كلمة سهيل عودة مدانات في وداع والده

طفل عمره بضعة أشهر يجد نفسه وحيداً في المكان ويجذبه شيء لامع أحمر، فيحبو نحوه ويرمي بنفسه عليه، وترتفع صرخات الألم. تركض الجارة، فترى طفلاً يُشوى على جمر مشتعل في كانون، وتحمله بعيداً.
مع ضعف الرعاية الصحية عام 1929 وانعدام العلاج، قضى الطفل عوده سنوات طفولته وصباه في عذاب آلام والتهابات يده ووجهه المبرحة في قرية أدر شرق الكرك. لكنه كان يحب المعرفة، فكان يدرس بشغف وذكاء شديد في مدينة الكرك فكان من الأوائل رغم فقره المدقع وتنقله بين بيوت الأقرباء.

أحد وجهاء القرية رأى أن دراسته بلا فائدة بسبب يده المعوقة فقال لوالده: "ابنك عطيلة وخسارة فيه المدرسة. أخرجه منها ليساعدك في عملك". وهكذا صار، والصبي بقلبه البريء المعذب بلا حول ولا قوة وسط أمواج الحياة القاسية. لكن خلف الأمواج كان هناك شخص عجيب محب يرى القلب لا اليد، ويخطط. أرسلوه ليساعد تاجراً متنقلاً في المنطقة، ولم يعلم الشاب عوده أن هذه الرفقة ستغير حياته إلى الأبد. تأثر من حياة التاجر المستقيمة فسأله عن السر، وأخبره يعقوب جوابره (أبو أرجوان) عن مخلص يغير الحياة اسمه يسوع. في ذلك اليوم، 19/6/1949، ولد عوده مدانات ولادة جديدة، وغمر قلبه فرح عجيب لازمه كل العمر في قصة حب عاصف مع مخلصه يسوع. أرسلوه إلى كلية اللاهوت التابعة لإرسالية الاتحاد المسيحي في بيروت وبعد ثلاث سنوات تخرج بتفوق وامتياز رغم عدم إكماله المدرسة، فأرسله مستر وورد إلى القدس ليرعى كنيسة.

بعد سنة عرَّفه أصدقاء الخدمة بفتاة اسمها مها عويس، فالتقاها في بيروت. ولكن لماذا تتزوجه وهو بيد معوّقة وبلا مال؟ رأت فيه محبة الرب النقية، ووجدت في اقترانها به دعوة الرب لها لتعينه في الخدمة، فأخذت قراراً عقلياً لا عاطفياً بالقبول، وبدأ الرب يتعظم في بيتهما وخدمتهما على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان المجيد كانت خلالها خير رفيق وخير معين وخير محب. في بدء زواجهما كانت صلاتهما ألا يعطيهما الرب نسلاً إن لم يكن للرب. واستجاب الرب في الأولاد والأحفاد جميعاً، وفي نسل روحي لا يعرف عددها الا الرب.

عودة مدانات

كانت أكثر التعليقات التي تواردت من محبي عوده مدانات من حول العالم يوم أمس تجمع على أنه كان رجلاً غير عادي. وهذا ما رأيناه نحن، أهل بيته، لا في حياته العامة أمام الناس فقط بل الخاصة أيضاً في البيت.

كان غير عادي في محبته لشخص يسوع واسم يسوع من كل قلبه ونفسه و فكره وقوته: لم يكن يسوع عنصراً ضمن عناصر حياته واهتمامه بل كان يسوع مركز الحياة وكل الحياة؛ كان يسوع الهواء الذي كان يتنفسه ونتنفسه معه. كان يسوع عشق حياته وفرحه وابتهاجه، يلهج به ويتغنى نهاراً وليلاً، وهو صحيح وهو مريض، وهو في الرحب وهو في أشد الضيق. يترنم به في البيت وهو يمشي في الشارع لا يهمه ما يقوله الناس وبروتكولهم المزيف إذ لم يكن يرى سوى يسوع وإياه مصلوبا.

كان غير عادي في محبته للقريب كالنفس، فلم يكن يعرف كيف يحقد، بل كان قلبه الذي ملأه يسوع ينبض محبة للقريب والعدو. كان يحبهم في أهم شيء: شهادته لهم عن الخلاص الثمين بدم يسوع. كان يتكلم مع كل من يصادفه بلا مقدمات وبلا حرج. كيف يسكت ومن أمامه قد يموت في أي لحظة ويواجه رعب الجحيم؟

كان يتكلم في وقت مناسب وغير مناسب أياً كان الشخص: مع القريب، مع الجار، مع بائع الخضار، مع السائق، مع الشرطي، مع موظف الحكومة، مع رجل الدين، وفي العيادة والمستشفى مع الطبيب والجراح والممرض وعامل التنظيفات. لم يترك أحداً من خيره. وكان الناس يستمعون باهتمام بالغ إذ يروا شخصاً يتكلم بحرارة وصدق وشغف لم يعهدوه؛ وعندما يتكلم عن اختباره وموت يسوع بدلاً عنه كانت الدموع تفيض من قلبه وتغرق عينيه. تميز بخدمة النزع الأخير: يزور المريض في اللحظة المناسبة وهو على سرير الموت وفي الغالب يخرج من عنده ونفسه مخلصة. كان يبكي أمامنا حرفياً على أقرباء له ممن كان يتكلم معهم سنين طويلة ويرفضون, ولا يياس في الصلاة وإعادة المحاولة كلما راهم.

كان غير عادي في محبته لكلمة الرب ووقفته للحق كالسيف، وهو ابن "أبو سيف". كان ينفر من الضلال والبدع كنفوره من الجراثيم. كان يتغني بكلمة الرب فيحفظ مقاطع طويلة من الكتاب، وفي وسط آية معينة يقف ويتأمل في جمالها كمن يتأمل في لوحة أو منظر طبيعي ويقول لي والدموع تملأ عينيه: "يا سلام! ما هذه الروعة وهذه العظمة؟"

وكان غير عادي في استقامته وأمانته وإبائه. لم يسمح للمال أن يزحزح استقامته مليمتراً واحداً، ولم تكن هناك قوة تستطيع ذلك، حتى قوة الجوع والحاجة الملحة لبيته. كانت أيام يحتاج فيها البيت إلى رغيف الخبز، نفوس وكان بعضهم ينصحونه بأن يلحلحها قليلاً فيرسل تقارير مبالغة للإرسالية عن أعداد الحضور في كنيسته مع صور لهم في العيد حيث يأتي الناس لهدية العيد، وكان يرفض قطعياً. أحدهم أشفق عليه فقام بالمهمة عنه وأرسل تقريراً مبالغاً، فرآه عوده في مجلة وجن جنونه، وتتوقعون ماذا عمل. أرسل فوراً ينكر صحته وسط ذهول الأرسالية، واحترامهم، واحترام الرب، وبركة الرب التي تغني وأغنت.

عودة مدانات هو أحد أواخر جيل فريد من رجال الله في الاردن.

وكان غير عادي في فرحه بالرب. كانت الابتسامة النقية ملء فمه ووجهه من عمق قلب ملأه حب يسوع وكان غير عادي في اجتهاده وتخطيطه المتقن وذاكرته العجيبة، واتضاعه أمام إلهه وقت النجاح، وشُكرِه اليومي بدموع الامتنان للرب. من لا شيء بنى وأنجز، وكان يقول دائماً والدموع تملأ عينيه: "من أنا اللاشي ليباركني الله بنسل روحي وايظا ببركات مادية؟"

لم يكن لعوده مدانات فضل في أي شيء من هذا. كان عطيلة، وبكلماته لي: "بدون نعمة يسوع أنا أصلاً ابن موت لا ابن حياة". لكن عطيل اليد كان عظيمَ القلب، قلبٍ ملأه حب يسوع، ففاض ثمراً وثماراً نتذكرها اليوم عندما اشتد مرضه في آخر أيامه لم يستطع الكلام إلا نادراً، فكان كلامه مباركة لأحبائه وشوقاً لرؤية يسوع.

كان يردد في الليل الطويل: "بدي أنام، بدي أنام، بدي أنام". أخيراً، في الخامسة من فجر السبت، وسط ترنيمنا حوله، نام، بكل سلام، ليستيقظ في لحظة ويجد نفسه في المجد أمام ذاك الذي عاش له ومات، وهو يقول له بملء الفم: "يَا سَيِّدُ، خَمْسَ وَزَنَاتٍ سَلَّمْتَنِي. هُوَذَا خَمْسُ وَزَنَاتٍ أُخَرُ رَبِحْتُهَا فَوْقَهَا"، ثم يسمع أعظم كلمات، هي كل الحياة، من فم السيد: "نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ.

نشكر الرب اليوم لأنه أعطانا زوجاً وأباً وجداً وأخاً وعمّاً وخالاً كعوده مدانات ... نشكره على عمله جيل فريد مؤسس من رجال الله في الأردن.

لا تمجيداً لعوده مدانات بل لذاك الذي خلص وتعظم في عطيلة كعوده مدانات. نشكره على عمله العجيب وعلى حبه العجيب. امين

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا