إن حياتنا على الأرض مُرتَّبة ومحاطة بعناية إلهية دقيقة وعظيمة وحكيمة، من قِبَل الله. فكل ما نجتازة هو ليس صدفة، بل يد الله محيطة بجميع الأحداث وعالمة بها، ولها القصد أن تحولها لخيرنا ولمجد إلهنا المجيد، إذا أردنا هذا.

سنتناول هذا الموضوع من خلال قصة يوسف من سفر التكوين؛ فنحن نعرف كيف أن أخوة يوسف غدروا به، وأرادوا به شرًا، وتعذب كثيرًا في حياته. لكن بالرغم من هذا وبالرغم من شر أخوته، لقد حقق الله أرادته الصالحة في حياة يوسف؛ كما قال لأخوته:
"انتم قصدتم لي شرا. أما الله فقصد به خيرا لكي يفعل كما اليوم. ليحيي شعبا كثيرا.” تكوين ٥٠: ٢٠.

من خلال قصة يوسف، نكتشف أنه يوجد في حياة الإنسان المؤمن ثلاثة أنواع من الأحداث:

١- أحداث يفعلها البشر، حول المؤمن، كنتيجة للإرادة الحرة التي وهبهم إياها الله، ومنها الصالح ومنها الشرير.
٢- وأحداث يفعلها الله مرافقة لأعمال البشر، ليستطيع أن يحقق إرادته في حياة المؤمن، بالرغم من "التخبيص" البشري وحروب الشيطان.
٣- أحداث أفعلها أنا، من جهة الأحداث التي تحدث بواسطة البشر والرب، والتي ممكن أن ينتج عنها: إمَّا تحقيق إرادة الله في حياتي، أو رفض إرادة الله لحياتي.

فيما يلي لمحة عن النقطة ١ و٢؛ وكيفية تعامل الله مع الأعمال التي عملها البشر في حياة يوسف، لكي يحقق في النهاية إرادته هو في حياته.

لقد أخطأ أخوة يوسف بأنهم أرادوا قتله، لكن الله قد حثَّ رأوبين بأن يشير عليهم بأن لا يقتلوه، لكي ينجيه فيما بعد؛ واقترح بأن يطرحوه في البئر. أما الله، فبحسب معرفته السابقة بهذا، قد رتب بأن تكون البئر فارغة من الماء ليحافظ على حياة يوسف (٣٧: ١٨-٢٤)؛ أيضًا قد رتب الله بأن تمر بالتوقيت المناسب قافلة من الاسماعيليين، نازلة إلى مصر لكي يباع يوسف إليهم، ولا ينجح أخوه رأوبين بإنقاذه من البئر (٢٥-٣٠). فباعه أخوته بدمٍ بارد لتلك القافل بعشرين من الفضة، لكن الله رتب بأن يباع يوسف لفوطيفار خصي فرعون، وليس لأي إنسان آخر (٣٩: ١). وفي بيت فوطيفار، دفع الشرير امرأته لتبتلي يوسف وتتهمه زورًا، لأنه رفض أن يخطئ إلى الله ويضطجع معها، فأدخل فوطيفار يوسف السجن (٣٩: ٧-٢٠)، لكن الرب رتب بأن يُدخِلَه للسجن الذي كان أسرى الملك محبوسين فيه (٢٠)؛ وبسط الله لطفًا ليوسف أمام رئيس السجن (٢١). وبعدها أذنب الخباز وساقي الملك إلى الملك، فزجهم في نفس السجن، لكن الله جعلهما يحلمان أحلامًا لكيما يجعل يوسف يُفسرها لهما (٤٠: ١-٢٢). فبالرغم من أن يوسف طلب إلى رئيس السقاة بأن يذكره للملك عندما يُرجعه (١٤)، لكن الله جعله ينساه لمدة سنتين (٢٣)، إلى أن حَلُمَ فرعون حلمًا أزعجه، فدعى جميع السحرة لتفسيره ولم يستطيعوا (٤١: ١-٨)؛ فرتب الرب بأن يتذكر رئيس السقاة يوسف ساعتها فقط، ليفسر للملك حُلمه (٩-١٣)؛ فجعل الله فرعون يحضر يوسف ليفسر له حُلمَه، فيرتب الرب بأن يعينه فرعون الثاني في مملكته (٣٧-٤٤)...إلخ. كل الأحداث التي حدثت في حياة يوسف كانت محاطة بإصبع الله القادر أن يحقق إرادته دائمًا مهما قاوم البشر والشيطان؛ كما يُعَبِّر تقرير الوحي عن الأحداث ويقول:

" ١٦ دَعَا (الله) بِالْجُوعِ عَلَى الأَرْضِ. كَسَرَ قِوَامَ الْخُبْزِ كُلَّهُ. 17أَرْسَلَ أَمَامَهُمْ رَجُلاً. بِيعَ يُوسُفُ عَبْداً. 18 آذُوا بِالْقَيْدِ رِجْلَيْهِ. فِي الْحَدِيدِ دَخَلَتْ نَفْسُهُ 19 إِلَى وَقْتِ مَجِيءِ كَلِمَتِهِ. قَوْلُ الرَّبِّ امْتَحَنَهُ. 20 أَرْسَلَ الْمَلِكُ فَحَلَّهُ. أَرْسَلَ سُلْطَانُ الشَّعْبِ فَأَطْلَقَهُ. 21 أَقَامَهُ سَيِّداً عَلَى بَيْتِهِ وَمُسَلَّطاً عَلَى كُلِّ مُلْكِهِ 22 لِيَأْسِرَ رُؤَسَاءَهُ حَسَبَ إِرَادَتِهِ وَيُعَلِّمَ مَشَايِخَهُ حِكْمَةً. 23 فَجَاءَ إِسْرَائِيلُ إِلَى مِصْرَ وَيَعْقُوبُ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ حَامٍ." مزمور ١٠٥.

لكن المهم في الموضوع هو تجاوب المؤمن مع تلك الأحداث (النقطة ٣)، وهل سيسمح المؤمن لله بأن يحقق إرادته في حياته أم لا، بالرغم من الآلام والصعوبات؟
بكلمات أخرى، أنا وحدي الذي في يدي القرار بأن يجري الله إرادته في حياتي أم لا. لا يستطيع، أي إنسان أو شيطان، أن يمنع دعوة الله لحياتي أبدًا. فالمسئول عن تحقيق دعوة الله لي هو أنا فقط، فلست دائمًا أسمح لله بأن يحقق إرادته في حياتي. فلقد استطاع أن يمارس يوسف دعوته في بيت أبيه، وفي بين بوطيفار، وفي السجن، وبعدها في بيت فرعون أيضًا وكان دائمًا ناجحًا في كل مكان وُضع فيه. كما قال بولس عندما كان سجينًا وأسيرًا أن "...لكن كلمة الله لا تُقيَّد" (٢ تيمواثاوس ٢: ٩)؛ أي أن السجن لا يقدر أن يقيد دعوة الله لبولس ولكل مؤمن يريد إرادة الله في حياته.

كثيرًا ما أسمع مؤمنين يقولون: “إن الخادم الفلاني أعاق دعوتي، ولم يعطيني فرصة لممارسة مواهبي؛ فهو المسئول عن ضعفي وضياعي الروحي...إلخ.”، إن هذا التصور ليس دقيقًا بحسب كلمة الله، فالمؤمن هو المسئول الوحيد عن تحقيق إرادة الله لحياته. نعم ممكن أن يؤثر الناس الذين حولنا علينا سلبًا كما أثر أخوة يوسف عليه، هذا صحيح؛ لكن نحن الوحيدين الذي بيدنا إيقاف أو تحقيق إرادة الله في حياتنا. فأقول لذلك المؤمن:

إتبع الله بأمانة وثق بمحبته لك كيوسف؛ سلم أمور حياتك له؛ تعلم الانتظار؛ والرب قادر أن يحول في لحظات وضعك من السجن إلى المُلك كيوسف. أنت تتبع إلهًا حيًّا حاملاً جميع الإشياء بكلمة قدرته.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا