فضة يهوذا

كثيرا ما نتحدث عن خيانة يهوذا، أحد تلاميذ المسيح الإثني عشر، وهي فعلا خيانة ما بعدها خيانة، فهو الذي عاش مع المسيح وعاين عجائبه ومعجزاته، من شفاء الأبرص والأعمى والمفلوج وإشباع الآلاف بخمسة بقلة قليلة من الخبز والسمك، لغاية إقامة الموتى، كيف ملأ الشر قلبه وتجرّأ بكل وقاحة وخبث ومكر وضغينة وكل أنواع الشر أن يمد يده على مسيح الرب ويسلّم سيده لأيدي أثمة، وهو عالم أن المسيح بريء بل وبار، إذ شهد هو بنفسه على ذلك بعد أن أسلمه (متى 27: 4).

ليس ذلك فقط، بل يهوذا هو شاهدٌ لحياة المسيح ومحبته ولطفه وعدالته وعطائه وتواضعه وحكمته ومعرفته وفوق الكل عصمته عن الخطية، فلم يستطع أحد أن يُنسب له خطية أو زلة أو إثم بما فيهم يهوذا. لقد رأى يهوذا وأدرك كل ذلك، ولكن، للأسف، قد يكون أخطأ حقيقة كون المسيح أنه الله المتجسد الذي أتى لأرضنا كي يفديها ويعتقها من الخطية، لاسترداد حكم الشر الذي ساد بعد خطية الإنسان وتمرده على الله ولسيادة ملكوت الله على الأرض من جديد.

لقد كان يهوذا سارقا ولصا منذ بداية إتباعه للمسيح، وإذ كان أمينا للصندوق كان يحمل كل ما يلقى فيه، ويسوع عالم بذلك، لا بل عالم أن نهاية هذا الانحراف والشر هو تسليم الرب وخيانته. لقد اشتم المسيح رائحة الخيانة من بداية الطريق، وحاول مرارا تحذير يهوذا ورده عن شره ونواياه الخبيثة، للأسف دون جدوى (متى 10 :4، مرقس 3: 19، يوحنا 6: 70، 71).

آخر تحذير ليهوذا كان في العشاء الأخير، عندما قال الرب للتلاميذ علانية إن واحدا منهم سيسلمه (يوحنا 13: 21)، وكان من المفروض أن هذا الأمر يردع يهوذا ويوقظه من شره، ولكن بعد أن غمس الرب اللقمة وأعطاها ليهوذا، كوسيلة أخيرة لإكرامه وتطرية قلبه ورده عن شره، وهكذا كانت العادة في ذلك الحين، بيد أنها عملت مفعولا معاكسا كاشفة الشر الذي ابتغاه هذا الإنسان، فدخل الشيطان في قلب يهوذا لإتمام الخيانة التي كانت تجول في رأسه (يوحنا 13: 22 – 29).

للأسف، لقد تملّك الشر قلب يهوذا وأعمى عينيه عن رؤية حقيقة من هو المسيح، وبالتالي ابتلعته محبة المال الشريرة التي قال عنها الكتاب "أصل لكل الشرور" (1 تيموثاوس 6: 10)، فذهب برجليه إلى النار قاصدا رؤساء كهنة اليهود واتفق معهم أن يسلمهم الرب بثلاثين من الفضة، هو المبلغ الذي عرضه رؤساء الكهنة على يهوذا (متى 26: 15)، وكان مبلغا باخسا بثمن بيع عبد كديّة إذا نطحه ثور وقتله كما هو وارد في سفر الخروج، إصحاح 21 الآية 32، إذ يقول: "إن نطح الثور عبدا أو أمة يعطي سيده ثلاثين شاقل فضة والثور يُرجم"، دليل على أن الرب بيع كعبد، كيف لا وهو الذي "أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس" (فيلبي 2: 7).

قمة المأساة في قصة خيانة يهوذا هي عندما التقى الأخير بيسوع في بستان جثسيماني، مصحوبا بجمع من الجنود، كي يدلهم على يسوع، وكانت العلامة التي اتُّفق عليها هي تقبيل يسوع، وعندما فعل يهوذا ذلك نظر إليه الرب وقال: "يا يهوذا أبقبلة تسلم ابن الإنسان ؟!" (لوقا 22: 48)، فالقبلة كانت علامة السلام بين الناس في ذلك الوقت، ولكن استخدمها يهوذا كعلامة "تسليم" للرب، وكأن الرب يسأل يهوذا ليس فقط بالنسبة للقبلة، إنما لكثير من الخيانات والمكر الذي مارسه يهوذا على طول مسيرة المسيح على الأرض، ولكن يا لعمق غنى المسيح ولطفه وإمهاله، فالمسيح لم يدينه أو يطرده أو يحكم عليه أو حتى يحكي عنه بالسوء أو النميمة، بل تعامل معه بالرفق واللطف والمحبة والنعمة والغفران والتحذير ومحاولات الردع عن الشر على مدار ثلاث سنين ونصف، بينما ضرب يهوذا بكل هذه المحاولات عرض الحائط، وهكذا خسر حياته الزمنية والأبدية.

إن يهوذا هو بمثابة عبرة لمن اعتبر لكل واحد فينا، كي "نتنبه اكثر الى ما سمعنا لئلا نفوته، 2 لانه ان كانت الكلمة التي تكلم بها ملائكة قد صارت ثابتة، وكل تعد ومعصية نال مجازاة عادلة، 3 فكيف ننجو نحن ان اهملنا خلاصا هذا مقداره؟" (عبرانيين 2: 1 – 3)، ويهوذا هو من الذين أهملوا هذا الخلاص وكانت النتيجة تسليم المسيح للموت.

لا بد من التنويه والتحذير لعبرة أخرى من قصة خيانة يهوذا، لا تقل أهمية عن المذكورة، وهي عدم استخدام الأقداس في سبيل مصالح شخصية ككسب المال والانفاق في الشهوات الجسدية، على حساب كلمة الله واتباع المسيح !!! يا لها من مأساة أن نرى منتفعين من هذا النوع، الذين يظهرون للناس أنهم تابعين للمسيح بل من نواة أتباعه كالتلاميذ، ولكن في قلبهم تكمن خيانة لا يراها إلا الرب، كاشف نوايا القلب ومكنوناته، فاحص الكلى والعالم بالأسرار، الذي لا يفتأ بالتحذير مرارا وتكرارا كي يرد أولئك عن شرهم، والخطر كل الخطر أن يستهين أولئك بلطف الله وإمهاله وطول أناته، "غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة" كما فعل مع يهوذا (رومية 2: 4).

ليت الرب يحمينا جميعا من "الخيانة"، كي نكون أناسا حاملين مشعل الإيمان والحق دون مصالح شخصية أو مآرب مالية أو مادية، وتكون قلوبنا خالية من محبة المال في مسيرة اتباع المسيح بطهارة ونقاوة قلب على حساب نعمة موت المسيح وقيامته المجيدة، فهو يستحق أن نتبعه لأجل شخصه وعمله وفدائه بمحبته من قلب طاهر بشدة.

المسيح قام حقا قام.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا