من الطبيعي أن تتواصل في الساحة المشرقية، حتى أيامنا هذه، تحالفات ذيول بقايا الكنائس الرسمية مع مغتصبي السلطة، وقد ربط رجالاتها مصيرهم بمصيرها وقدرهم بقدرها. غير أن ما بُني على باطل فهو باطل، فالمسيحية السمحة باقية وكنائس الأنظمة إلى زوال.

فعلاً، عانت المسيحية العربية من مكر الأنظمة وتسلّطها كما لم تعاني تعبيرة دينية أخرى، وإن اختلفت وطأة تلك المعاناة من مجتمع عربي إلى آخر. فقد أُدمن هراء زائف، من قِبل تلك الأنظمة، عن استقلال قرار الكنيسة، وحرّية نشاطها، واحترام رعاياها. والحال أنه مثلما تبشّر الثورات بتحرير إرادة الإنسان وعقله فهي تبشّر بتحرير روحه أيضا.

حيث يبقى مطلب تحرير السوق الدينية من احتكار الدولة، أحد المطالب الجوهرية المنشودة اليوم في الواقع العربي الجديد. فلا سبيل للحديث عن واقع ديني ديمقراطي والدين مرتَهن في قبضة الدولة وثروته محتكرة رهن تصرفها.

وضمن سياق حديثنا عن تبرعم لاهوت الثورة، لا بد من التطرّق إلى وهمين شائعين بين كثيرين في بلاد العرب: أن المسيحية ديانة روحية قلبية لا شأن لها بملكوت الأرض، وهي مقولة رائجة بين المسلمين خصوصا؛ وأن المسيحية تُبارك ما تقرّه السلطات ولا تناصبها عداء البتة، وهي رائجة بين أتباع المسيح. الحقيقة أن المتابعة الأنثروبولوجية للمسيحية تكشف أن كلتا المقولتين الشائعتين بين أتباع الديانتين واهيتان، حيث لا تستند الأولى إلى مرجعية قرآنية ولا إلى مبرّر تاريخي، فالمسيحية ديانة شاملة، بقدر ما تعانق ملكوت السماوات تتجذر في عالم الناس، ولذلك يجد المسيحي العربي نفسه منسابا لا منقادا، ومختارا لا مكرَها، في معترك التحولات التي تهز مجتمعاته؛ أما المقولة الثانية الشائعة بين المسيحيين، التي تحاول أن تستند على اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فقد كانت الجماهير المسيحية هي أول من لفظتها لمّا قرأت بشارتها بلسان واقعها. فالمسيح الذي صدح عاليا بطوبى للجياع قد ضاق صدره حرجا بالغاصبين، والمسيح الذي رفع عقيرته بطوبى للمساكين ما كان في صفّ الطاغين.

وفي الراهن الحاضر، لئن تنطبق على المسيحية العربية المقولة الشائعة "الكنائس خاوية والساحات عامرة" فإن المسيحية العربية، حتى قبيل اندلاع الثورات، اتسمت أوضاعها بطابع "الكنائس رهن قبضة السلطات والمسيحية في قلوب الناس". ولكن محنة المسيحية العربية لا تُختزل في ذلك الوجه السلّطوي فحسب، فمحنتها مزدوجة، فهي من جانب مصادَرة من قِبل نُظم الحكم ومن جانب آخر مرتَهنة، في شقّ واسع منها، إلى كنائس الخارج. لقد كانت مشاركة المسيحيين العرب، وخصوصا منهم الشبان، والمثقفين، والبسطاء والشرفاء، في الثورات العربية رفضا للخط الذي انجرّت إليه المؤسسة الدينية الباحثة عن كسب ودّ قيصر، بعد أن تبين أن تلك الزيجة باطلة، لما اصطبغت به من ترهيب وذلة ومسكنة، وإن برّرها قساوسة السلاطين بمملكتي ليست من هذا العالم.

تلك خلاصة المحنة الداخلية بوجه عام، وأما الوجه الآخر لمحنة المسيحية العربية، فهو الموالاة للخارج، وتناسيها أنها النبع الذي تفرّعت منه كافة الجداول، مشرقا ومغربا. فقد بلغ عمق ابتزاز ضعف المسيحية العربية حدّ دعوة الخارج لها للتنازل عن هويتها وقرارها ولاهوتها. لَتُشبه أوضاع الفتنة والتجربة التي ألمت بكثير من المسيحيين العرب ما رصده اللاهوتي القرطاجي ترتليانوس في نهاية القرن الثاني الميلادي، بشأن نساء بلده: "إني لأجد بعض النساء منشغلات بتغيير ألوان شعورهن حتى تغدو صفراء، ويستحين بوطنهن ويتمنين لو ولدن ببلاد الجرمان أو ببلاد الغال" (Tertullien, De Cultu fem. II, 6, 1.). لذلك يبدو مسار تحرر المسيحية العربية عسيرا وشاقا، وهي تبني لاهوتها، لاهوت واقعها، فقدرها أنها كلّما خلصت من مطبّات ورطة إلا ووجدت نفسها قبالة أخرى.

ذلك أن مقصد لاهوت الثورة هو تحرير روح المسيحية من شتى صنوف الهيمنة والوصاية، وهو لاهوت قديم قدم البشارة ذاتها. كان نفرٌ من شهداء المسيحية الأوائل، مثل الكونسكري ماكسيميليان وسنتيريون مارسي وآخرين، ممن رفضوا الانضمام إلى صفوف الجيش الروماني، على يقين أن السلطة الغاشمة مهما عتَتْ زاهقة. وفي التاريخ القديم كانت حركة الدوناتيين القرطاجيين أولى الحركات التي دقت ناقوس خطر خطف رسالة المسيح من قبل الأباطرة. وتأكيدهم الحاسم على رفض تلك العلاقة الموبوءة بين المدنّس والمقدّس وتحالفهم مع الناس. لم يشفع للدوناتيين المسيحيين ما حذروا منه، فمنذ القِران الذي ارتضته الكنيسة مع روما، نشأت تأويلات ولواهيت تبارك مشروعية تلك الزيجة، حتى استبدّت بالمخيال المسيحي وحوّرته، واستطاعت أن تجعل من الدوناتيين هراطقة ومارقين، لا جُرم لهم إلا أنهم كانوا أفارقة أولا ومسيحيين ثانيا.

ذلك أنه ضمن جدل المؤمن مع واقعه ينتج لاهوته، وبالتالي يأتي مفهوم لاهوت الثورة إكراها للوعي الشريد للالتحام بالواقع. لقد تلخّص الخلاف الأكبر للاهوت التحرر في أمريكا اللاتينية مع كنيسة روما، في كيف لأتباع المسيح أن يوالوا أنظمة اشتراكية يناصبها الغرب العداء إيديولوجيا وتناصبها الكنيسة العداء عقائديا. لكن لاهوت التحرر كان يرى إطعام الجياع خبزا هو من الإيمان، وكساء العراة لباسا هو من الإيمان، وإن تعلل الأحبار المتربعون على عرش بطرس أنهم معصومون في ما ينهون وفي ما يأمرون.

لقد آن الآوان للكنيسة الرسمية العربية، التي طالما قرأت الواقع العربي بأعين سلطانية، أن تصحح مسارها، وأن تعي أن الله راعيها والشعب حاميها، حتى لا تغدو كالأَمَة التي هالها عتقها فأقفلت عائدة إلى ولي أمرها. فقد جعلت حالةُ الضعف المسيحيةَ العربيةَ تبحث عن أبوّة باطلة، تارة تراءت لها في سلطان الداخل وأخرى في سلطان الخارج. أجل يملي الوضع الجديد الذي بات يعيشه أقباط مصر، أكبر تكتل مسيحي في بلاد العرب، على عديد الكنائس المشرقية أن تراجع دورها وموقعها في مجتمعاتها، أهي جهاز لخدمة الناس أم لخدمة السلطان، أهي سندٌ للداخل أم عونٌ للخارج؟

فها هي الثورة تطوي بنا التاريخ طيّا، وكما دكت عروش طواغيت أوابيد فهي تكنس ما تراكم من اغتراب ديني قديم، وتبشّر بلاهوت جديد، الإنسان منبعه والله مقصده.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا