ولادة، موت، حياة، زلازل، أعاصير، حروب، ثورات، معارك، أشباه الثورات، قوانين تمحى وأخرى تطفو على السّطح، أحلام تتحطّم وتغدو هباءً تذروه رياح العدم، إديولوجيّات كخلايا سرطانيّة تحارب بعضها بعضا، والنّاس بينها في تشرذم وانقسام. بقي الكلّ كما هو منذ سقوط آدم إلى الآن: الجنس، المال، السّلطة: هم الغايات الثّلاث الّتي تحرّك كلّ دافع بشريّ إذ بها ينمو الكبرياء البشري ويزدهر، فينتج لنا المزيد من الخراب الفكري والرّوحي والمادّي. لا شيء يتقدّم ويزداد تطوّرا سوى التّكنولوجيا، ولا شيء يتقهقر ويزداد انحطاطا سوى جنس بني البشر. عصر الهاتف الذّكي والإنسان الغبيّ.

أحمد فؤاد نجم ونيلسون مانديلاّ
احمد فؤاد نجم ونلسون مانديلا
 

إنسانيّة تعيش نوبة حادّة من الشّلل الجنونيّ العامّ (General paralysis of the insane) كتلك الّتي أصيب بها فريديريك نيتشة سنة 1989 والّتي مهّدت لموته في 25 أغسطس/أوت سنة 1900 بعد ان عاش إثنتي عشرة سنة بعيدا عن عالم العقلاء لأنّه لم يعلم أنّ عالم ما وراء الخير والشّر لا وجود له على ارض العقلاء ولا يمكن له ان يوجد سوى في وهمه أو مستشفى المجانين، كما أنّ المعرفة لا يمكن لها ان تكون بهيجة إلاّ إذا كانت وهما امّا المعرفة الحقّة فهي مؤلمة لكنّها فعّالة ومثمرة، لم يعلم فيلسوفنا المسكين أنّ إرادة القوّة لديه ليست إلاّ عقدة نفسيّة المراد منها تجاوز عقدة النّقص من ضعفه الجسديّ جرّاء المرض. فوجد في ذاته بديلا وفي تمرّده وكبريائه وسيلة ليدمّر كلّ ما اعتبره صنما ولم يعرف أنّ الصنم الأساسي الّذي يجب أن نكسره ويأفل نجمه منّا هو ذواتنا بكلّ ما تحمله من كبرياء وصلف وعبّية تفصل بيننا وبين الحقيقة، فطفق يضرب بمطرقته كلّ مرتكزات وجوده وأعمدته حتّى سقط القصر عليه وخسر كلّ مقوّمات إنسانيّته وبنيته العقليّة. لم يعلم فيلسوفنا المجنون أنّ جنيولوجيا الأخلاق هي الإنسان نفسه إذ لا يسعنا الحديث عن الإنسان إذا ألغى البعد الأخلاقي الموضوعي الّذي فيه والموجود فيه بالفطرة والّذي يسمّى بالنّاموس الطّبيعي وحذفه تماما أو عوّضه بآخر ذاتي سيؤدّي حتما إلى الفوضى والجنون البشري الّذي سيكون أشدّ لؤما وضراوة وفتكا من مرض جنون البقر، وبينما ادّعى أنّه إنساني مفرط في إنسانيّته حتّى صار مجنونا موغلا في حسّيته وشهوانيّته ومجونه حدّ الحيوانيّة وأمضى بقيّة عمره في ذلك المكان الملائم لفلسفته. والنّتيجةالمنطقيّة لها. وكان فكر نيتشه أجدر النّاس بأن يضرب بمطرقته لسبب بسيط هو لو كان لفلسفة نيتشة أن تحملنا للحقيقة لحملته هو أوّلا إليها وبينما إدّعى أنّها فلسفة الإنسان الأسمى فإذ بها تصبح فلسفة الإنسان الأعمى من بصيرة عقله وهي تمثّل انحرافا كبيرا في المسار الفلسفي حيث تحوّلت من البحث في العلل الأولى للأشياء كما عرّفها أرسطو إلى مجرّد تأويلات ذاتيّة تأخذ لنفسها صورا جماليّة حسيّة لغويّة محرّكها الأساسي هو الكبرياء الشّخصي واللّيبيديّة الفكريّة ببساطة هي فلسفة الإنسان المسجون في بوتقة ذاتيّته الضّحلة. وها إنّي أرقب العالم بكلّ شروره أنّه ذاهب إلى نفس النّتيجة فقد أصبحت الكرة الأرضّية أشبه بـ"مورستان" مستشفى مجانين كبير يثير الشّفقة على من فيه وما يعانونه من فراغ وفكر مضادّ للحياة وحالات الّتوهان الوجودي للكثيرين من البشر. وانغلاق مرضي على الكتب أو أمام أجهزة الحاسوب والهروب من عالم الواقع إلى العالم الافتراضي الّذي يعاني هو نفسه من رداءة لا تقلّ عن مثيلتها الّتي تصادفنا في حياتنا اليوميّة.

سؤال منهجي قد يطرحه القارئ: ما دخل هذا كلّه بموت كلّ من أحمد فؤاد نجم ونيلسون مانديلاّ وما يحدث في تونس من تهافت للسّياسيّين وتهافت للتّهافت؟

بداية، علينا الإقرار بأنّنا نعيش في عصر كثر فيه السّماسرة في كلّ المجالات: سماسرة الدّين، سماسرة السّياسة، سماسرة الإديولوجيّات، سماسرة حقوق الإنسان، سماسرة الفنّ والادب، سماسرةالجنس والجنسانيّة، وأخيرا وليس آخرا سماسرة الشّعارات الموجودون بأعداد مهولة في عالمنا العربي المثير للشّفقة، أولئك الّذين ينتظرون مناضلا او شهيدا أو كاتبا أو فنّانا او سياسيّا يموت حتّى تنطلق ألسنتهم وأفواههم وأقلامهم بالعواء والمديح والنّبيح والتّأبين و"التّفليم" و"التّلحيس" و"التّبندير" حتّى مطلع الفجرعادة ما تدوم هذه العمليّة من يومين إلى أسبوع على أقصى تقدير-طبعا إذا كان الأمر جللا- ثمّ يعودون إلى ضحالة واقعهم وسماجتهم الخالية من أيّ معنى أو قوّة تدفعهم للّتّساؤل والبحث عن الحقيقة. مثلهم كمثل خنازير غارقين في طين الحمأة يستفيقون فقط عند سماع دويّ أو تفجير أو وقع قنابل في الأمكنة المتاخمة فيهرولون ويصرخون ويضطربون وما أن يهدأ الأمر حتّى يعودون إلى طين حمأتهم ويغوصون فيه من جديد، إنّها حالة من الموت الوجودي المؤقّت الممزوج بانتهازيّة جوفاء، حيث يموت الفرد عن الحياة ويغرق في قبر فردانيّته وذاتيّته وشبقيّته وينام في سمّ الاستهلاك وعبوديّته. ثمّ يستفيق على وقع كارثة فيرتبك وجوده الضّحل أمام الموت لكنّه مع ذلك ينتهز الفرصة كي يتظاهر بانّه حيّ ويفكّر ويركب الحدث ليلبس قناع المناضل والثّورجي" و"الصّنديد" المدافع على حقوق الإنسان والمثقّف" الّذي لا يشقّ له غبار، كشخص مريض بالسّرطان في مراحله الأخيرة يريد أن يثبت لمن حوله بأنّه سليم عن طريق ارتداء شعر مستعار ووضع بعض الماكياج ليغطّي عوارض المرض لأنّه لم يتصالح مع ذاته ويقبل مصيره بقلب مؤمن وإرادة يكتنفها الرّضى. منذ أن ستشهد "شهيد الوطن شكري بلعيد" و"الحاج محمّد البراهمي" رأيت هذه الظّاهرة تكثر في تونس وتتنامى وتزيد على مواقع التّواصل الاجتماعي -طبعا أستثني الصّادقين منهم- ولقد بلغت أوجها في الأيّام الأخيرة مع مانديلاّ ونجم، ولقد رأيت وقرأت ذلك الكمّ الهائل من الكلام المنمّق والمزركش الّذي قيل في كليهما ولكنّي رأيت وراء ذلك الكلام أنفسا عليلة تبحث على مجال تثبت فيها حياتها ووجودها كانت عبارات التّعازي مشوبة بعقد النّقص ذلك المرض العضال المتأتّي عن غياب المعنى عن الذّات الإنسانيّة الغارقة في مستنقع الذّاتيّة والاستهلاك والخائفة من شبح الموت والذّهاب إلى المجهول. حتّى وإن كنت أقسو عليهم لكنّني في نهاية الأمر أشعر بالتّعاطف معهم لأنّ أغلبيّتهم كانوا من الشّباب. شباب تونسيّ بلا خارطة طريق وجوديّة، شباب بلا ثقافة ولا عمق، منهم من آثر أن يكفّن قلبه وذاته بأوراق الكتب البالية. شباب لم تُشعره المواقع الإباحيّة بنشوة الحبّ الّتي كان ينتظرها بل عمّقت فيه الشّعور بالفراغ، شباب عمّقت فيه الممارسة لجنسيّة النّفور من الزّواج جرّاء برود الحبّ فيه. شباب يشعر بخيبة أمل بعد أن أضحى بيدقا في يد الأحزاب والمنظّمات الّذين ينفّذون به أجندتهم ويقتلون كلّ حلم له في أن يرى وطنه يتقدّم ويزدهر. شباب بلا بوصلة ولا توجّه. إنسان خال من إنسانيّته. إنسان منتفخ من أنانيّته. شباب يعاني الحرمان المعرفي والخصي الفكري. شباب ميّت روحيّا لا يعرف من اللّه شيئا سوى ما قاله ماركس أو نيتشة. أو ماقاله الإسلام. شباب يلقي نفسه في قوارب الموت متجّها نحو إيطاليا علّه يجد السّعادة. شباب كطاقة مهدورة يستغلّها السّماسرة ليرموهم فريسة للعدم. شباب وصل به الأمر إلى أن يلقى في سوريا للموت في معركة ليس له فيها ناقة أو جمل. شباب أضاع الطّريق نحو الأفق وبدأ التّخبّط في تيه وجوديّ لا يعرف نهايته.

لقد دخل كلّ من "العمّ نجم" و"نيلسون مانديلاّ" مجرى التّاريخ ولن يعودوا منه أبدا وتركوا لنا آثار حياتهم نستشفّ منها العبرة والمغزى ويكفيهم فخرا أنّهم ناضلوا من أجل ما آمنوا به وكانوا صادقين ومستميتين في الثّبات على أفكارهم دون ان يتوخّوا طرائق المحاباة والتّملّق والكذب والخداع والبهتان ليصلوا لأهدافهم التّحرّريّة وهذا يحسب لهم.

لكن للأسف فضح موتهم موت الكثيرين الفكري والإنساني على غرار الرّئيس الأمريكي الّذي لم يحترم حرمة التّأبين ولا حتّى حرمة زواجه ليغرق في ضحكات ماجنة مع الوزيرة الدّانماركيّة. تثير غيرة زوجته وسخط الجنوب إفريقيّين الذّي اتّهموه بعدم احترام هيبة حفل تأبين أبيهم الوطني.

في كثير من الأحيان يفضح الموت الجسدي الموت الرّوحي والفكري لكثير من النّاس الأموات/الأحياء أحياء بالجسد وأمواتا بالرّوح والفكر، إنّهم أحياء عرضيّا وموتى جوهريّا. هنا نفهم قول المسيح: دع الموتى يدفنون موتاهم.

سؤال منهجي قد يطرحه القارئ: ما دخل الفيلسوف نيتشه الّذي نقدته وانتقدته في بداية مقالك، في كلّ هذا الّذي يحدث الآن؟

في الحقيقة ذكري لفلسفة نيتشة لم يكن دون هدف لأنّ الفكرة الرّئيسيّة لهذا النصّ هي ربط حادثتَي موت مانديلاّ وأحمد فؤاد نجم ووقعهما على الإعلام ومستخدمي مواقع التّواصل الإجتماعي في تونس وهم في الأغلب من الشّباب وتحليل ردّات الفعل في سياق ما تمرّ به تونس من فترة مخاض فكري واجتماعي واقتصادي وسياسي. سنرى أنّ كلّ هذا ليس مفصول عن ما تمرّ به المنطقة العربيّة من أحداث والعالم أجمع بصفتنا نعيش في عصر الطّفرة التّكنولوجيّة و"حقوق الإنسان"الّتي بقيت حبرا على ورق. ومجتمع ما بعد الحداثة.


فريديريك نيتشة كان عيّنة أخذتها كمثال لأنّ فكره كان نتيجة لفكرة قامت عليها "أوروبا الحديثة" وهي

"L'anthropocentrisme"  والّتي قامت عليها فيما بعد أطروحة عصر الأنوار. يقول المفكّر الرّوسي "تزفيتان تودوروف" في كتابه"روح الأنوار" يعتبر فكر الأنوار فكرا إنسانويّا، أو إن شئنا مذهبا يقوم على مركزيّة الإنسان، فلا حاجة بعد الآن مثلما كان يطالب بذلك علماء اللاّهوت إلى أن يبقى الإنسان على إستعداد دائم للتّضحية بمحبّة المخلوقات حبّا بالخالق. هذا ما يقرّه كاتبنا الرّوسي.

المثير للضّحك والتّهكّم في هذا الكلام أنّ منطق الحياة نفسه الّتي جبلنا بها ورأينا نور هذا الكون من خلالها مناقض شكلا ومضمونا لتفاهة هذه الفكرة إنّ الحيوان المنويّ الّذي خلقنا منه جميعا عندما يخرج من الرّجل لديه هدف فطريّ واحد في الحياة وهو الوصول إلى البويضة الأنثويّة بغية ضمان الاستمراريّة على شكل جنين ثمّ إنسان. وإذا تأمّلنا أكثر سنجد أنّ الطّبيعة حاملة في جوهرها منطق السّببيّة والغائيّة فيصبح حينها القول بمركزيّة الإنسان على ذاته نوعا من الترّهات الّتي ستنسف كلّ مقوّم أخلاقيّ وغائيّ ووجوديّ للمجتمع الإنساني الّذي رفض الله ليقع في عبوديّة أشدّ وهي عبوديّة الإنسان لأنانيّته وانعدام المحبّة والتّضحية بين الإنسان والإنسان فتتفكّك حينها الأسرة الواحدة وتنحلّ المجتمعات وتبدأ بالتّفكّك. يقول الشّاعر الإنكليزي ت. س. إليوت: إن كنتم لا ترغبون في أن يكون لكم إلاه فقد وجب عليكم الخضوع إلى هتلر أو ستالين. أمّا إذا أضفت أنا فسأقول "ستستعبدون للمال والسّلطة ولغرائزكم وستصبحون أشدّ ضراوة ووحشيّة من الحيوانات المفترسة". ترعرع الفكر النّيتشوي على فكر الأنوار واستقى منه فأنجب أكذوبة الإنسان الأسمى المترعة خيالا أشبه بالسّراب الخلّب. والمملوءة انتفاخًا وكبرياءً وخيلاء . إنّ مجتمعات ما بعد الحداثة دفعت ثمنا باهضا نتيجة فكرة "مركزيّة الإنسان" فماذا ربحنا من كلّ هذه الفكرة؟

ربحنا التّكنولوجيا وخسرنا الإنسان!

ربحنا الرّفاهيّة وخسرنا الإنسان!

خسرنا الإنسان وأنشأنا عوضا عنه إنسانا إرتكاسيّا مضادّا للطّبيعة غارقا في اللّذة مكبّلا بالإدمان مضطهدا بالحروب وممسوخا بالإديولوجيّات وأديان الأنبياء الكذبة. وها هو اليوم تراوده الإديولوجيا الفوضويّة وتغريه كذبة جديدة تدعى: النّظام العالمي الجديد. كيف لي أن أقول لكم كلّ عام وأنتم بخير والإنسانيّة ترزح تحت عبوديّة الشّيطان وأتباعه من اللّوبيات القذرة.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا