بينما كنت أفكر في موضوعي هذا، الحياة لأجل الأخر، وكيف عاش الرب يسوع هذا الصنف المعتبر من الحياة، أحسست أنني أمام مهمة شاقة تبدو مستحيلة. هل من الممكن لسطور قليلة مثل هذه أن تصف وتعبر عن قلب الرب يسوع الذي لم يفعل شيء لنفسه قط؟ أليس مكتوباً عنه أنه "لم يرض نفسه؟" (رو15: 3) ألم يكن هذا هو نمط حياته؟ بل دعني أقول أنها كانت كل حياته، أن يعيش من أجل الأخرين. وأستعير قول أحدهم مغيراً إياه قليلاً "أنا لست إلا طفلاً صغيراً مازال يلهو بدلوه الصغير علي شاطيء نهر معرفة الرب" ولست أظن أن ذلك الطفل يمكنه أن يحوي النهر كله في دلوه الصغير.

ولكن مهلاً ياقارئي العزيز، أليس دلواً صغيراً من حلاوة ربنا يسوع المسيح لهو أغلي من كل مافي الوجود؟ بل إن قطرة واحدة من ينبوع قلبه وجمال شخصه وفرادة سماته لهي أسمي من أي شيء كان. دعوناً إذاً نتأمل في حبيبنا المعبود علي قدر مايعطينا الروح، نتأمل فيه ولو قطرة تلو قطرة، فكل تفصيلة صغيرة من تفاصيل حياته وشخصيته تساوي أكثر من الكون بما فيه.

الحياة لأجل الأخر ليست وعظاً كلامياً
ودعونا أولاً نفض إشكالاً صغيراً، فعندما نتكلم عن الحياة لأجل الأخر، لانعني بالضرورة "الحياة لأجل أن نعظ الأخر" نعم قد يكون بعضنا لهم موهبة التعليم أو الوعظ ولذلك فإن جزءاً هاماً من إتباعهم الرب هو خدمة الكلمة سواء من المنابر او في الرعاية الشخصية الفردية أو العائلية لكل خراف المسيح بشكل شخصي أو عائلي في البيت. كما قال الرسول أنه علم "جهراً وفي كل بيت" (أع20: 20) وأنه كان ينذر أي يعظ "بدموع كل واحد" (أع20: 31) علي حده.

وقد نجد أن البعض الآن بل والكثيرون يتدافعون إلي المنابر، ويظنون أن كلمة خدمة مرادفة لكلمة منبر، وأن المؤمن لكي يكون مكرساً للرب عليه أن يعظ ويعظ ويعظ ثم بعد ذلك أن يعظ أيضاً. فيفرغون الخدمة والتكريس من معنيهما، ويضعون الوعظ مكانيهما، ولاعجب في ذلك لأن الواعظ يأخذ مكانة معتبرة وتكريماً في مجتمعنا المسيحي الآن. حسبنا كنا الآن في عصور الإستشهاد في مرحلة كنيسة سميرنا التي ذاقت المرار علي يد الدولة الرومانية، لكان عدد الوعاظ قد تقلص بنسبة لاتقل عن 75% إذ كان المعلمون والوعاظ هم الهدف الأول للإضطهاد وقتها.

الرب يسوع والعائلة
دعونا نلتفت لسيدنا، ألم يقض ثلاثون عاماً من حياته دون أن يعظ؟ يالجمال سيدي، فكل شيء عنده له مواقيته الخاصة، ومواقيت سيدي متوافقة تماماً مع مواقيت أبيه. هل كان ينقصه القدرة علي الوعظ؟ بالطبع لا، فقد قص لنا الوحي المقدس في إنجيل لوقا قصة حدثت وقت أن كان عنده إثنتي عشرة سنة. حيث ذهب الرب يسوع مع مريم أمه ويوسف إلي الهيكل إلي أورشليم في عيد الفصح كالعادة "وبعدما أكملوا الأيام بقي عند رجوعهما الصبي يسوع في أورشليم. وإذ (يوسف ومريم) ظناه بين الرفقة، ذهبا مسيرة يوم وكانا يطلبانه... ولما لم يجداه رجعا إلي أورشليم يطلبانه. وبعد ثلاثة أيام وجداه في الهيكل، جالساً في وسط المعلمين، يسمعهم ويسألهم. وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه وأجوبته" (لو2: 43-47).

هكذا كان الرب وهو مازال صبي في سن الثانية عشرة، جالساً في وسط المعلمين، وأي معلمين، معلمي الشريعة الذين بلغوا من العمر أطوله مكرسين إياه من أجل دراسة الشريعة، ولكنه كان يسمعهم ثم يسألهم. وعندما كانوا لايستطيعون الإجابة كان يجاوب هو له المجد. فقد أبهت الشيوخ بفهمه وأبهرهم بأجوبته. كان يستطيع أن يعظ إذاً ولكنه لم يعظ إلا عندما كرسه الله للخدمة العلنية بعد المعمودية وحلول الروح القدس والتجربة علي الجبل.

وماذا كان يفعل له المجد طوال هذه السنين؟ يخبرنا لوقا أنه بعد هذه الحادثة نزل المعلم العظيم ذو الإثني عشر عاماً مع مريم ويوسف "وجاء إلي الناصرة وكان خاضعاً لهما" (لو2: 51). نعم كان يؤدي واجبه من أجل عائلته تماماً كما قال الرب. كان له المجد أفضل إبن لأي عائلة جاء علي الأرض علي الإطلاق. كان من حق مريم ويوسف أن يتمتعا بتربية طفل مثل باقي العائلات فكان لهما هذا الطفل والولد الذي لايخزي عائلته قط.

كان يستطيع أن يعلمهم لا أن يخضع لهم، ذاك الذي تطيعه الملائكة والسموات والأرض وكل الخليقة بل ولايستطيع إبليس وجنوده ان يفعلوا شيئاً دون سماح منه، كان خاضعاً لعائلته. وبدلاً من أن يقبل تربيتهم له كان يمكنه أن يربيهم هو ويعلمهم أيضاً، إذ كان كفؤاً تماما لهذا الأمر، فهو المعلم الأعظم. لكنه، له المجد، وهبهم نفسه، وهبهم ذلك الولد الذي يدخل السرور والسعادة لقلب عائلته، فلم يعش لنفسه ولم يرض نفسه. بل أعطي عائلته حقها الواجب. حتي في زمن طفولته، لم يعش لنفسه كباق الأطفال لكنه عاش من أجل الأخرين خاضعاً لعائلته مقدراً وصية الرب من جهة العائلة.

ويلخص لنا إنجيل مرقس، إنجيل العبد الكامل، فترة شبابه الثماني عشرة سنة قبل أن يتكرس للخدمة، إذ ينقل لنا تعليق الناس في المكان الذي قضي فيه شبابه إذ قالوا عنه "أليس هذا هو النجار إبن مريم" (مر6: 3) ألا تتعجب معي يا أخي وألا تتعجبي معي يا أختي؟ لقد قضي سيدنا أغلي فترات حياته كشاب يعمل في ورشة النجارة التي ليوسف النجار وكانت مهنته نجاراً. كان كل ما يشغل حياته هو أن يساعد يوسف النجار رب العائلة في توفير حياة كريمة من أجل العائلة التي أكرمها الله بوجوده فيها.

حياة بسيطة طبيعية عاشها الحبيب الغالي، دون تطرف أو مغالاه، يقدم حياته الكريمة وشخصه العظيم للعائلة حسب فكر الرب. ألا تتخيله معي وهو يعمل كنجار بسيط في ورشة نجارة في مدينة الناصرة المحتقرة. كم كنت أتمني أن أري قطعة من قطع الأثاث التي صنعها بمنتهي الأمانة، كم من فقير أهداه قطعة من الأثاث أو كوباً خشبياً، كم من أرملة فقيرة أصلح لها بابها أو مائدتها دون أن يأخذ منها أموال. كم علم من أطفال وصبيان حرفة النجارة ليتكسبوا أموالاً دون أن يتلقي شيئاً في مقابل ذلك. أشياء صمت الوحي عنها، ولكنه لخصها جميعها في كلمة واحدة قيلت عنه في سن الثلاثين قبل بدء الخدمة مباشرة. فقد شهد عنه الآب قائلاً "هذا هو إبني الحبيب الذي به سررت" (مت3: 17) نعم فطوال ثلاثون عاماً راقبت عين الله ذلك الكلمة المتجسد ولم تجد منه إلا كل توافق مع فكر الله ووجد فيه الله سروراً إذ كان كل مايعمله يعمله حسب مشيئة الله.

يقول لوقا الإنجيلي أن يسوع كان أولاً يفعل ثم يعلم ما يفعله للأخرين (أع1: 1) لم يكن كالكتبة والفريسين الذين كانوا "يحزمون أحمالاً ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها علي اكتاف الناس وهم لايريدون أن يحركوها بأصابعهم" (مت23: 14) لكنه قبل أن يعلم بأي تعليم ما، كان يفعله هو شخصياُ أولا عائشاً إياه، لقد كان شعاره "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع20: 35) وكان يعيش هذا الشعار بطوله وعرضه وعمقه وإرتفاعه، فقد عاش الشعار بصورة مطلقة إلهية، إذ لم يتخذ الشعار تشدقاً بالكلمات بل بذل نفسه وقتاً وعرقاً، جهداً ودماً وحياة وموتاً من أجل الأخرين.

ثم نراه بعد ذلك في أحلك المواقف العصيبة وهو معلق علي الصليب في اللحظات الأخيرة من حياته، وهو في قمة المعاناة إذ تم تعريضه للجلد الوحشي حتي قال "علي ظهري حرث الحراث، طولوا أتلامهم" (مز129: 3) وتم ضربه وإهانته بمخلتف الطرق القاسية ووضعوا إكليل شوك علي رأسه وسمروا يديه ورجليه بقسوة في الصليب الخشبي الجاف، وعلقوه بين السماء والأرض، ورغم هذا نراه في هذه اللحظات مازال مشغولاً بعائلته. نعم، في وسط كل هذه الآلام لم يكن مشغولاً بنفسه ولا بآلامه بل نشاهده مازال مشغولاً بأمه، إذ ينظر لها وليوحنا تلميذه ويقول "يا إمرأة هوذا إبنك... (وليوحنا) هوذا أمك" (يو19: 26-27) فقد إهتم بأمه حتي في أحلك لحظات حياته وأكثرها ألماً. لم ينشغل بآلامه، لم يحاول أن يجد تعزية في نظرات الشفقة التي في عيون القلائل الذين تبعوه للصليب، بل، فكر في مصير أمه بعد موته، وقرر أن يعطيها أفضل إبن ممكن بدلاً منه، ليعزيها عن فقدانها إياه، إذ أعطاها يوحنا الحبيب، رسول المحبة، أقرب أصدقائه وأحبهم إليه، إبناً لها وأوصاه أن يعتني بها كأمه تماماً.

ولكن ليس فقط لم ينشغل بآلامه بل لم تثنيه عظمة المهمة التي كان يقوم بها علي الصليب عن الإهتمام بعائلته. لقد كانت هذه اللحظات علي الصليب لحظات محورية في تاريخ البشرية كلها حيث كان الرب يصنع خلاصاً ويكفر عن خطايا البشرية كلها ويصنع الكفارة ويأتي بالبر الأبدي. كان في أعظم مهمة وأشرف عمل علي الإطلاق ولكنه في وسط ذلك نجده يهتم بأحد أفراد عائلته، فهو يعيش من أجل عائلته. أوليس ذلك صليب بحد ذاته؟ أن ينكر الإنسان علي نفسه رغباته بل وآلامه ويهتم بالأخرين، أليس هذا صليباً منفرداً غير مرئياً حمله الرب بجانب الصليب الآخر الذي حمله إياه البشر؟ نعم.

أخي، أختي، إن حياتنا من أجل عائلتنا لهي جزء هام من تكريسنا للرب. ألم يترك "لنا مثالاُ لكي نتبع خطواته"؟ (1بط2: 21) يجب علينا ألا نظن أننا يجب علينا التخلص من إلتزامتنا الطبيعية تجاه الأخرين لكي نكون مرضيين للرب، بل علي العكس تماماً، لقد وضع الرب نظاما في العائلة وعلي الأرض ويريدنا أن نسلك بحسبه. لقد أظهر لنا فكره في إبنه المتجسد إذ قد عاش تماماً من أجل الأخرين مبتدءاً بعائلته إذ "من لم يهتم بخاصته ولاسيما أهل بيته، فقد أنكر الإيمان وهو شر من غير المؤمن" (1تي5: 8).

نعم يا أخي، نعم يا أختي، يجب علينا أن نبدأ بعائلتنا أولاً، إذ نقضي لهم حتي الإحتياجات الطبيعية. إن كنت إبناً أو إبنة فإسمع قول الرب "أكرم أباك وأمك" (أف6: 2) وإن كنت أباً أو أماً فإسمع كلمات الروح القدس "ربوهم في تأديب الرب وإنذاره" (أفس6: 4) إن أولادكم مسئولية ووكالة أوكلهم عليها الرب. وعضويتك لعائلة لهو أيضاً مسئولية أوكلها لك الرب، وسيأتي اليوم الذي سيقول لك "أعط حساب وكالتك" (لو16: 2). نحن لسنا في هذا العالم لأنفسنا، بل للأخرين. يقول أحد الملحدين "الجحيم هو الأخرون" ولنصحح له هذا القول الأناني الصنمي قائلين "الجحيم هو التمحور حول الذات" فإن حياتنا لأجل أنفسنا هي الجحيم ذاته. ألن يقضي الخطاة الأبدية المريرة في الجحيم مع أنفسهم؟ إن كانت حياة أحد هي من أجل نفسه، فهو يصيب نفسه بأقسي أنواع العذابات.

الرب يسوع والتلاميذ
وإن إبتدأ الرب له المجد بعائلته معطياً لنا المثال، فقد وهب بعد ذلك آخر ثلاث سنين من عمره القصير للأخرين من أمته. لقد تفرغ تماماً للخدمه بناء علي دعوة الرب له ومسحه إياه بالروح القدس. من أجل ذلك قال له المجد "روح السيد الرب علي لأنه مسحني لأبشر المساكين، لأشفي منكسري القلب، لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق" (إش61: 1).

كان قد تقبل عطية من الآب، هي الكنيسة. وكانت ممثلة وقتها في نواتها الأولي، التلاميذ. لم تكن الكنيسة قد ظهرت بالفعل لحيز الوجود، لكنها كانت ستأتي في المستقبل القريب وستكون مجموعة التلاميذ الصغيرة التي من حوله هي نواتها الأولي. فماذا ياتري فعل لهم؟

لقد كرس لهم وقته وجهده من أجل أن يعدهم لمهمة عظيمة سيتولونها بعد موته. كم من مرة إحتملهم وإحتمل عدم إيمانهم بل وعدم سلوكهم بحسب المبادئ السامية التي علمها لهم. كان يحميهم من الأعداء ويحميهم أيضاً من أنفسهم. وقد لخص ذلك كله في حديثه مع أبيه في الأصحاح السابع عشر من إنجيل يوحنا.

أول كل شيء لقد عرفهم الآب إذ قال للآب "أنا أظهرت إسمك للناس الذين أعطيتني من العالم. كانوا لك وأعطيتهم لي" (يو17: 6) ولم يكن طريقه في تعريفهم بالآب هو الحديث عن الآب وإن كان هذا قد حدث بالفعل. لكنه قال لتوما يوماً "الذي رآني فقد رأي الآب" (يو14: 9)، لذا صرح يوحنا عنه "رأينا مجده مجداً لكما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً" (يو1: 14). لقد كان كل من يقترب منه يري فيه قداسة الآب، ويشعر فيه بمحبة الآب، ويدرك في سلوكياته حكمة الآب، وهكذا يصير كل من يقترب منه علي مقربة شديدة من الآب السماوي. ألم يحدث هذا الأمر بركة غير عادية في كل من حوله.

وكان أيضاً يحفظهم من أن يصيبهم شر ما إذ قال للآب "حين كنت معهم في العالم كنت أحفظهم في إسمك. الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد" (يو17: 2) ونري هذا الأمر متجلياً في لحظة القبض علي الرب يسوع في البستان حين حرص علي أن ينقذ التلاميذ من أيدي القوة المرسلة للقبض عليه حيث أظهر أولاً قوته الإلهية مما أزعج القوة المرسلة لإلقاء القبض عليه وجعلهم "رجعوا إلي الوراء وسقطوا علي الأرض" (يو18: 6) ثم إذ أربكهم أمرهم قائلاً "إن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون" (يو18: 8) فكان له ما أراد منقذاً إياهم من أيدي الطغاة.

لقد لخص حياته من أجلهم بأن قال "من أجلهم أقدس أنا ذاتي" (يو17: 19) أي أخصص ذاتي لأجلهم. فهو الذي "كان في صورة الله" (في2: 6) بالطبيعة، فعندما قال "أنا والآب واحد" (يو10: 30) موحداً نفسه بالآب لم يكن "يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله" (في2: 6) أي أنه لم يختلس هذه الوحدة والمساواه مع الله لأنه هو نفسه هو الله الإبن، الأزلي، الممجد بالطبيعة كالله الأزلي، من قبل كون العالم. لكنه رغم ذلك "أخلي نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس، وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتي الموت، موت الصليب" (في2: 7-8) ولكن لماذا فعل كل ذلك؟

كل ذلك كان من أجل أن يفوز بالمجد لحساب كنيسته، ليس لأنه لم يعد ممجداً بعد التجسد إذ أنه كان لايزال ممجداً بلاهوته، ولكنه "وضع قليلاً عن الملائكة" (عب2: 9) بالتجسد كإنسان لكي ينوب عن عروسه، عن كنيسته، محبوبته. وإذ أتم مقاصد الله بالموت من أجل الجميع "نراه مكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت" (عب2: 9) ثم نسمعه وهو يقول للآب "مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يو17: 5) وذلك لحساب جسده الكنيسة، تلاميذه الأحباء لكي يقول بعد ذلك للآب "أنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني" (يو17: 22) . فعندما "رفعه الله أيضاً وأعطاه إسماً فوق كل إسم. لكي تجثو بإسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن علي الأرض ومن تحت الأرض. ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب" (في2: 9-11) لم يكن ذلك إلا لحسابنا نحن.

لقد أكد الرسول بولس ذلك الأمر لما قال أن كل ماعمله الله مع المسيح هو "عظمة قدرته (قدرة الله) الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل شدة قوته الذي عمله في المسيح" (أف1: 19) أي أن كل ماعمله الله مع المسيح هو لنا بعظمة قدرة الله الفائقة من نحونا نحن أيضاً "إذ أقامه من الأموات وأجلسه عن يمينه في السماويات فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة وكل إسم يسمي ليس في هذا الدهر فقط بل في المستقبل أيضاً وأخضع كل شيء تحت قدميه وإياه جعل رأساً فوق كل شيء للكنيسة" (أف1: 20-22) أي لحساب الكنيسة. فالرب في ذاته بطبيعته هو في الأصل فوق كل شيء لكنه إكتسب هذا المجد أيضاً كإنسان بالموت والقيامة لأجل الكنيسة التي هو رأسها الآن. هكذا نري أن ربنا المعبود يسوع ترك من أجل كنيسته كل شيء وعاد بالألم والموت فإكتسب كل شئ من أجلنا. فهو لم يعش لنفسه قط.

ألا يستوجب ذلك منا أن نترك إهتماماتنا بأنفسنا ونهتم فقط بجسد الرب، بكنيسته محبوبته. ألا يكفي التلميذ أن يكون كمعلمه؟ (مت20: 25). لقد أخلي سيدنا نفسه من المجد وأخذ صورة عبد لأجل أحبائه. لقد أفني عمره من أجل أن يكتسب هذا المجد العظيم لحسابهم. كل هذا لكي "يري (في أحبائه) نسلاً (جديداً) تطول أيامه... من تعب نفسه يري ويشبع" (أش53: 10-11). فلقد صار موضوع شبعه أن يري الاخرين وقد أصبحوا فيه نسلاً جديداً حاصلاً علي حياة أبدية ممجدة.

الرب يسوع والخطاة
وماذا عن صالبيه ورافضيه؟ ماذا كان موقفه منهم؟ كان الرب يدرك من البداية أن أمته سترفضه وتهينه وتؤلمه وتصلبه، لكنه وهب حياته لها دون أدني تردد. كان يعلم من قبل إنشاء العالم أنه سيكتب عنه "إلي خاصته جاء وخاصته لم تقبله" (يو1: 11) ومع ذلك فهو لم يدخر أدني جهد من جهتهم بل بذل كل جهده لكي يتواصل معهم ولكي يخلصهم. بل لقد كان يتعاطف معهم ويتألم معهم ويهتم بآلامهم ومشاكلهم. ألم يلق خائنه ومسلمه يهوذا أرقي معاملة من الرب؟ ألم يعطه الفرصة كاملة ولآخر لحظة كان يحذره ويعتبره صاحباً قائلاً له "ياصاحب لماذا جئت؟" (مت26: 50) ألم يكن هذا في الوقت نفسه الذي كان يهوذا فيه يسلمه بالفعل لأيدي الأشرار وكان ثمن الخيانة يرقد في جيوبه شاهداً عليه؟

نراه يبكي قرب صلبه، ليس من أجل آلامه القادمة، ولكن من أجل أورشليم، المدينة التي ستصلبه. لقد كان الألوف قد "أخذوا سعوف النخل وخرجوا للقائه وكانوا يصرخون أوصنّا مبارك الآتي باسم الرب ملك اسرائيل" (يو12: 13) فلم يلتفت لهتاف الجماهير وبمناداتها له كالملك القادم. ورغم أن هتافهم قد جعل أورشليم ترتج كلها (مت21: 10) فلم يكن هذا ليحرك ساكنا لديه إذ لم يكن مشغولاً بنفسه بل بأمته وبما ينتظر هذه المدينة العاصية وكان متألماً من أجلها فنجده "نظر إلي المدينة وبكي عليها" (لو19: 41) لأنها سوف تقبل غضباً من يد الرب بسبب صلبها إياه.

كان يري بعيني النبوة ما سيحدث لها فقال "ستأتي ايام ويحيط بك اعداؤك بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة. ويهدمونك وبنيك فيك ولا يتركون فيك حجرا على حجر لانك لم تعرفي زمان افتقادك" (لو19: 43-44) وكان ينطق بهذه الكلمات وهو يبكي من أجل المدينة الشريرة التي سيصرخ ساكينها لبيلاطس قائلين "أصلبه أصلبه .... دمه علينا وعلي أولادنا" (يو19: 6، مت27: 25) فلم يحرك هتاف الجماهير قلبه ولاعقله لأنه ليس مشغولاً بنفسه بل بأمته.

في زمان قبل هذا الزمان منذ أكثر من ألف عام علي حادثة الصلب، إنتصر شعب الرب علي الأعداء عن طريق داود، فغنت الفتيات "ضرب شاول ألوفه وداود ربواته" (1صم21: 11) فلم يطق شاول أن يكون هو رقم إثنان في المديح وداود رقم واحد ومنذ هذه اللحظة بدأ يخطط لقتل داود. ولكننا نري ربنا المعبود ليس فقط لم يتأثر بكلمات مديح من هتاف لجماهير وتلويح بالأغصان وفرش للملابس علي الأرض، لكنه لم يتأثر أيضاً بكلمات الرثاء.

فعند خروجه إلي الصلب كان مظهره، له المجد مفسداً أي مشوهاً من التعذيب أكثر من أي رجل (إش52: 14). كانت الدماء تسيل من كل مكان في جسده الكريم وكان قد تعرض لآلام جسدية ونفسية رهيبة. فلما رأته بنات أورشليم كن "يلطمن وينحن عليه" (لو23: 17). لكنه لم يتجاوب مع رثاء بنات أورشليم له وتعاطفهن مع آلامه فقال لهن "لاتبكين علي بل إبكين علي أنفسكن وعلي أولادكن" (لو23: 28).

وما أصعب هذا الأمر! أن ترفض المديح لهو شيء صعب، ولكن أن تكون في قمة الألم الجسدي والشعور بالظلم والخيانة والإهانة وتمشي ذاهباً في طريق الموت ثم ترثيك بنات أورشليم باكيات عليك متعاطفات معك فلاتنشغل علي الإطلاق بآلامك وأحزانك، إنه سيدي الذي ليس له مثيل. رغم الرثاء والتعاطف من البنات ونوحهن عليه ورقتهن من جهة ألمه إلا أنه لم يتجاوب معهن. كم كانت نفسه الحزينة الرقيقة تحتاج للمساندة والتعضيد؟ ولقد كن يعزفن لحناً يتوافق مع ألمه، لكنه كان يعزف لحنا أخر إذ إنشغل هو بهن وبمدينة أورشليم وبأولادهن. كان في إنشغاله بالشر القادم علي الشعب الذي ينادي بصلبه يكشف لنا عن معدن فريد لشخص عجيب لم يكن مشغولاً بنفسه علي الإطلاق بل مشغولاً بأمته إلي أبعد الحدود رغم رفضها له وصلبها إياه.

ومشهد أخر، وعلي الصليب أيضاً، وفي قمة آلامه كما رأينا وفي عظمة العمل الذي كان يقوم به إهتم بلص وقاتل كان معلقاً بجانبه علي الصليب. ياللعجب، إن رأسه "ذهب إبريز" (نش5: 11) فأفكاره ليس لها مثيل ودوافعه كما قالت العروس نقية تماماً من أي إهتمام شخصي إذ شبهت دوافعه بالعاج فقالت "بطنه عاج أبيض" (نش5: 14) فدوافعه نقية جداً وسماوية جداً إذ أضافت العروس أن "بطنه عاج أبيض مغلف بالياقوت الأزرق" (نش5: 14).

كان اللص القاتل مستوجباً للموت، والأكثر من ذلك لقد كان هذا المجرم المعلق بجانب ربنا المعبود يشترك في إهانة الرب والسخرية منه لبعض الوقت إذ "كان اللصان اللذان صلبا معه يعيرانه" (مت27: 44) ولكن ربنا المعبود يسوع، ذاك العجيب، "شتم فلم يشتم عوضاً" (1بط2: 23) حتي سبي صمته وغفرانه لصالبيه قلب المجرم القاس المعلق علي الصليب. فنجده يكلم الرب قائلاً "أذكرني يارب متي جئت في ملكوتك" (لو23: 42) كان ممكنا للرب أن يصمت تجاه هذه المقولة، وكان لن يفرق صمته هذا تجاه خلاص ذلك اللص التائب. كان سيذهب للفردوس إذ قد تاب ولكننا نجد الرب يريد أن يشجعه ويشدده في لحظاته الأخيرة ويقدم له جرعه روحية ترفع نفسه التائبة المحزونة.

لقد خص الرب لصاً مجرماً كان يعيره من دقائق قليلة أحد العبارات السبعة التي نطق بها المخلص الكريم علي الصليب. لقد وجه ثلاث عبارات لله هي "يا أبتاه إغفر لهم لأنهم لايعلمون ماذا يفعلون" (لو23: 34) و "إلهي إلهي لماذا تركتني" (مت27: 49) و"يا أبتاه في يديك أستودع روحي" (لو23: 46) ونطق بعباراتين خاصتين بالعمل الذي كان يتممه إذ قال "أنا عطشان" (يو18: 29) لكي تتم النبوة الأخير الباقية من نبوات الصلب لكي يكمل المكتوب ولما أكمل العمل قال "قد أكمل" (يو19: 30) وقال عبارة لمريم أمه ويوحنا وقد مررنا بها سابقا. ولكن لصنا هذا قد إختصه الرب بعبارة وحده، ويالها من عبارة، وما أروعه من إعلان خاص لذاك الذي عاش كل حياته في الخطية والشر والنجاسة والظلم والقسوة. "الحق أقول لك أنك اليوم تكون معي في الفردوس" (لو23: 43).

هل تهتم بنفسية قاتل ياسيدي الحبيب وانت علي عود الصليب؟ هل تعتني بذاك الذي ذبح وسرق ووجه كلمات الإهانة لإبن الله؟ ألا تتركه ليذق بعضاً مما فعل؟ لماذا تشجع نفسه المتألمة؟ هل تهتم بمثل هذا في وسط آلامك وضيقة نفسك؟ لقد مددت يدك له ياسيدي لكي تنتشله من مستنقع الألم الحاضر وتنقذه من الأبدية الأليمة في الجحيم وكنت في نفس الوقت تمد يدك لله لكي تقبل منه ذاك العذاب الذي كان يستحقه لصاً مجرماً مثل هذا. أحتي علي الصليب ياسيدي؟ رأيناك تهتم بأمك وبتلميذك وهم إلي حد مايستحقون إهتمامك ولكن أتهتم بالفجار؟، يالك من محبة يا إله المحبة التي "لاتطلب ما لنفسها" (1كو13: 5). أنت "الله محبة" (1يو4: 8) أنت من وضعت نفسك لأجل أحبائك (يو15: 13).

أي كلمات تعطيك قدرك؟ أي تسبيحات تكفيك؟ إن العمر لايكفيك وإن أفنيناه في حبك. أعطينا ياسيدنا أن نمشي علي آثارك. أعطينا أن لانعيش لأنفسنا. أعطينا أن نظهر سماتك وصفاتك في حياتنا. أعطينا أن ننسي ذواتنا وبكل سرور ننفق وننفق (2كو12: 15) من أجل الأخرين. أربطنا بك يا أيها الكرمة الحقيقة وليسر تيار عصارة روحك القدوس فينا نحن الأغصان منعشاً لنا لكي نثمر وتظهر "حياة يسوع ... في جسدنا المائت" (2كو4: 10).

سيدي نحن مأخوذون في دوامات ذواتنا وإهتماماتنا ونسينا عائلاتنا وأحبائنا وأفراد جسدك والعالم الضائع في غياهب الظلام. سيدي، نحن نعترف أننا فشلنا في المهمة العظمي وتركنا عملك وعشنا لأجل أنفسنا. سيدي "ألاتعود أنت فتحيينا" (مز85: 6). أليس عندك "ينبوع الحياة" (مز36: 9)؟. سيدي، هانحن بين يديك، خلصنا من أنفسنا. ولك كل المجد

آمين

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا