في ليلة شديدة الحرارة خرجت من غرفتي لأروّح عن نفسي، فرأيت شابًا أسمر اللون أجنبي الملامح ووقفت أتجاذب معه أطراف الحديث. تعرفنا على بعضنا واذا هو مؤمن بالمسيح يتعلّم في احدى المدن الأوروبيّة، شكرنا الرب لأجل المسيح وخلاصه لنا وكوننا عائلة واحدة في شخصه.

هكذا وخلال دقائق شعرنا اننا نعرف بعضنا من سنين وتعمّقنا في الحديث حول الحياة الكنسية. سألني عن أحوال كنيستي المحليّة فأجبته:

- نشكر الرب، إننا حقاً في واحة خضراء وسط صحراء قاحلة هي العالم الحاضر الشرير. أحاول المواظبة على الإجتماعات، فرغم أنني أسكن بالقرب من المكان، فكثيراً ما أصل متأخراً.
- لماذا؟ هل هناك مشاكل في المواصلات العامة؟
- أبدًا، لدينا سيارة، لكن الحياة عندنا صعبة ومتطلباتها كثيرة.
- وهل يتأخر الكثيرون أيضاً عن إجتماعات الكنيسة؟؟
- البعض.. لكن أنا شخصيّا لا أحب الإندفاع فاذا وصلت متأخراً لإجتماع الشباب مثلاً أطلب ترنيمة وربما أشارك في موضوع الدراسة باختصار.
- آه.. آه .. جيد أنك تعطي مجالاً لمن لم يأتِ متأخراً !!!
- طبعًا طبعًا، الذوق مطلوب، خصوصًا إن كان الشخص يعرف ما يقول.
- لم أفهم ما تقصده!
- عندما يشارك مثلاً الأخ المسؤول عن التبشير يجب أن نسمعه، فهو الوحيد تقريبًا الذي يقوم بالخدمة ويعرف إحتياجات الصلاة للموضوع.
- أي أنه يزور البيوت ويكرز بالإنجيل وأنتم فقط تصلّون لأجله!!
- لماذا تقول فقط؟ الصلاة هامة، لكن كل واحد وموهبته. المهم يا أخي أننا كلّنا نعرف الحق ونتمسك بتعليم كلمة الله، فلسنا مثل الناس الأشرار الذين حولنا، أليس كذلك ؟؟
لم يُجِب الأخ ولم أفهم لماذا حلّ صمتٌ مُطبِق لعدة دقائق، عادَ هو بعدها وسألني عن مؤتمرات الكنيسة.
- مؤتمرنا السنوي على الأبواب، فبعد اسبوعين سنكون جميعًا في فندق "الملك".
- أين يقع هذا الفندق؟
- هو فندق معروف في مدينة نتانيا الساحلية الساحرة. أردنا الإبتعاد عن منطقة الجليل لنتفادى صواريخ الكاتيوشا، فتّش الإخوة المسؤولون عن مكان آخر فلم يجدوا غيره سوى فندق آخر ليس فيه تكييف جيد. تصوّر، كيف يمكن أن ننام بدون تكييف؟! تعوّدنا على مستوى حياة عالٍ ومن الصعب أن نتنازل عنه. من ناحية أخرى، فالرب نفسه يدعونا ملوكًا ونستحق أن نقيم في فندق الملك.
- آه.. (بلع ريقه) يبارككم الرب. ماذا ستدرسون في المؤتمر؟
- لا أذكر، فالحقيقة ان أكثر ما يهمّني هو الشركة، فأنا مشتاق لإخوتي المؤمنين الذين لم أرهم من مدّة. أحب أن أسمع أخبارهم خاصةً ونحن نتناول الطعام الفاخر وكذلك في السهرات الحلوة التي تمتد حتى ساعات الليل المتأخّرة. نتحدّث عن الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والسياسية ونتطرّق أحيانًا للكتاب المقدّس.
- الشركة حلوة، لكن كيف تصلّون وتنتبهون إلى تفاصيل الخدمة الصباحيّة وأنتم شبه نائمين ؟
- يمكننا الصلاة لاحقًا ومواضيع الدراسة يا أخي معروفة ويمكن قراءتها في الكتب وسماعها في المواقع الإلكترونية، أمّا الجلسات الحبيّة فلا تعوّض ... على فكرة، لم أسألك بعد عن أحوالك، أعذرني .
- أنا من بلد أفريقي يدعى توغو، هل سمعت عنه ؟
- أكيد، فقد تابعت كل العاب المونديال وأنتم لعبتم جيدًا. كيف أحوال الإجتماعات لديكم؟
- شكرًا للرب، عندنا إجتماع محلّي مبني من الخشب والقش والرب باركنا مؤخرًا بسطح من الصفيح، الجو حار جدًا لكنه من بركات الله التي لا نستحقها. صدّقني، من الترنيمة الأولى نكون متمتعين بحضور الرب فلا نعود نتأثر بالظروف المحيطة.
- عندكم مسؤول عن التبشير مثلنا؟
- نعم، تحضّر لجنة التبشير برامج عديدة ومناسبة لطبقات المجتمع المختلفة، وكل عضو في الكنيسة يشارك في إحداها بارشاد ومشاركة الخدّام المتمرّسين في الكرازة. يطردوننا أحيانًا من البيوت ومنّا من تبرأت قبيلته منه، لكنه ثمن إتّباع السيّد. من ناحية أخرى، هناك بركات ونفوس كثيرة تتعرّف على الرب، ففي السنوات الأخيرة تضاعف تقريبًا عدد المؤمنين في كنيستنا.
جحظت عيناي وسكتّ قليلاً وأنا منبهر من بساطة إيمانهم ونشاطهم الروحي، ثم سألته عن المؤتمرات، فأجاب:
- يا أخي الحبيب، أصلنا من تراب الأرض ونصيبنا في أمجاد السّماء، لذلك ففي أي مؤتمر نكون فيه ننتظر طعام السّماء من دسم كلمة الله ومن ناحية طعام أجسادنا نأكل من نتاج الأرض شاكرين. صّدقني يا محبوب أنّ تعزيات الله ليست قليلة، ودائمًا نعود من المؤتمرات ونحن مملوئين بالكلمة المقدّسة وقلوبنا فائضة بالشكر . لدينا هناك فرص صلاة كثيرة وكذلك شركة محبة مع القدّيسين، وهكذا لا يهمنا كثيرًا أين وكيف ننام فسيّدنا لم يكن له أين يسند رأسه !!

رغم طلاقة لساني، تعثّرت الكلمات في فمي فلم تستطع الخروج وشعرت بالكتيوشا قد أصابت قلبي إصابة مباشرةً، لكنها كانت كتيوشا من نوع آخر، تلك التي تهزّ الضمير وتوقظ الذهن الروحي وتحرّك المشاعر المقدّسة لمجد الله.
وأنسكبت الدموع من مقلتيّ وشكرت الرب لأنه حماني وأخوتي من الكتيوشات القاتلة وسيّج بعنايته حول بيوتنا وكل ما لنا .
لكن ومن أعماق القلب صليت طالبًا أن يصيب كل واحدٍ منّا بالكتيوشا الاخرى لنستيقظ ونعيش للرب كما يريد هو .... تبارك إسمه .

*عانى سكان الجليل على الأخص من هجومات صاروخية مكثّفة في صيف 2006 حيث تكرّر هذا التعبير مرارًا، لكني رأيت في ضعفي أن أستخدمه للبناء لا للهدم .

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا