كلّما أقرأ هذه الآية ينتابني نوع من الخوف، أشعر بالتبكيت، أُعيد حساباتي بالإيمان وأُجدد عهودي مع الرب وكأني أقبله لأول مرّة من جديد. بعد ذلك تعلّمت أن أجدد العهود مع سيّدي يوميًا، فآتيه بقلب تائب ومنكسر مع إطلالة كل صباح.

لقد أطلق الرب يسوع بذاته هذا "الصاروخ" بعد أن أتى بالمثل المعروف ب"قاضي الظلم"، الوارد في إنجيل لوقا 18 : 1 – 8، وذلك لكي يؤكد ويشدد مدى أهمية حياة الصلاة كل حين بلجاجة وبدون ملل. القصة تتحدث عن قاض ظالم لا يخاف الله ولا يهاب إنسانًا، وفي تلك المدينة كانت هناك أرملة لا حول لها ولا قوة، فهي أولا امرأة بما يحوي ذلك من معان للضعف في تلك الفترة، بخلاف الرجل، وهي كذلك أرملة فقدت زوجها وبالتالي فقدت السند الذي يحميها ويعطيها القوة والعون، وصعوبة ثالثة أن لهذه الأرملة يوجد خصم كان قد ظلمها، ولا يسرد لنا الرب بم ظلمها، والمنفذ الوحيد الذي بقي لهذه الأرملة المسكينة هو ذاك القاضي الظالم، ويا للعجب، كيف ينصف قاض ظالم متعال على الله والبشر أرملة مظلومة، ضعيفة لا سند لها أو معين ليساعدها في هذه المحنة، فهو بنفسه ظالم ولذا فمن المستحيل أن ينقذها من الظلم !!!

يتابع رب المجد يسوع المثل ويقول أن هذه الأرملة، وبالرغم من كل الظروف المجتمعة، تأتي إلى هذا القاضي الظالم وتطلب أن ينصفها من خصمها، وقد فعلت ذلك "إلى زمان"، ولا يحدد الرب مدى طول الزمان المذكور، ولكن من الواضح أنها كانت فترة ليست بقصيرة، وهذا نفهمه من حديث قاضي الظلم في سياق المثل، الذي استسلم في نهاية المطاف للجاجة الأرملة اليومية والمستمرة وقرر أن ينصف هذه الأرملة لئلا تزعجه أو تقمعه بعد ذلك، عندها يصل الرب إلى الغاية من هذا المثل ويقول أن كان هذا حال قاضي ظالم مع أرملة ضعيفة أفلا ينصف الله الكلي العدل والأنصاف مختاريه – أولاده أصحاب حق البنوية الصارخين إليه ليلا ونهارا وهو متمهل عليهم ؟! "أقول لكم أنه ينصفهم سريعا"، وبعدها يختم المثل ويقول: "ولكن متى جاء إبن الإنسان ألعلّه يجد الأيمان على الأرض" !!!

من الواضح أن رب المجد لم يقل هذه الآية في هذا السياق بمحض الصدفة، فالمثل واضح، لا بل ويخبرنا الوحي بوضوح في بداية الإصحاح "وقال لهم مثلا في أنه ينبغي أن يصلّى كل حين ولا يملّ"، فالمثل قيل لهدف رئيسي: الصلاة كل حين بلا ملل، والرب يعدنا أنه سيستجيب صلوات من هذا النوع وسينصفنا من الخصم الأكبر إبليس، ولكن الشرط أن نصلي دائما وبلا كلل.

في الآونة الأخيرة نحن نعيش أيامًا تشهد سرعة متسارعة بشكل لم يشهد مثيلا من قبل، وللأسف قد يؤثر هذا التيار القوي على علاقتنا مع الرب وبالتالي فقد تتحوّل صلواتنا إلى لحظات قليلة وربما فترات متباعدة نقضيها مع الرب بسبب "ضيق الوقت"، ولكن يجب أن نتذكر دائما، وإن كنا نعلم ذلك، أن الرب آت عن قريب ثانية، وهو الذي حذرنا بالآية المذكورة: "ألعلّه يجد الإيمان على الأرض".

إن الرب يريدنا دائما أن ندرك أننا إناء خزفي ضعيف كتلك الأرملة، هذا من جهتنا، ومن جهته يريدنا أن نعلم يقينا أنه قاض عادل وقوي ومتمهل علينا، فهو طويل الروح وكثير الرحمة لمحبيه وحافظي وصاياه (دا 9 : 4)، ولكي يتحد هذان المشهدان معا: قوة الله وضعفنا (2 كو 12 : 9)، يجب أن نطلب وجهه بالجلوس الدائم في محضره بلا ملل بعد أن قبلناه ربا ومخلصا لنا.

صرخ داود في القديم مصليا: "علمني أن أعمل رضاك لأنك أنت إلهي" (مز 143 : 10)، ويتحدث كثيرًا عن إرضاء الرب (مز 30 : 7، مز 51 : 18، مز 89 : 17)، وقد وصل داود إلى قلب الله عندما قال عنه الرب: "وجدت داود بن يسّى رجلا حسب قلبي الذي سيصنع كل مشيئتي" (أع 13 : 22)، فأن نرضيه يعني أن نطيع وصاياه، وها أمامنا مثل يريد الرب من خلاله أن نصلي كل حين ولا نمل. أن أُرضي الرب يعني أن أعرف الرب، كما صرخ بولس في رسالته إلى أهل فيلبي (3 : 10): "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبها بموته".

أن إلهنا محب، رؤوف، طويل الروح وكثير الرحمة (مز 103 : 8) ولكن بذات الوقت فهو إله عادل ويحب العدل (مز 11 : 7)، هو أوصانا من خلال كلمته الحية الباقية إلى الأبد وعلينا إطاعة كلمته. في هذي الأيام يطلب الرب منا أن نعرفه ونرضيه بأن نكون باتصال دائم معه بلا كلل أو ملل كما قرأنا، ففعل إرادة الآب السماوي وطاعة وصيته هي أولى وأهم، أن لم تكن الأهم، في سلّم أولويات الله أكثر من أي شيء آخر، بل وأكثر من مواهبنا أو خدماتنا، فها نرى الرب يؤكّد ويشدد في إنجيل متى الإصحاح السابع على أهمية فعل إرادة الآب السماوي قبل المواهب حتى الخارقة للطبيعة، وكثيرون من أولئك الذين تنبأوا باسم الرب وأخرجوا شياطين باسم الرب لا بل صنعوا قوات باسم الرب قد "يخيب أملهم في ذلك اليوم" لأنهم لم يعرفوا الرب بل كانوا فاعلي إثم، "فحينئذ أصرّح لهم أني لم أعرفكم قط، إذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (مت 7 : 21 – 23).

نعم، الآيات المذكورة صعبة، ولكنها قيلت بفم السيد الرب يسوع نفسه، فهو سبق وأنذرنا بكل هذا وعمل كل ما يلزم لفدائنا من الخطية، وما علينا نحن بدورنا الا أن نطيعه ونعرفه جيدا بالاقتراب الدائم منه بلا ملل، وقد أدرك آساف هذه الحقيقة قائلا: "أما أنا فالاقتراب إلى الله حسن لي، جعلت بالسيد الرب ملجأي لأخبر بكل صنائعك" (مز 73 : 28).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا