قد يكون عنوان المقالة غريبا لدى البعض وخصوصا ان المسيحيين في اسرائيل والعرب بشكل عام يعيشون برفاهية اذا ما تمت مقارنتهم مع مواطني الدول العربية المجاورة، مثل الأردن ومصر والسعودية ولبنان، طبعا سوريا غير قابلة للمقارنة بعد حربها الطويلة المستمرة منذ 4 سنوات ضد الارهابيين بعباءتهم الدينية.

ان الاضطهاد الذي لحق بالمسيحيين الاقباط في مصر، والمسيحيين الاشوريين والسريان والكلدان، وغيرهم من المسيحيين في سوريا والعراق على ايدي المسلمين من المذهب السنّي في السنوات الأخيرة، قسَم المسيحيين في اسرائيل الى معسكرين على الأقل، بحيث ينظر كل معسكر الى الجماعة الاخرى على انها غير مدركة للاخطار التي تحدق بالمسيحيين ووجودهم التاريخي في الاراضي المقدسة وقد تعتبرها جماعة خائنة للقضية... القضية التي يختلفون على تعريفها وأولوياتها.

وقد ساهمت المنظمات الارهابية في انقسام المسيحيين العرب واختلافهم في تعريف قضيتهم وتحديد أولوياتهم، وخصوصا ان المنظمات المعترف بها عالميا كمنظمات ارهابية والتي تُلاحق المسيحيين وتستهدفهم في كل مناطق الصراع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هي بغالبيتها العظمى منظمات تتبع المذهب السنّي، وهو المذهب الذي يتبعه غالبية المواطنين المسلمين العرب في اسرائيل، ومن هذه المنظمات السنيّة: تنظيم الدولة الإسلامية (داعـش)، تنظيم القاعدة، جبهة النصرة، بيت المقدس، الاخوان المسلمون، بوكو حـرام، أنصار الشريعة، طالبان، الهجرة والتكفير، حركة الشباب الصومالية، أنصار السنّة، جيش الاسلام وغيرهم...

ومع بروز الحركة الاسلامية في الشمال الاسرائيلي ونشاطها كحركة دينية اسلامية مؤيدة للخلافة الاسلامية وعاصمتها القدس، زاد من تحديات المسيحيين الوطنيين وقبولهم وسط المجتمع المسيحي.

المسيحيون في اسرائيل بين القضية الفلسطينية والاندماج في المجتمع الاسرائيلي
المسيحيون في اسرائيل بين القضية الفلسطينية والاندماج في المجتمع الاسرائيلي
 

ويحاول المسيحيون الوطنيون استقطاب المجتمع العربي عامة والمسيحي خاصة للتأثير في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، ويعتبرون القضية الفلسطينية وشعبها العربي من اولويات قضيتهم، فيطالبون بالحق والعدالة للشعب الفلسطيني المقهور في اسرائيل وفلسطين، من مسيحيين ومسلمين، وبعودة الفلسطينيين المهجرين الى اراضيهم التي هجروها عام 1948. وعلى رغم كونهم مواطنين لهم حقوق المواطنة وحاملين للجنسية الاسرائيلية، فانهم يصرون على تسمية انفسهم بالفلسطينيين، ليس من باب الجنسية لانهم يحملون الجنسية الاسرائيلية ومعتبرين على اسرائيل في سفرهم الى الخارج، وليس في خانة الديانة لانهم مسيحيون، وليس في خانة القومية لان قوميتهم هي القومية العربية، هم فلسطينيون بحسب تعريف الميثاق الوطني الفلسطيني.

وكان "الميثاق الوطني الفلسطيني" قد كُتب على يد منظمة التحرير الفلسطينية في تموز 1968، وجاء فيه تعريف الشعب الفلسطيني في المادة الخامسة:  "الفلسطينيون هم المواطنون العرب الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى عام 1947 سواء من أخرج منها أو بقي فيها، وكل من ولد لأب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين أو خارجها هو فلسطيني".

من جهة اخرى برزت في السنوات الاخيرة توجهات جديدة بين الشباب المسيحي، وخصوصا في قرى الجليل ومدنه والساحل، الذين يطالبون بالاندماج في المجتمع الاسرائيلي والمشاركة في الحقوق والواجبات، مؤكدين ان اسرائيل هي الدولة الاكثر أمانا للاقليات في الشرق الاوسط، آخذين دروسا من مصير المسيحيين المشرقيين في الدول العربية، هؤلاء يصرون على كونهم اسرائيليين لانهم ولدوا في اسرائيل ويحملون جنسيتها، لا يعترفون بالميثاق الوطني الفلسطيني ويعتبرون القضية الفلسطينية قضية اسلامية بحتة، ويعتقدون أن مصير المسيحيين فيها الذين لا يتعدون 1% لن يكون مختلفا عن مصير مسيحيي العراق وسوريا، خاصة وان الشعار الفلسطيني متمثل بـ "مسجد قبة الصخرة"، والخطابات الاسلامية تزداد عدائية تجاه المسيحيين الساكنين وسطهم، والمظاهرات الفلسطينية لا تخلو من رايات "لا اله الا الله محمد رسول الله".

ويعتبر المسيحيون الوطنيون المسيحيين المطالبين بالاندماج في المجتمع الاسرائيلي "مسيحيين صهاينة" (خونة) يعملون على سلخ المسيحيين العرب عن مجتمعهم الفلسطيني، بينما يعتبر المسيحيون المطالبون بالاندماج المسيحيين الوطنيين بغير المبالين لهموم المجتمع المسيحي وتحدياته (خونة)، يهاجمون المعتدي الاسرائيلي على الفلسطينيين ويتجاهلون تهجم الاسلاميين في اسرائيل وفلسطين على المسيحيين في الناصرة والقدس وغزة والضفة الغربية.

يقدّر عدد المواطنين المسيحيين العرب في اسرائيل حوالي 129,422 نسمة بحسب احصائيات نهاية عام 2014، اي يشكلون حوالي 1.56% من تعداد السكان في اسرائيل. عددهم القليل وانقسامهم يجعلهم ضعفاء بالرغم من تحصيلهم العلمي العالي، وعدم اتحادهم معا يُضعف عودهم امام الاقليات الاخرى وامام الشعب الاسرائيلي الحاكم. " الخيط المثلوث لا ينقطع سريعا" (جامعة 4: 12).

بالاضافة الى هذين الاتجاهين البارزين، هناك مجموعة أخرى كبيرة نسبيا وهي حيادية، تفضّل عدم الدخول او التدخل في الامور السياسية لكي لا تُتّهم باطلا بالخيانة للقضية الفلسطينية او لمجتمعها المسيحي، أو انها فقط تريد الابتعاد عن السياسة لتتفضى لأمورها العائلية فقط. وهناك جماعة أخرى قليلة تفضل انتظار الوطن السماوي وعدم الدخول في صراعات أرضية، مؤمنين ان العدالة لن تتوفر قبل مجيء المسيح، لا من اليهود الحاكمين ولا من المسلمين اذا حكموا. 

كمسيحي، استطيع ان اقول اني تعلمت من المسيح المحبة لكل الناس، أُدرب نفسي على محبة المسلمين واليهود وحتى المسيحيين اقربائي، وأتذكر قول المسيح في الانجيل "كونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام" (متى 10:16)، وتعاليمه في حساب النفقة "ومن منكم وهو يريد ان يبني برجا لا يجلس اولا ويحسب النفقة هل عنده ما يلزم لكماله؟" (متى 14: 28). 

ومن هذا المنطلق أتساءل: هل حسب المسيحيون في اسرائيل النفقة؟ هل فكروا بالعوامل السلبية التي قد تحصل اذا تحققت رغبتهم فيما يصارعون من أجله؟ هل فكّر المسيحيون الوطنيون على سبيل المثال بسلامة المسيحيين في الضفة الغربية اذا حصلت فلسطين على استقلالها وسط ازدياد التطرف في المجتمع الفلسطيني؟ او هل فكر طالبو الاندماج بالعلاقات الاجتماعية التي قد تتفكك مع جيرانهم المسلمين اذا خدم المسيحيون في الجيش الاسرائيلي؟

وعلى رغم كل هذا، ألم يحن الوقت لنتحد معا بالمسيح الذي يقوينا بالرغم من توجُّهاتنا المختلفة، الا يجب ان نُظهر محبتنا بعضنا لبعض حتى ونحن على خلاف في الرأي؟ ام اصبح قريبي هو الشخص المؤمن في قضيتي؟!

واخيرا، " يقول قائل انت لك ايمان وانا لي اعمال. ارني ايمانك بدون اعمالك وانا اريك باعمالي ايماني" (يعقوب 2: 18). "طهروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح للمحبة الاخوية العديمة الرياء فاحبوا بعضكم بعضا من قلب طاهر بشدة." (1 بطرس 1: 22).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا