره بالتلميذ الحبيب.
نرى أنه خلال فترة خدمة الرب يسوع المسيح، كان يوحنا من الملاصقين للمسيح الذي هو الحق. وربما أن هذا كان السبب لاستخدام الروح القدس ليوحنا بطرح مفهوم الحق مرارًا وتكرارا، حتى اضحى الحق لديه حياة يسلك بها ورفيقا يسلك معه ويعيش فيه.

سيرته الذاتية في الخدمة

لقد كان يوحنا الحبيب من الزمرة القليلة التي وضعت حجر الأساس لاجتماع العلية بعد الصعود (أعمال 1: 13). وكان من شركاء الخدمة الفاعلين الأوائل مع بطرس؛ فنراه مرتين في الكتاب المقدس مع بطرس. المرة الأولى عندما صعد الاثنان إلى الهيكل، فشفيا الأعرج (أعمال 3: 1-4: 23). والمرة الثانية عندما قصدا السامرة لتفقد أحوال الكنيسة الناشئة التي كان يشرف عليها فيلبس هناك (أعمال 8: 14-17).

 وكذلك نعرف أن يوحنا كان أحد أعمدة الكنيسة في أورشليم إلى جانب يعقوب وبطرس، يوم زارها بولس على إثر رحلته التبشيرية الأولى، ويوم بدأت بوادر أول عاصفة من عواصف الاضطهاد تثور ضدها (أعمال 15: 6 وغلاطية 2: 9).
وهكذا نرى كيف أن يوحنا الرسول كان رجل الأوقات الصعبة ورجل البدايات، سواء أثناء خدمة يوحنا المعمدان أم خدمة يسوع المسيح على الأرض، أم خلال تأسيس الخدمة والكنيسة بعد الصعود.

الكنيسة التي وجهت لها الرسالة

أوجب نمو الكنيسة المتسارع في آسيا الصغرى، أن يكون هناك نوع من النظام الذي ينشر التعليم الصحيح بصورة متوازية ومتناسقة مع نمو الكنيسة. وبالأخص في ظل ظهور بوادر الغنوسية والهرطقات في القرن الأول، أصبح هناك ضرورة للتأكيد على خدمة مرسلين نظار لمراقبة الكنائس فيما إذا كانت تعاليمها متوافقة مع تعاليم الرسل. وبعد ظهور الحاجة لهم بشكل واضح، بدأ نظام الضيافة بالتطور، داخل البيوت لهم. تلك الخدمة اللوجستية التي كان لها أكبر دور في تسهيل مهمة المرسلين في ضوء ضعف إمكانياتهم المالية. فوضع على عاتق مؤسس الكنائس والاجتماعات الروحية، يوحنا الحبيب، أن يتصدى لهذه التحديات. فقدم توجيهًا لاهوتيًا ضد التعاليم الكاذبة؛ وفي ذات الوقت، قدم توجيهًا عمليًا للكنسية لترتيب قضية استقبال المرسلين، لمساندة الكنيسة وحمايتها من البدع والانتهاكات، ولتثبيت التعليم الصحيح.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
إذا أخذنا معنى النجاح كمصطلح إداري وتدبيري؛ يُعَّرف النجاح أنه القُدرة على الإنجاز وبلوغ الأهداف المرجُوّة بكفاءة وفاعليّة. ولكن، ماذا يعني أن يكون الخادم ناجحا؟
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader