مع انقضاء شهر آب يتنفس الأهل الصعداء، إذ أضحت السنة الدراسية الجديدة على الأبواب. بهذا تكون قد ولّت أيام الصيف عملياً (مع أنها رسمياً توّدعنا في الثُلث الأخير من أيلول).مرّت أوقات اللهو، الاستجمام والسفر كلمح البصر.

انقضت ساعات النوم حتى الظهيرة والسهر الطويل دون رقيب. لسان حال الأهل يقول:"عدنا والعود أحمد".

يتأفف الأهل خلال الصيف لكثرة المشاحنات بين أولادهم ولصعوبة ضبطهم، ولكن الأسارير فُرجت إذ سيعود هؤلاء لمدارسهم. هناك سيتولى المعلمون الإبطال من أصحاب المعاشات الضخمة الاهتمام بشؤونهم، ضبطهم مع 35 طالباً إضافيا على الأقل في الصف، تدريسهم، تهذيبهم وتربيتهم. بعدها تُرجع المدرسة الأمانة للأهل في نهاية المشوار وقد اضحى هؤلاء مواطنين صالحين، متعلمين وأصحاب أدب وذوق وحتى إيمان!

يد واحدة لا تصفق
 سُمي الرب يسوع "المعلّم" وبذلك كرّم هذه المهنة خير إكرام. رفعها الرب لتكون بمثابة رسالة سامية. المعلم الذي يقضي آلاف الساعات مع طلابه يستثمر فيهم ويضع بصمته على حياتهم- شاء ذلك أم أبى. شخصية المعلّم وقيمه وأخلاقه تؤثّر على طلابه. فالطالب يتوق للتمثل بنموذج لشخص بالغ – وبهذه الحالة: المعلم أو المعلمة هم المثال.

حري بنا كمؤمنين مسيحيين أن نستخدم سلاح الصلاة ونطلب معونة وإرشاد الرب لمعلمي أولادنا في المدارس المسيحيّة أو الاعتيادية لتأثير هؤلاء على فلذات أكبادنا. سنيهم في المدارس سيكون لها ابعد الأثر على حياتهم حتى الممات -وكما قال الحكيم سليمان: "ربّ الولد في طريقه فمتى شاخ أيضا لا يحيد عنه" (أمثال 22 :6).

إن واجب التربية لا يقتصر على المدرسة فتعاون الأهل ضروريّ ويتوجب على الأهل المؤمنين مراقبة ما يتعلق بحياة أولادهم في المدرسة من النواحي التعليمية، التربوية والاجتماعية. كما من الحيوي أن يقوم الأهل بعرض المساعدة على المدارس، التطوع فيها لبرامج مختلفة والدعم والمساهمة -إن تيّسر ذلك.

التعليم كرافعة لخدمة الكنيسة
مع افتتاح السنة الدراسية نتأمل في الصورة الكبيرة من حيث مستوى التعليم والعلاقة مع الرسالة الروحية للكنيسة في بلادنا. ويحضرنا أن العرب المسيحيين يشتهرون في الشرق ككل بنسبة التعليم المرتفعة والشهادات العليا . مما ساهم في رفع مستوى معيشتهم والتأثير على المجتمع الذي يعيشون فيه بشكل يفوق نسبة تعدادهم بكثير. لقد برع الكثير من المسيحيين العرب في مجالات عديدة ومن الفلسطينيين يمكن تعداد البعض مع حفظ الألقاب للمثال وليس للحصر ادوارد سعيد، إميل حبيبي، سليم جبران، والدي عطاالله منصور، خليل سكاكيني، حنان عشراوي، عزمي نصار، نعيم شحادة، جورج حبش، الياس شقور، مكرم خوري،نعيم عتيق ، حسيب صبّاغ وغيرهم الكثير الكثير.

لسنا في مجال منح النياشين ولا الإدانة ولكن يتبادر السؤال:  كم من البارعين والخلّاقين كان مؤمناً ولعب إيمانه المسيحي دوراً في نهج حياته وعمله وخدمته؟

لقد أوصانا الرب بأن نكون ملحاً ونوراً في الأرض. كيف يندرج التعليم في محاولاتنا لنكون الملح والنور؟ ان العمل والنشاط الجادين يتمّان بفعالية ونشاط ورؤية يمنحها الرب لكنيسته فيزيد تأثيرها على المجتمع. التأثير يتم بواسطة أفراد ناضجين ومنتشرين في الأحياء والوظائف والمهن المختلفة. إن التعليم النوعي يساهم في تأهيل أفراد المجتمع الانجيلي للقيام بدورهم بحسب وصية الرب. فالمساهمة والتغيير في المجتمع ستكون ممكنة بواسطة جيل مؤهل ومؤثر وذلك يتم ليس فقط بواسطة التكريس والصلاة بل أيضاً بمجابهة تحديات العصر. يتم ذلك عن طريق ارتياد أحسن المدارس والجامعات. فلا يمكن مواجهة مجتمع متعلم ومعقّد دون سلاح المعرفة والعلم والدراية. النية الحسنة والصلاة والتكريس غير كافين. لأداء الدور المطلوب نحتاج لأفضل تجهيز حتى يكون المؤمن الانجيلي محترماً ومؤثراً في مكان عمله . طبعاً لا تخلو الجامعات في بلادنا من مخاطر عديدة أشدّها التيارات الإلحادية. غير أن هذه المخاطر يجب ألا تقود للتقوقع والانحسار بل يتوجب التسلح بالمعرفة الضرورية لدحر هذه التيارات وتجهيز أجيال متعلمة ومكرسّة لتطبق مسّرة الرب بأن تكون كنيسته ملحاً ونوراً.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا