المسيح على الصليب بين لصين
رسمة توضيحية لصلب الرب يسوع المسيح واللصين، واحد عن يمينة والاخر عن يساره
 

ما أتعس الإنسان عندما يقف لينال جزاء جرائمه، خاصة عندما يعلم أن هذا الموقف سيضع نهايةً لجرائمه وبشاعة شروره، بل سيضع حدًا لأنفاسه التي تطلق شرورها على كل من حولها. ما أتعس من كان على موعد مع الموت مصلوبًا.

على تلّة عالية خارج أسوار المدينة المقدسة، رفعت ثلاثة صلبان، وعليها ثلاثة مصلوبين، صليب في الوسط وواحد عن يمينه وآخر عن يساره.

وقد كان "المصلوب" في الوسط موضع استهزاء وتعيير الجنود ورؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ، وقد قاسى كل أنواع العذاب والألم، منها الجسدي، كالبصق في وجهه، واللكم، واللطم، والضرب، والجلد، وإكليل الشوك على الرأس، وحمل الصليب والمسامير المخترقة في اليدين والرجلين... ومنها النفسي، الذي كان أعمق وأصعب، إذ كانت نفسه حزينة جدا حتى الموت... إذ أن روحه الطاهرة كانت تتصارع مع ثقل الخطايا التي حملها برضاه على الصليب، مع أنه لم يفعل خطية البتة، وما زاد في آلامه هو أن الله الذي عهده دائما محبًا، قد أظلم الشمس وحجب وجهه عنه لسبب كثرة الخطايا التي حملها على الصليب، حتى صرخ بصوت عظيم "إلهي... إلهي لماذا تركتني؟!" كل من نظر إليه بتدقيق وهو معلق على الصليب علم أن جميع الشهادات والأدلة التي قدمت ضده كانت زورًا وبهتانًا، ولم تكن حتى متطابقة، وأن وراء هذا العمل كان حقد وحسد الكتبة والشيوخ، مع أنه عمل كل شيء صالح ولم يكن فيه غش أو خطية.

وقد أضيف لمجموعة المعذبين من جند وكهنة وكتبة وشيوخ وعامة الشعب، أيضا اللصان اللذان صلبا معه. يا للسخرية! يا لبشاعة شرّ الإنسان وعناد وقساوة قلبه! لصان مصلوبان واحد عن اليمين والآخر عن اليسار يعيران من لم يعمل خطية أو شرًا، كأنه لم يكن بكاف، ما فعله الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة حين حرضوا الجموع، واختاروا لأنفسهم باراباس للحياة ويسوع للموت، اختاروا لهم لصًا ومجرمًا قد فعل فتنة وقتلا في المدينة، اختاروا إرهابيًا محترفا ليعيش في وسطهم وأسلموا ربّ الحياة للموت، رفضوا حمل الله الذي بلا خطية وصلبوه. وكأن كلّ هذا لم يكن بكاف، واستمرت مسرحية السخرية، فقال اللصان للمصلوب: "إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا؟!"، ولم يعلما أنه قادر أن يفعل ذلك ويخلص جسديهما، أما روحيهما فلا خلاص لهما إلا بموته الكفاري. ولكن ما هي إلا لحظات حتى تغير حال أحدهما، وابتدأ ينتهر اللص الآخر الذي استمر في تعييره وتجريحه للمصلوب في الوسط، فانتهره قائلا: "أولا تخاف الله إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه، أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا، وأما هو فلم يفعل شيئا ليس في مكانه". لقد استنارت بصيرة هذا اللص، فعلم أولا مدى شناعة خطيته وجرائمه واعترف بها، وصادق واعترف بعدالة ما يلقاه من عقاب لأنه نال استحقاق ما فعل. وعلم أيضا أن المصلوب في الوسط لم يفعل شيئا ليس في مكانه، فهو بريء محكوم عليه بالإعدام. بل علم أكثر من ذلك، لقد عرف يقينا أن المصلوب هو الرّب الذي بيده مصير الإنسان.

ترى كيف عرف ذلك؟ هل سمع عنه؟ هل انبهر بعجائبه؟ هل لمس حكمته وقدرته؟ قد يكون ذلك وقد لا يكون. ولكنه تيقن من شخص المصلوب عندما شاهده يتحمل كل الآلام والأوجاع بصمت، عندما سمعه يرفع صلاة حارة إلى الآب قائلا: "يا أبتاه إغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون". أمام هذا الغفران السامي السماوي، انفتح قلب اللص واستنارت حياته، وقال له "أذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك". ولم يشعر في نفسه بالثقة لأن يطلب الغفران أو حتى لم يتجرأ على الطلب أن يكون مع الرّب ، بل طلب "أذكرني"، أذكرني فقط، أنا المسكين الضائع، أمام هذا الطلب المتواضع الذي تشع منه التوبة ويلمع فيه الإيمان، أجاب المصلوب الذي هو محبة الله المتجسدة، الذي قدم ذاته على الصليب بكامل سلطانه وإرادته ليغفر خطايا كل من يعترف ويؤمن به، فأجاب وقال "الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس"، لقد أجابه المصلوب فوق ما طلب، ووعده وعدًا عاجلًا " بأنه اليوم" سيكون معه في سماء الخلود، إنها أجمل وأحلى وأنعش لحظة مرت على هذا اللص في كل أيام حياته، حقا ما أروعها من لحظة حين حظي اللص بأروع رفقة، وبأعظم وعد، من ربّ المجد.

في لحظة تغيرت حالة هذا المجرم من لص خاطئ مصلوب مرشّح بل معدّ بلا تأجيل لنار جهنم، إلى إنسان مغفور الخطايا، معين لسماء الخلود والحياة الأبدية التي وعده بها شخص الرّب يسوع لإيمانه به واتكاله عليه.

على رأس تلة الجلجثة ثلاثة صلبان وثلاثة مصلوبين. مصلوب في الوسط ولصان، واحد عن اليمين وآخر عن اليسار. أحدهما غلّظ قلبه وأعمى بصيرته وخدّر ضميره، فلم يفتح باب حياته لنعمة المحبة الطاهرة المضحية. فمات في خطيتة، ليكون وقودا أبديا لنار جهنم الأبدية، حيث البكاء الأبدي وصرير الأسنان، لأنه رفض الالتجاء إلى أحضان المحبة الإلهية التي قدمت ذاتها بشخص المصلوب لتكون كفارة لخطاياه، إن قبل تكفيرها وآمن بفاعليتها. ولكنه أبى واستمر في عناده وكبريائه حتى وهو على الصليب... فما أشقاه!!

واللص الآخر تفتّح قلبه واستيقظ ضميره، بعد أن شاهد نعمة المحبة المتألمة، التاعبة، المضحية، الغافرة، التي تغفر خطايا حتى صالبيها، لقد تمتع هذا اللص المصلوب بنعمة الإيمان والحياة الأبدية بعد أن كان على موعد محتم وعاجل مع الهاوية، الأبدية الملتهبة، فمات معترفا بخطيته وتائبا عنها، معلنا إيمانه بمن مات لأجله على الصليب، حاصلا على نعمة الحياة الأبدية حيث الفرح والسلام الأبدي... فطوباه.

أما المصلوب في الوسط، فهو الذي لم يفعل خطية، لكنه حمل وتحمّل كل خطايانا برضاه الكامل على الصليب، ليخلصنا من دينونة وعقاب هذه الخطايا، بعد أن نال هو بذاته دينونة خطايانا، حسب متطلبات عدالة الله. هكذا نحصل على غفران خطايانا الكامل، وعلى كامل ووافر السعادة الأبدية إن آمنا به وقبلنا موته الكفاري عنا، فمع أنه مات حقا... لكنه أيضا قام حقا، وهو قادر أن يقينا من خطايانا المميتة ويحيي أرواحنا... فما أجمل وما أعمق لفتته الإلهية لنا، فهي لفتة المحبة المضحية.

فما أروع محبة من مات لأجل الخطاة، وما أعظم شمولية خلاصه، وما أغنى نعمه وعطاياه التي بلا حدود...

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا