قبل أيام كنت أقِلُّ معي في السيارة الطفل سامي، طفل بعمر الخامسة، أعتبره من أنغش الاطفال كلامًا، إبتسامة وتعبيرًا، ولأسباب معينة أخذته الى المدرسة يومين متتاليين، وفي كل مرة جعل صباحي مبستم.
فسألني يومًا: من مات أولاً يسوع أم مريم ؟
قلت: يسوع مات قبل أمه القديسة مريم لكنه قام، وهو اليوم حي وموجود.
فتدخلت ابنتي وهي اكبر سنًا منه لتقول: أنه يراك ولكنك لا تراه.
فقال سامي: لا، بل أنا أراه.
فسأله أخاه: كيف؟
قال بثقة: أنا آراه لأنه موجود في كل مكان..
ثم سكت قليلأ ليفكر، فسبقته وقلتُ: نعم أنه موجود في كل مكان ويراك أينما تكون...
فسألني: هل ليسوع أعين كبيرة جدًا؟؟!

أضحكني سؤاله بشدة، وضحك باقي الاولاد الحاضرين. ولكنني قلت له: هو يراك أينما كنت، لأنه إله، ويصعب علينا أن نفهم هذا صغارًا كنّا أم كبار.

بقدر ما جعلني أضحك بقدر ما جعلني أفكر، فتذكرت قصة كنت قد قرأتها يومًا عن القديس اوغسطينوس الذي كان يمشي على شاطيء البحر يفكركيف له أن يفهم عقيدة الثالوث ليستطيع شرحها للآخرين بشكل منطقي. فرأى طفلة تحمل كأسًا، تأخذ ماء من البحر وتضعه في حفرة كانت قد صنعتها في الرمال. فسألها اوغسطينوس: ماذا تفعلين؟ فأجابت: أريد أن أضع البحر في الحفرة؟ فقال لها: كيف يمكنك أن تنقلي البحرالكبيرفي كأس كبيرة إلى في حفرة صغيرة؟
فأجابته: كيف لك إذًا أن تفترض أنك بإستخدام عقلك الصغيرستفهم عظمة الله. بعدها أختفت الطفلة...

نعم إن عظمة الله أعظم من أن يفهمه عقلنا البشري، فهو الاله!

فكم نحن في حوج الى أن نبدأ مع أولادنا منذ نعومة أظافرهم، في طرح مواضيع كتابية روحية بشكل مبسط لتستوعبه عقولهم لينموا بالمعرفة وتغرس الكلمة في عقولهم وقلوبهم، ليستخدموا كلمته سلاحًا لهم عند نضوجهم وفي شبابهم. فكلنا واجهنا أسئلة ذكية من أطفالنا، وأحيانًا كثيرة لم نستطع أن نجيبها لبساطتها وصعوبتها في آن واحد.

وقد راقني كتاب كتبه القس د. حنا كتناتشو باسم " ملك السلام وأتباعه الصغار" و من أصدار دار الكتاب المقدس في الناصرة. فالكتاب شيّق للأطفال والصغار، ولا أبالغ كثيرًا إن قلت للكبار أيضًا، ففهرس الكتاب يطرح مواضيع تستطيع أن تكون بكل سهولة فهرس لكتاب للبالغين، فهذه كانت أول ملاحظة لي عندما فتحت الكتاب. فالكتاب يطرح مواضيع مثل السلام مع الله، حل النزاع، التسامح، السلام وقبول الآخر، المصالحة، الحرب والسلام السلام في البيت والكنيسة، ومواضيع أخرى، يطرحها بإستخدام قصص من الحياة اليومية، تشعرأنها حقيقية، لا مبالغة بها، جريئة، وتتكلم ببساطة لتطرح مواضيع صعبة مثل العلاقة بين طفل عربي وطفل يهودي، السلام بالبيت فيحكي قصة خلاف بين زوجين يوتر بالبيت ثم يهدأ.. حكايات من واقعنا، تصل الى عقول الأطفال بسهولة، محاولة منه أن يصل بها إلى قلوبهم أيضًا. ولم يكتف بذلك فأضاف الى كل قصة من الحياة، حادثة من الكتاب المقدس ملائمة للموضوع ذاته. لا أستطيع أن لا أذكر أنّ شكل الكتاب جميل وجذّاب وذو جودة عالية طباعة وتصميمًا. أشكر الرب على هذه المبادرة، التي تجمع بين المساهمة في تشجيع الصغار على المصالحة وصنع السلام، وتقريب قلوب الأطفال الى عظمة ما تطرحه كلمة الله من حلول لقضايانا اليومية، وأصلي أن يكون بعدها الكثير.

قد يظن البعض أنَّ الإيمان والاهتمام بالروحانيات، هي أمور تخص الضعفاء، لأن لا حاجة للتفكير بها، فهي كلها مسلمّات. ولكن الكثيرمِن مَن تعمق وبحث في معرفة حقيقة عظمة الله وكلمته ودرسها، تحوّل هذا الفهم والادراك الى ايمان راسخ بهذه العظمة التي يصعب استيعابها، فكم من باحث كان يحاول أن يثبت عدم وجود الله، أتضح له العكس من خلال بحثه، ليؤمن بالله من خلال إدراكه لعظمته. فكم بالحري حين نبدأ مع أولادنا منذ صغرهم بتقريب الله الى عقولهم وقلوبهم، فحينها لا نعجب عندما يقول لنا طفلنا أنه يستطيع أن يرى يسوع من غير أن يستطيع تفسير ذلك مثل ما قال لي سامي، فهو مؤمن ومدرك بوجوده وعظمته، يشعر به و حتى أنه يراه!

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا