لقد أوصى بولس الرسول أهل رومية بوحي الروح القدس قائلا: "هذا وأنكم عارفون الوقت أنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم، فأن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنّا" (رو 13 : 11)، كما وحثّ أهل أفسس قائلا: "لذلك يقول استيقظ أيها النائم وقم من الأموات فيضيء لك المسيح" (أف 5 : 14). لقد قيلت هذه الآيات في القرن الأول للميلاد، أي قبل حوالي ألفي عام، وأذا كانت الحاجة أن يستيقظ الناس من النوم آنذاك، فكم وكم نحن بحاجة اليوم والآن لنستيقظ من النوم، حيث خلاصنا من هذا العالم أقرب بكثير منذ قيلت هذه الآيات.

أن الاستيقاظ موجّه للمؤمن النائم كما هو وارد في الآية المذكورة في رسالة رومية، وهو موجّه كذلك لغير المؤمن الذي لم يستنر بعد بنور المسيح كما يخبرنا الوحي في الآية الواردة في رسالة أفسس المقتبسة أعلاه، حيث يخاطب النائم الميت قائلا "قم من الأموات فيضيء لك المسيح".

يحثنا الكتاب مرارا وتكرارا على السهر الروحي في آيات كثيرة عبر صفحات الكتاب المقدس، وليس الأمر بمجرد "توصية" أنما "وصية": "أسهروا" (أنظر مثلا من فضلك: مت 24 : 42، 25 : 13، 26 : 38، 26 : 41، مر 13 : 33، 13 : 35، 13 : 37، 14 : 34، 14 : 38، لو 21 : 36، أع 20 : 31، 1 كو 16 : 13، 1 بط 5 : 8، 1 تس 5 : 6). ان عكس السهر الروحي هو النوم الروحي، ويقول عنه سليمان الحكيم في سفر الأمثال: "لا تحب النوم لئلا تفتقر. أفتح عينيك تشبع خبزا" (أم 20 : 13). اذن فالنوم الروحي هو أحد الآفات الروحية الذي يؤدي الى الفقر الروحي، وعندما يصل المؤمن الى هذه الحالة فسيبدأ بالبحث عن الخرنوب والفتات الروحي، كالابن الضال (لو 15 : 16)، كيف لا والوحي يخبرنا أن "النفس الشبعانة تدوس العسل، وللنفس الجائعة كل مر حلو" (أم 27 : 7).

ان أفضل مثال ل- "المؤمن السهران" أو "الكنيسة السهرانة" هو قصة العذارى الحكيمات والجاهلات (مت 25 : 1 - 13)، فمع أن جميعهنّ نمن (نوم جسدي)، الاّ أن فقط خمس منهن كن جاهزات ومزودات بزيت الروح القدس، والخمس الأخريات امتلكوا فقط المصابيح، فقد يكون الكثير من المسيحيين أو الكنائس الذين يحملون اسم المسيح، ولكن بالداخل فهم فارغون ويفتقرون للزيت الذي يرمز الى الروح القدس وحياة السهر الروحي، ففي نهاية المثل يخاطبهم السيد قائلا: "...الحق أقول لكنّ أني ما أعرفكنّ" (ع 12)، وبعد الانتهاء من تقديم المثل يوصينا الرب قائلا: "فاسهروا اذن لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الأنسان" (ع 13).

قبيل الصلب ببضع ساعات طلب رب المجد من تلاميذه أن يسهروا معه، اذ كان يمر في ضيق عظيم، حتى أنه قال: "نفسي حزينة جدا حتى الموت" (مت 26 : 38)، وطلب من أبيه السماوي أن يعبر عنه هذه الكأس "ان أمكن" (مت 26 : 39)، فهو عالم بالضيق الذي سيواجهه، فيناجي أباه السماوي ويطلب من تلاميذه أن يسهروا معه، ودلالة على شدة الضيق والألم الذي كان يعبره السيد عندما صلّى بجهاد لدرجة أن عرقه كان ينزل كقطرات دم (لو 22 : 44). للأسف، فأن التلاميذ "لم يقدروا أن يسهروا مع الرب ولا حتى ساعة واحدة" (مت 26 : 40)، ولذلك اضطر الرب أن يعبر الكأس والضيق والألم لوحده، حتى أن التلاميذ "تركوه كلهم وهربوا" (مت 26 : 56).

نعم، فبالأضافة ألى الفقر الروحي، فأن عدم السهر يجلب عواقب روحية بل وجسدية وخيمة كالكسل والرخاوة والفقر والجبن والهرب من الاضطهاد الذي قد نواجهه، بشتى أنواعه، فنترك الرب والأخوة والكنيسة ليواجهوا أزماتهم دون تحريك ساكن، وحالنا النوم والسبات بدل السهر والاجتهاد، ويحثنا في سفر الأمثال قائلا: "الرخاوة لا تمسك صيدا، أما ثروة الانسان الكريمة فهي الاجتهاد" (أم 12 : 27).

ما أحوجنا أن نستيقظ في هذه الأيام، اذ مجيء الرب على الأبواب وحيث كنيسة الرب العامة والخاصة بحاجة ماسة الى جنود ساهرين وحارسين لبيت الرب وعلى أسوار أورشليم الروحية، كما نقرأ في سفر أشعياء: "على أسوارك يا أورشليم أقمت حراسا لا يسكتون كل النهار وكل الليل على الدوام. يا ذاكري الرب لا تسكتوا ولا تدعوه يسكت حتى يثبت ويجعل أورشليم تسبيحة في الأرض" (أش 62 : 6)، وخلاف ذلك سوف نصلب الرب والكنيسة والأخوة مرة تلو الأخرى، وبذلك نميت عمل الرب على الصعيد المحلي وكذلك العام.

لنقم نبني معا بلا ارتخاء، لنعمل ونحرس حراسة الرب على بيته وأولاده، أخوتنا في المسيح، ولنوصل البشرى السارة الى بيوتنا، جيراننا، بلدنا، بلادنا والى أقصى الأرض بحسب دعوة الله لكل منا، ولنعمل كما أوصى نحميا شعب الرب لبناء الأسوار المنهدمة لبيت الرب قائلا: "وقلت في ذلك الوقت أيضا للشعب ليبت كل واحد مع غلامه في وسط أورشليم ليكونوا لنا حراسا في الليل وللعمل في النهار" (نح 4 : 22).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا