إنجيل يوحنا 5: 1 - 18

يسوع يشفي مريض بيت حسدا

مفاتيح لفهم القصة:
عيد لليهود: على الأرجح هو عيد الفصح الذي كان فيه اليهود يصعدون إلى أورشليم للحجيج قادمين من كل حد وصوب لتقديم العبادة والسجود. يرجح آخرون انه عيد الخمسين (الأسابيع عند اليهود) حيث يمثل تذكار استلام الناموس، ويعللون ذلك أن الرب تكلم في هذه القصة عن مفهوم السبت واتهمهم أنهم لا يصدقون موسى وإلا لكانوا قد صدقوا الرب، لأن موسى تكلم عن الرب (ع 45 – 47). 

باب الضأن: على الأرجح سمي بهذا الاسم لأن الكهنة كانوا يغسلون غنم الذبائح ثم يأتون بها إلى الهيكل.

بركة: تشير إلى المعمودية حيث يتمتع المؤمنون بالولادة الجديدة والشفاء من الخطية.

"بيت حسدا": أي "بيت الرحمة"، وقد سميت كذلك بسبب مراحم الله التي كانت تتجلى بشفاء من ينزل في الماء بعد تحريكه.

لها خمسة أروقه: تشير الخمسة أروقه إلى أسفار موسى الخمسة – أحكام الناموس. 

جمهور كثير من مرضى وعمي وعرج وعسم: الأعسم هو يابس المفصل الأسفل للرجل، أي المفصل بين كف الرجل والرجل. هذا الجمهور يمثل الناس الذين يرزحون تحت أحكام الناموس – الخمسة أروقه، وتجمّعهم حول البركة يكشف عيوبهم ومرضهم وضعفهم، بالضبط كما يكشف الناموس عجزي وضعفي ومرضي، وبولس الرسول تحدث كثيرا عن هذا الأمر في رسالته إلى أهل روميه، مثلا:

رو 7: 9 أما أنا فكنت بدون الناموس عائشا قبلا. ولكن لما جاءت الوصية عاشت الخطية فمت أنا.

اذن فالناموس يكشف ضعفي وعجزي أمام الملأ، ولكنه لا يستطيع أن ينزعه الخطية كما لم تستطع الأروقة شفاء المرضى الداخلين إليها.

يقول الرسول بولس في روميه: "واما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية. ولكن حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدا." (5: 20)، وفي روميه 4: 15 يقول: "إذ حيث ليس ناموس ليس أيضا تعد".

من هنا فقبل الناموس يمكن أن نقول إن الإنسان خاطئ ولكن ليس متعد، وأما بعد الناموس فهو خاطئ ومتعد، ولذلك بعد الناموس أضيف التعدي، ومن هنا يقول بولس: "كثرت الخطية".

يتوقعون تحريك الماء: يشير الى آلام المسيح حيث ثارت الجموع عليه. كما وان المياه المتحركة هي المياه الجارية الحية، كمياه المعمودية التي يعمل الروح القدس فيها فنحصل على الولادة الجديدة، كما قال الرب لنيقوديموس في يوحنا 3: 5:

"أجاب يسوع: «الحق الحق أقول لك: إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله."

لأن ملاكا كان ينزل أحيانا في البركة ويحرك الماء: الملاك النازل من السماء يشير إلى كلمة الله المتجسد، الطبيب السماوي الشافي، أو الروح القدس الذي أعطانا الله ليسكن فينا ويحيينا.

شفاء شخص واحد فقط بعد تحريك الماء: قد يشير إلى الكنيسة الواحدة التي تتمتع بالخلاص والشفاء من الخطية. يشير إلى الوحدة في المسيح.

الماء الذي في البركة: يشير إلى الشعب اليهودي الذي كان محاطا بالناموس وأحكام الناموس كما أحاطت الأروقة الخمسة الماء.

الناس الذين هم خارج البركة هم المتكبرون الذين يرفضون معاملات الله وينكرون قوته للشفاء والخلاص من الخطية.

نزول الملاك إلى الماء لتحريكه: يقول بعض المفسرين أن هذا الملاك لم يكن ينزل يوميا بل في مواسم معينه وخاصة في الأعياد، وهذا العمل هو بمثابة إحسان ورحمه من قبل الله ليؤكد للشعب أنهم وإن كانوا قد حُرموا من الأنبياء وعمل المعجزات فإن الله مهتم بشعبه وهو لا ينساه.

قوله "كان ينزل" من كلمة Katebainen تشير إلى الماضي، بمعنى أن هذا النزول كان قد توقف عند كتابة السفر، بينما البركة كانت ما زالت قائمه في أيام كتابة السفر، ولكن من الواضح كما يبدو من كتابات يوسيفوس وفيلون وغيرهما أن هذا العمل لم يبق إلى أمد طويل ولم يكن قائما في زمن كتابة السفر. 

من الواضح أن الشفاء كان يتم فقط بفعل تحريك المياه من قبل ملاك الرب، وليس بالماء لوحدها، هكذا الحال في لحظة الخلاص الذي يتم بنزول - سكنى الروح القدس في حياتنا، وذلك بالإيمان، كما كان المرضى يأتون بإيمان إلى البركة ليشفوا. خروج المريض من المياه هو الإعلان أنه شفي، وهذه هي المعمودية: إعلان الإيمان. 

فمن نزل اولا بعد تحريك الماء كان يبرا من أي مرض اعتراه: في لحظة الشفاء / الخلاص الله كفيل أن يغفر كل خطيه في حياتنا، مهما كانت.

مريض بيت حسدا: قضى هذا المريض أكثر من نصف عمره في البركة بانتظار الشفاء، وهكذا الحال في كل من تعلق بأحكام الناموس، قضوا سنين طويلة رازحين تحت قوانين لم يستطيعوا تحقيقها بسبب الخطية. 

هو علم وآمن يقينا انه إذا نزل إلى الماء مباشرة بعد تحريكه فسوف يبرأ، ولكنه لم يستطع فعل ذلك، كذلك الذين آمنوا بالناموس وشريعة موسى، أدركوا أن فيها الخلاص ولكن لم يقدروا على تحقيقها، وهذا ينطبق مع قول بولس الرسول: "لأن الإرادة حاضرة عندي، وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد" (رومية 7: 18).

يسوع يأتي بالذات إلى هذا المريض، لا نعلم بالضبط لماذا اختار هذا المريض بالذات، ولكن الرب فاحص القلوب والكلى ويعلم ما في داخل الإنسان. قد يكون السبب هو أن له زمانا كثيرا في الانتظار (عدد 6)، ويبدو أن هذا المريض كان إنسانا تقيا، فهو ينتظر بصبر طول هذه السنين، وكذلك نفهم من جوابه للرب، فهو جواب يخلو من التذمر ومملوء بالاحترام واللطف للرب يسوع، مع أن هذا المريض كان أكبر سنا من الرب، فيدعوه: "يا سيد". نقرأ كذلك في سياق القصة أن الرب وجد المريض الذي شفاه في الهيكل، إشارة إلى أن هذا الإنسان يحب الله ويتبع أحكامه، وهناك يتعرف على الرب ويختبره بشكل شخصي.
لم يفقد هذا المريض الأمل، بل انتظر وانتظر وانتظر حتى أتاه الرب بذاته، وهذا يعلمنا انه ينبغي أن ننتظر الرب دون يأس، كما يقول صاحب المزمور: "انتظارا انتظرت الرب فمال إلي وسمع صراخي" (مزمور 40: 1)، ينبغي أن نصلي كل حين ولا نملّ كما علمنا الرب في قصة قاضي الظلم (لوقا 18: 1) ونؤمن أنه لا بد أن يأتي اليوم الذي فيه يستجيب الرب لصلواتنا التي هي بحسب مشيئته (كما يقول في حبقوق 2: 3 – "إن توانت فانتظرها لأنها ستأتي إتيانا ولا تتأخر". 

يسوع يبرئ المريض: بعد أن يعطي المريض جوابا فيه شوق لأن يشفى، يطلب منه الرب أن يقوم ويحمل سريره ويمشي، والمريض بدوره آمن وأطاع، فحالا برئ، حمل سريره ومشى، ونقرا بعد ذلك أن يسوع اعتزل، "إذ كان في الموضع جمع" (عدد 13) ربما لئلا ينهال عليه جمهور المرضى للشفاء. يسوع يشفي مريضا واحدا من بين كثيرين في المكان لأنه مهتم بخلاص النفس أكثر من شفاء الجسد، على أمل أن تكون حادثة شفاء هذا المريض سببا لخلاص كثيرين، فيسوع أكّد لليهود أن "الأعمال التي أنا أعملها باسم أبي هي تشهد لي" (يوحنا 10: 25)، وكذلك عندما قال: "صدقوني أني في الآب والآب فيّ، وإلا فصدقوني لأجل الأعمال نفسها" (يوحنا 14: 11).
عندما يتقابل الرب مع المريض الذي شفاه يوصيه بأمر في غاية من الأهمية: "ها أنت قد برئت، فلا تخطئ أيضا، لئلا يكون لك أشرّ" (عدد 14)، وهذا يشير إلى العلاقة الطردية ما بين الخطية والشر، فممارسة الخطية دون التوبة عنها تأتي بالشر على حياتنا، والشر قد يكون مرض، مصائب، عدم بركة، تعاسة، اكتئاب، جهل روحي وما إلى ذلك (ولا نقول إن كل مرض مصدره خطية، مثال – قصة المولود الأعمى التي وردت في يوحنا 9: 1-3). 

الشفاء في يوم السبت: غضب اليهود على يسوع لأنه شفى المريض في يوم السبت، ليس لأنهم غيورون على كلمة الله بل لأنهم حسدوا الرب، وكان هذا بمثابة حجة لمهاجمة الرب، كيف لا وهم أسلموا الرب حسدا (متى 27: 18). الرب يجيبهم قائلا: "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (عدد 17)، أي يقول لهم إن مفهوم الراحة عند الله يختلف عن مفهومهم، فعند الله الراحة هي ليست "عدم العمل" في السبت، فيسوع يقول صريحا إنه، هو والآب، ما زالا يعملان "حتى الآن"، بل هي الراحة الأبدية مع الرب، كما يقول الوحي لكاتب العبرانيين بلسان الله عن شعب إسرائيل: "حتى أقسمت في غضبي لن يدخلوا راحتي" (عب 3: 11). يسوع يؤكد لليهود في مكان آخر بأن: "السبت إنما جُعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت، إذا ابن الإنسان هو رب السبت أيضا" (مر 2: 27)، أي أن السبت عُمل لأجل راحة الإنسان وليس كي يتحول إلى أحكام ناموسية شكلت تعبا وإرهاقا للناس، وبالتالي أساءوا فهم هدف السبت، لغاية يومنا هذا.

تلخيص: هذه القصة - "بركة بيت حسدا"، من اسمها: بركة بيت الرحمة، تؤكد لنا مقدار رحمة الله للبشر، فبالرغم من خطيّتنا وشرّنا وبعدنا عن الله، إلا أن الرب، برحمته الجزيلة، خلصنا من لعنة الناموس والحكم علينا بالموت بسبب خطيتنا بموته الكفاري على الصليب، فيقول في غلاطية 3: 13 – "المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا، لأنه مكتوب: ملعون كل من علق على خشبة".

إن هذه البركة قدمت حلا جزئيا ومؤقتا للمرضى على أنواعهم، أما الرب يسوع فبرحمته الكثيرة قدم لنا ذبيحة نفسه كحل جذري ودائم لخطايانا التي هي مصدر كل شقاء وألم ووجع، وبالتالي فتح الرب باب الخلاص لكل إنسان على وجه البسيطة. عند الرب لا يوجد حاجة للانتظار والعيش في وجعنا وخطيتنا، بل كما يقول في رو 10: 8: "الكلمة قريبة منك، في فمك وفي قلبك، أي كلمة الإيمان التي نكرز بها"، ويؤكد بولس الرسول في 2 كو 6: 2 قائلا: "هوذا الآن وقت مقبول، هوذا الآن يوم خلاص".

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا