بعد حلول الروح القدس على التلاميذ في يوم الخمسين دوّن لنا البشير لوقا في سفر أعمال الرسل الأصحاح الثاني هذه الآية: «وكانوا – أي تلاميذ المسيح والمؤمنون الأوائل- يواظبون على تعليم الرسل والشّركة وكسر الخبز والصلوات» (أعمال42:2). لعلّ السؤال الذي يتبادر إلى الذهن ما هو هذا التعليم الذي علّمه الرسل الأوائل؟ ولماذا لم يدوّن لنا البشير لوقا الخطوط العريضة لهذا التعليم؟

لا توجد في العهد الجديد أية إجابة مباشرة عن هذه التساؤلات. لكننا نقول بكل تأكيد أننا نستطيع أن نستنتج مبادئ هذا التعليم من خلال عظات الرسل الأوائل التي دوّنها لنا سفر الأعمال، ومن خلال رسائل العهد الجديد. وبإمكاننا أيضًا تحديد بعض خصائص هذا التعليم بما يلي:
أولًا: أنه تعليم جديد، إن مجرد ذكر تعبير «تعليم الرسل» يعني بكل وضوح أن الروح القدس أعلن للرسل الأوائل تعليمًا أو فهمًا جديدًا لعمل الله من خلال المخلّص يسوع المسيح. فالرسل الأوائل وحتى حلول الروح القدس عليهم، لم يكونوا يدركون الغاية من موت المسيح الكفاري وقيامته الظافرة، وماذا تعني؟ وما علاقتها بالعهد القديم؟ وماذا يعني مفهوم ملكوت الله كما بشّر به الرب يسوع المسيح؟ وما علاقة كل ذلك بنبوءات العهد القديم، ومفهوم شعب الله؟ لقد حصل تبدُّل جوهري في تحقق إعلانات الله للبشر من خلال المسيح، ولهذا كان على الروح القدس أن يعلن للتلاميذ والرسل الأوائل خطّة الله الواضحة. وكان عليهم بالتالي أن يبدأوا تعليمًا جديدًا بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وهو الذي أطلق عليه سفر أعمال الرسل بـ «تعليم الرسل». وهذا التعليم هو إنارة روحية كاملة، بدّل مفاهيم الرسل الأوائل اليهودية الضيقة، وقلَبَها مئة وثمانين درجة. وأحلّ مكانها مفاهيم العهد الجديد الروحية الصحيحة. ولعل الأمر الملفت للانتباه هو أن لوقا لم يذكر هنا أنهم كانوا يواظبون على تعليم يفسّر التوراة وسفر المزامير وكتب الأنبياء، بل على «تعليم الرسل».

ثانيًا: أنه تعليم مسيحي صرف، يستند على العهد الجديد الذي أقامه الرب يسوع المسيح. إن هذا التعليم هو تعليم مسيحي صرف، بُني على أسس جديدة روحية واضحة، يختلف بالكلية عن تعاليم العهد القديم، لكنه في نفس الوقت يعلن التحقق الكامل لإعلانات الله في العهد القديم. أجل هذه هي المعادلة الصعبة التي كان يجب على الرسل الأوائل أن يحلّوها ويقبلوا بها. فبالرغم من أنَّ هذا التعليم يختلف عن تعاليم العهد القديم، لكنه في نفس الوقت يعلن تحقُّق وعود الله الكاملة التي أُعلنت في العهد القديم. ولهذا نجد أن الرسل الأوائل لم يقتبسُوا آيات العهد القديم فحسب، لكنهم أعادوا صياغتها وتفسيرها بقالب جديد. وإن سفر أعمال الرسل، ورسائل العهد الجديد مليئة بالشواهد التي تؤكد هذه الحقيقة. وهنا نأتي إلى نقطتنا الثالثة وهي:
ثالثًا: بعض ملامح تعليم الرسل، سأحاول أن أقتبس بعض المقاطع من عظات الرسل الأوائل في سفر أعمال الرسل، التي كشفت لنا بعض ملامح هذا التعليم. فقد أعلن الرسول بطرس من خلال موعظته الشهيرة في يوم الخمسين، تحقق نبوءة النبي داود أن من ثمرة صُلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيّه. تحققها من خلال قيامة المسيح، وصعوده حيًّا إلى السماء، حيث جعله الله ربًا ومسيحًا. وبتعبير آخر أعلن الرسول بطرس أن المسيح قد جلس فعلًا على كرسي الملك داود، وبطريقة غير متوقعة في نص النبوءة (راجع أعمال الرسل 29:2-36).

وفي مكان آخر أعلن الرسول بطرس بكل وضوح أن «جميع الأنبياء من النبي صموئيل فما بعده سبقوا وأنبأوا بهذه الأيام»-أي أيام العهد الجديد، عصر المسيح. وأضاف قائلًا: «أنتم أبناء الأنبياء والعهد الذي عاهد به الله آباءنا قائلًا لإبراهيم وبنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض. إليكم أولًا إذ أقام الله فتاه يسوع أرسله يبارككم برد كل واحد منكم عن شروره» (أعمال الرسل24:3-26). هنا نجد مثالًا آخر من تعليم الرسل بالإعلان أن الله كما وعد إبراهيم، قد بارك جميع قبائل الأرض بقيامة المسيح. وليس هذا فحسب بل إن الله بارك شعبه القديم، وحررهم من الشرور، بواسطة إرساله للمسيح، وإتمامه لعمل الفداء.

أما الرسول بولس فبعد أن أعلن أنه «من نسل هذا –أي داود- حسب الوعد أقام الله لإسرائيل مخلصًا يسوع» عاد وأكد «ونحن نبشّركم بالموعد الذي صار لآبائنا إن الله قد أكمل هذا لنا نحن أولادهم إذ أقام يسوع كما هو مكتوب أيضًا في المزمور الثاني أنت ابني أنا اليوم ولدتك. إنه أقامه من الأموات غير عتيد أن يعود أيضًا إلى فساد، فهكذا قال إني سأعطيكم مراحم داود الصادقة» (أعمال الرسل23:13، 32-34). يؤكد هنا الرسول بولس أن الله قد خلّص إسرائيل عن طريق مجيء المسيح. وأن المواعيد القديمة قد تمّت كلها بقيامة المسيح، وتحققت بالتالي مراحم داود الصادقة.

وماذا نقول عن الرسول يعقوب الذي أعلن في المجمع الكنسي الأول الذي عُقد في أورشليم، وكان مخصصًا لبحث موضوع: إن كان يجب على المؤمنين الأمم أن يختتنوا أم لا؟ إذ صرّح قائلًا: «الله افتقد أولًا الأمم ليأخذ منهم شعبًا على اسمه. وهذا توافقه أقوال الأنبياء كما هو مكتوب: (وهنا اقتبسَ من نبوءة عاموس) «سأرجع بعد هذا وأبني أيضًا خيمة داود الساقطة وأبني أيضًا ردمها وأقيمها ثانية. لكي يطلب الباقون من الناس الرّب وجميع الأمم الذين دُعي اسمي عليهم يقول الرب الصانع هذا كلّه»(أعمال الرسل14:15-17). هنا نجد مرة أخرى مثالًا واضحًا كيف أكّد الرسل الأوائل أولًا على حقائق العهد الجديد، ثم اقتبسوا نبوءات العهد القديم بصياغة جديدة، وفسّروها بشكل يتناسب مع هذه الحقائق. فها هي خيمة داود الساقطة تُبنى، وبطريقة لم يكن أحد يتوقعها، عن طريق قبول الله للأمم ورجوعهم إليه.

هذا غيض من فيض من «تعليم الرسل»، لعلّ السؤال الآن: ماذا نلاحظ من كل هذه الاقتباسات من تعليم الرسل؟ وهنا نأتي إلى النقطة الرابعة وهي:
رابعًا: العامل المشترك في تعليم الرسل، نلمس في هذا التعليم دور الروح القدس الواضح الفعّال، الذي حلّ على الرسل الأوائل في يوم الخمسين. وأن جميع الرسل بدون استثناء أكدوا على حقائق العهد الجديد التي تجلّت في موت المسيح وقيامته وصعوده وجلوسه عن يمين الله الآب. وفي نفس الوقت أعادوا صياغة وتفسير آيات العهد القديم بقالب جديد، يتناسب ومفاهيم هذا العهد الجديد. وأعلنوا أن الله قد حقّق وأتمّ كل ما وعد به في العهد القديم. وقدّموا لنا بذلك الأساس الصحيح لفهم العهد الجديد. وهذا يؤكد حقيقة هامة وهي: أننا يجب أن نفسّر العهد القديم على ضوء حقائق العهد الجديد وليس العكس.

هذه هي بعض ملامح «تعليم الرسل» التي اكتشفناها من خلال دراستنا. فلم يعد إذن هذا التعليم سرًا غامضًا، لكننا نستطيع الكشف عن الكثير من مضامينه، ومعرفـة الأسـلوب الذي قدّم فيه هؤلاء الرسل تعليمهم الجديد هذا. والذي على أساسه أيضًا بُنيت الكنائس في العصر الرسولي الأول. فهل ترانا نقتفي آثار الرسل في سبر أغوار إعلانات الله كما جاءت في الكتاب المقدّس؟

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا