الحِصان أو الفَرَس من الحيوانات المألوفة في طرق مدينتي السكندنافية، إلى جانب الخراف والبقر والغزلان، بالإضافة إلى الكِلاب والقطط. والحصانُ والفَرَس تسميتان وقعتا على الذكر والأنثى في ألسنة العرب. كلّما مررت في طريق وشاهدت إلى جانبه حِصانًا يأكل الحشيش الأخضر أو اليابس، تأمّلت في أنواع الطعام الذي يقتاته الإنسان وعدد وجباته خلال اليوم. واللافت أنّ الحِصان لا يملّ من أكل هذا النوع من الغذاء طوال حياته، بينما يحار المرء في نوعيّة غذائه يوميًّا. فكثرما تساءلت الأمّ الحنون: ماذا أطبخ اليوم؟ ليس هذا فحسب، بل يشتاق المرء أحيانًا إلى كسر الروتين فيذهب إلى أحد المطاعم ذي الوجبات السريعة أو البطيئة. وقد يُضطرّ أحيانًا إلى التغيير لأسباب مختلفة؛ منها السفر وتلبية دعوة صديق وبُعد مكان المدرسة أو العمل. أمّا كاتب هذه السطور فيفضّل الطعام الذي تُعِدّ زوجته ما لم يصنع طعامه بنفسه. لكن ما حصل مساء يوم أمس تحديدًا هو أني عزمت على تناول الوجبة الرئيسيّة في أحد المطاعم، كان الهدف اختيار مطعم مميّز لأصطحب إليه أخي الشقيق الذي سيزورني وعائلته في مناسبة حلول عيد الميلاد القادم، فكّرت في ذلك المطعم لظنّي بأنه يبقى في الذاكرة مدّة طويلة، واسم المطعم مترجَمًا إلى العربيّة: الأمّ الهنديّة. فإذا عُرف ملح الطعام دليلًـا على أصالة المطبخ العربي فإن الفلفل الحارّ يدلّ على أصالة المطبخ الهندي. وفي الذاكرة أنّي رأيت أحد الأصدقاء من الهنود وهو يتناول أشدّ أنواع الفلفل حرارة مثلما يتناول الفتى العربي الفول السوداني

- - -

في المطعم الهندي

لا أخفي حُبّي الفلفل الحارّ حرارة معقولة ومحتملة مع وجبة الطعام الرّئيسيّة، لكنّ هناك أنواعًا من هذا الفلفل ما لا أجرؤ على تذوّقها. أمّا هذا المطعم فأوّل ما استقبلني فيه رائحة البخور الهندي والموسيقى الهنديّة. والرائحة قد شممتها في البيوت العربيّة مِن قبلُ، إنّها مختلفة عن رائحة البخور الذكيّة المألوفة في الكنائس الأرثوذوكسيّة والكاثوليكيّة. جاءت المضيّفة فسألتني عن مستوى حرارة الفلفل الذي أريد، إذ أعلمتني أنّ لدى المطعم ستّة مستويات من 1 إلى 6 وقد دُوِّنت نصيحة برقم المستوى مع كلّ وجبة مدرجة ضمن قائمة الطعام. أمّا الوجبة التي اخترتُ فقد احتوت على نصيحة بالرقم 3 فلم أنتصح بها، بل طلبت الرقم 4 فكان لي ما طلبت وتناولت الوجبة وقد سألتني المضيّفة عن جودة الطعام فأشرت إليها بضمّ إحدى يديّ رافعًا الإبهام إلى أعلى. فلمّا انتهيت بقيت جالسًا في المطعم حوالي نصف السّاعة ثمّ خرجت منه ناسيًا رائحة البخور، لأنّ نكهة الفلفل طغت عليها. يبعد المطعم عن بيتي مسافة قصيرة، قد تكفي عشر دقائق لقطعها. فمشيت ودرجة حرارة الطقس قد انخفضت دون الصّفر السّيليزي بقليل، لكنّ حرارة الفلفل جعلت من برودة الطقس دفئًا ومن تقلّبه اعتدالًـا، هو ما لمست قبل بدء الدقيقة الخامسة من المشي المتواصل صوب منزلي المتواضع، حتّى حانت الدقيقة السّادسة فبدأتْ أجراس الإنذار المبكّر تقرع أمعائي الدقيقة منها والغليظة، وبدأتُ أشعر ببرودة الهواء القطبي الذي ضرب وجهي المكشوف بسكاكين فولاذيّة. وأمسى من الواجب التوفيق بين الضربات العُلويّة وبين نظائرها الباطنيّة. كان وقع الضغط على الجسد شديدًا من الجهتين، كأنّي أساق إلى منصّة الإعدام. فزدت من سرعة خطواتي محافظًا على ابتسامة وجهي في الشّارع العام ومداومًا على الصلاة التي اعتدتُ عليها في مثل هذا الظرف، إلّـا أنّ الرّبّ أعانني هذه المرّة ولا أتذكّر أنّه خذلني يومًا حين سألته بحرارة أن يرفق بحالتي الصّحّية. وأيًّا كان الظرف فشتّان ما بينه وبين ذلك الظرف الذي أعقب العشاء الرّبّانيّ الأخير إذ سيق خلاله الحمَل الوديع إلى الذبح ولم يفتح فاه، مُحقِّقًا نبوءة إشعياء (7:53) التي بلغ عمرها حوالي ثماني مئة سنة قبل ميلاد الحمَل

- - -

في المنزل

لحسن الحظّ أنّ الحمّام واقع بمحاذاة باب منزلي، هرعت إليه كأني لم أدخله منذ عام. وحين خرجت لملمت أوراق ذاكرتي القديمة، متأمّلًـا في عدد المطاعم التي ارتدتها في الماضي برغبة شخصيّة فلم يتجاوز العشرين، باستثناء الدعوات الأدبيّة والاجتماعيّة التي تلقّيت من الأقارب والأصدقاء والأدباء. ثمّ وصل بي التأمّل إلى المرّات التي رغبت في حضور القدّاس الإلهي أيّام الآحاد وسائر المناسبات الدّينيّة، لكنّ من الصّعب على ذاكرتي إحصاءها، لأنّ المطعم قد يُشبع العين والبطن أمّا الكنيسة فقطعًا تُشبع الروح وتروي. وقد آلمني أنّ صديقًا قرّر الامتناع من الذهاب إلى الكنيسة لأنّ له مأخذًا ما على كاهنها أو أسقفها ولم يلتزم بالذهاب ولو مرّة واحدة في السّنة، كأنّه كان يذهب في الماضي من أجل الكاهن أو من أجل ملاقاة فلان غير المرغوب في رؤيته. فوداعًا للمطعم الهندي الذي سبّب لي أزمة نفسية طارئة ولكن حاشا لي أن أقول “وداعًا للكنيسة” لأنّي أحد أعضائها، أي أحد أعضاء جسد السّيّد المسيح له المجد. فكيف يتخلّى عضو فعّال عن الجسد، في وقت يعزّ على الجسد أن يستغني عن أحد أعضائه؟ بل ما أروع المَثَلَين اللذين ضَرَبَ الرّبّ يسوع عن الخروف الضّالّ والإبن الضال (متّى: 18 ولوقا: 15) والمسيحي يعرف جيّدًا أهمّيّة الإشتراك في القدّاس الإلهي أو الاجتماع. قال الرّبّ يسوع: {حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم} - متّى 20:18 وقوله {حيثما} واسع المعنى وكثير الدلالة، يدلّ على المكان أيّ مكان ويشمل جميع الأمكنة المُتاحة، سواء البيت والدَّير والقلّـاية والعِلّيّة والرّواق والكوخ والهيكل والمعبد والبِيعة (بكسر الباء) أي الكنيسة

- - -

بين الفصح والقيامة

وبالمناسبة؛ أرى أنّ من الأخطاء الشّائعة لدى بعض النّاس إطلاق تسمية عيد الفصح على عيد القيامة! لأنّ الفصح اسم عبري معناه- وفق قاموس الكتاب المقدَّس: {أوّلًـا: العبور؛ وهو أوّل الأعياد السّنوية الثّلاثة التي كان مفروضًا فيها على جميع الرّجال الظّهور أمام الرّبّ في بيت العبادة (تثنية: 16) ويُعرَف أيضًا بعيد الفطير (خروج: 23 وتثنية: 16 أيضًا) أنشِئَ في مصر تذكارًا للحادث الذي بلغ فيه خلاص بني إسرائيل ذروته (خروج: 12 و 23 وتثنية: 16) وثانيًا: الحَمَل أو الجدي المذبوح في عيد الفصح. بينما فِصْحُنا هو المسيح (1 كورنثوس 7:5) الذي كحَمَل الفصح لم يكنْ فيه عيب ولم يُكسَر منه عظم} انتهى الاقتباس. أمّا القيامة المجيدة فعلى أساسها كُتِب الإنجيل وبزغت شمس المسيحيّة ومن أجْلها يحتفل المسيحيّون والمسيحيّات كلّ عام

¤ ¤ ¤

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا