كثيرًا ما نسمع قادة الكنائس التقليدية يقولون: “نحن الكنيسة الأم"؛ "نحن أقدم كنيسة"؛ "نحن الكنيسة الأولى، كنيسة الرسل"؛ وعبارات أخرى مشابهة. لقد اختلفت الكنائس التقليدية أو كما يسميها البعض بـ"الرسولية"، في من هو الأول بينهم؟ ومن الذي عنده الإيمان الصحيح؟. فالكنيسة الأوثوذكسية تعتقد أن الكاثوليكية انشقت عن الإيمان الصحيح سنة ١٠٥٣ م، آخذين توجه عقائي خاطئ فيما يخص قيادة الكنيسة وانبثاق الروح القدس. أما الكنيسة الكاثوليكية، فتؤمن أن كنيستها هي الكنيسة الأولى، وذات الإيمان الصحيح، كنيسة بطرس التي أسسها المسيح، والكنيسة الأرثوذكسية هي التي انشقت عن قيادتها في نفس السنة. في نفس الوقت، تعتبر الكنيستين، الكاثوليكية والأرثوذكسية معًا، أن الكنائس: القبطية، الحبشية، الأرمنية والسريانية، كنائس ليست أرثوذكسية، وتسمى مونوقبزية (لا خلقيدونية)، اي أنها انشقَّت ولم تستمر في مجمع خلقيدونية، سنة ٤٥١، والمجامع التى بعده؛ طبعًا دون أن تؤمن تلك الكنائس بصحة هذا الاعتقاد. فيما تؤمن الكنائس اللوثرية، والكنيسة الأسقفية (كنيسة أنجلترا) والكنائس الحرة (الإنجيلية)، بأن كنائسها رسولية، لأنها تبعت تعاليم الرسل التي تشوهت على مر التاريخ.

فمن هي الكنيسة الأم إذًا؟ وهل أصلاً تلك التسمية هي من الله، أم من ابتداع البشر؟

لقد ختم الوحي الأصحاح ١٩ من متى، بحوار يناقش فيه الرسل الأولون عن مكانتهم الأرضية (عدد ٢٧)؛ فيقول لهم يسوع، إن مكانتهم سماوية وليست أرضية (عدد ٢٨)؛ لكنه أيضًا يعدهم بإثمار أرضي، ويختم بآية: “٣٠ وَلَكِنْ كَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ وَآخِرُونَ أَوَّلِين."
حالاً بعدها، وبخصوص نفس الموضوع، يشاركهم المسيح بقصة تُعبر بوضوح عن طريقة تفكير الله وخطته من جهة السناريو الكنسي من يوم المسيح، إلى يوم رجوعة على الأرض. هذا السناريو موجود في قصة الذي استأجر فعلة ليعملوا في كرمه، متى ٢٠:

" ١ فَإِنَّ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ خَرَجَ مَعَ الصُّبْحِ لِيَسْتَأْجِرَ فَعَلَةً لِكَرْمِهِ 2 فَاتَّفَقَ مَعَ الْفَعَلَةِ عَلَى دِينَارٍ فِي الْيَوْمِ وَأَرْسَلَهُمْ إِلَى كَرْمِهِ."
لقد استأجر رب البيت فعلة في أول الصباح أي الساعة السادسة صباحًا. واستأجر فعلة أيضًا الساعة الثالثة (أي التاسعة صباحًا- عدد ٣)؛ وعمل نفس الشيء الساعة السادسة والتاسعة، أي الثانية عشر ظهرًا، والثالثة بعد الظهر (عدد ٥). أيضًا عمل نفس الشيء الساعة الحادية عشر، أي الخامسة مساء (عدد ٦)؛ ووعدهم أن يعطيهم ما يحق لهم (عدد ٧). جدير بالذكر أن نهاية يوم العمل على زمن المسيح كان الساعة السادسة مساءً. أي أن العمال كانوا يعملون إثني عشر ساعة، من السادسة صباحًا إلى السادسة مساءً.

في هذه القصة نرى الكثير من الأمور، الهامة التي يجب أن نتعلمها عن نظرة رب الكنيسة، يسوع المسيح، لكنيسته وملكوته.

١- يبدو أن السيد عنده يوم واحد فقط ليُكمل العمل:
لقد طالما سألت نفسي، لماذا يستأجر أي رجل عاقل فعلة لساعة واحدة فقط، ويعطيهم نفس الأجرة التي يأخذها العامل في يوم؟ ألا يمكن أن يُكمل عمله في الغداة؟ لكن من القصة نلاحظ أن السيد يوجد عنده يوم عمل واحد فقط، يجب أن يُكمل فيه العمل.

٢- نرى أنه دائمًا على استعداد ليستخدم العمال البطالين المستعدين:
لقد كان الدافع الذي يحركه كما قلنا أن عنده يوم واحد لإنهاء العمل؛ لكنه أيضًا كان يتحنن على العمال الباطلين. هو يريد أن يستخدم كل إنسان ليعمل بكرمه؛ إذا كان واقفًا في السوق متأهبًا ومستعدًا للعمل في ملكوت الله.

٣- نرى في طبيعته أنه هو قائم على العمل بنفسه:
لا نرى بالقصة أنه أقام أوصياء على العمل في الكرم، بل كان هو قائم على عمله وكرمه بنفسه. هذا يتضارب مع الفكرة السائدة عند الكنائس "الرسولية"، أنهم أصحاب المفاتيح لاستخدام الله لأي شخص، ويجب على كل إنسان أن يمر من خلال سلطتهم لكي يعمل في كرم الرب.

٤- لم يظهر رب البيت أي تمييز للذين كانوا منذ البداية:
أيضًا نرى من خلال القصة أنه لم يُظهر أي تمييز للذين بدأوا العمل معه من الساعة الأولى من النهار؛ بل أعطى الجميع نفس الأجور. وبحسب العدد ٧، لقد أعطى الجدد ما يحق لهم بحسب عدالته وحكمته ونظرته الإلهية.

٥- الضوء مُسَلط ليس على العمال، بل على الرب الذي يختار:
أيضًا نرى التركيز في القصة ليس على العمال الأولون، ولا على أعمالهم، ولا على العمال الآخرون؛ بل على الرب الذي يختار العمال ليعملوا، ويُكملوا العمل. ولم يقبل الرب أي تذمر من الأولون على تصرفه بإعطاء العمال الجدد كالقدامى.

في النهاية أقول للكنائس “الرسولية”، إن الرب عنده عمل يجب أن يتم قبل أن ينتهي النهار؛ عنده محمد وأحمد وعلى ومصطفى... من هذه الأرض معدين للخلاص. فإن لم تتحركوا، سيختار الرب عمال آخرين ليتمموا العمل؛ وحتى في آخر ساعة من النهار. سوف لا ينفعكم تذمركم أبدًا، لأنكم لستم أنتم أصحاب العمل، ولا أنتم مركز اللوحة الكنسية، بل الرب الذي يختار. وأقول أيضًا للكنائس الإنجيلية، لا تفتخروا على الكنائس التاريخية، ظانين أنكم وحدكم عندكم الاستنارة الروحية. إن وجودكم اليوم، سببه الشهادة التي حملتها تلك الكنائس على مر العصور إلى هذا اليوم. لا تفتخروا عليها؛ بل تعاملوا معها بمحبة واحترام وانكسار؛ ولا تنسوا أنه "هَكَذَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْكُمْ. لَكِنِ اغْتَسَلْتُمْ بَلْ تَقَدَّسْتُمْ بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلَهِنَا." (١ كورنثوس ٦: ١١)، ليس لكي تفتخروا، بل لكي تمجدوا الرب الذي اختاركم، وقدسكم، ودعاكم لتعملوا في كرمه... من له آذان للسمع فليسمع.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا