ترى ماذا كانت الناس في كنعان تفكر عن الموت؟
وفي أي أجواء جاء المسيح لينتصر على الموت؟

نرى في كتابات أوغاريت، المدينة الموجودة على الساحل السوري للبحر الأبيض المتوسط والتي بجانبها توجد اليوم مدينة رأس شمرة. هناك اكتشفت الكثير من اللوحات الحجرية من الأدب الأوغاريتي، وهي أحدى لغات كنعان، تعود للقرن الثاني عشر قبل الميلاد. فيها نجد الكثير من القصص عن الملوك والآلهات السائدة آنذاك، ومنها الإله بعل، المذكور في الكتاب المقدس، والكثير من التعابير والقضايا التي من خلالها نرى فعلا برهانًا لصحة الكثير من نصوص الكتابية المقدسة التي تعود لنفس التاريخ وما بعده، حيث أنها تعالج الكثير من القضايا والمفاهيم الخاطئة المعاصرة لأفكار الناس آنذاك.

فكر الكنعانيين عن الموت من خلال قصة الإله "موت" والإله "بعل":

إن الإله "موت" هو إله الموت عند الكنعانيين، وهو إبن الإله "إيل"، عُرف لدى سكان كنعان بأنه الأقوى من جميع الآلهة. في مرة من المرات يصنع الإله "بعل" وليمة كبيرة يدعو عليها الكثير من الآلهات، ومنهم الإله موت، حيث يدعوه بعل ليمثل أمامه ويبدي خضوعه له. لأن الإله بعل (وهو مذكور أيضًا تحت الإسم "حدَّاد")، هو إله الآلهة، وهو من أقوى الآلهة، حيث أنه هو المسئول عن الحياة والإخصاب والمطر (لذلك لا يزال الشعب الفلسطيني يسمي الزراعة التي تعتمد على المطر، بالزراعة البعلية، أي المعتمدة على الإله بعل، وهو تعبير قديم جدًا). فيرفض الإله موت هذه الدعوة، قائلا أن بعل لا يستطيع أن يشبعه، لأن حنجرته مثل حنجرة أسد جائع في البرية، وحيتان البحر، ويهدد موت الإله بعل بأنه قادر على ابتلاعه (اللوح 5، الأعمدة 1 و2 و3 و4 و5 و6). وبعدها (يوجد تقطع في النص) ولكن يبدو أن الإله موت فعلا يبتلع الإله بعل ويغلبه بسهولة. لأن بعدها تأتي الآلهة "عنات"، أخت الإله بعل، بعد أن يقول لها الإله "إيل"، أن بعل لم يمت بل هو حيٌّ ومحبوس في جنجرة موت في الهاوية. فتذهب عنات وتنقذه من حنجرة الإله موت (اللوح 6، الأعمدة 1 و2 و3 و4). ويرجع الإله موت بعدها بسبع سنين ويأتي ليهدد بعل بأنه سينتقم منه، ويطلب منه أن يقدم أخوته ليبتلعهم كتقدمة له ، وبعدها تتوسط الآلهة "شابش" للإله بعل، وتهدده بأن أبوه "إيل" سيغضب عليه ويعزله، فعندها يتركه (اللوح 6، عمود 6).
فبعدها يتعلم الإله بعل الدرس بأنَّ لا أحد يقدر على موت، ويقول:
" لئلا تدنو من الإله موت العظيم
لئلا يجعلك كالخروف في فمه
وتنزلق مثل الطفل في حنجرته"
(Parker, B. Simon, Ugaritic Narrative Poetry, pp. 141-165)

أي أنه حتى لدى الكنعانيين، لا يمكن لأي إله من الآلهة، مهاما كان عظيمًا، أن يغلب الإله موت، أي الموت. فهو أقوى إله، ويحاول جميع الآلهة تجنبه، لأن اعتراضه سيجلب الضرر للمعترض. حتى الإله بعل، إله الآلهة الذي قتل الإله العظيم "يام"، إله البحر، بسهولة (اللوح 6 عمود 5)، لم يقدر على الموت، المتمثل في الإله موت.

لمحة قصيرة عن فكرة شعب الرب عن الموت في القديم:
كان شعب الرب في القديم يعرف أنه بعد الموت سينتظر في الهاوية الأرضية وهي هوة في قلب الأرض لا يمكن تجنبها:
قال يعقوب: "..إِنِّي أَنْزِلُ إِلَى ابْنِي (يوسف) نَائِحًا إِلَى الْهَاوِيَةِ.." (تكوين 37: 35).

والهاوية هي فعلا مكان حرفي في قلب الأرض، وليس مجازيًا، حيث ذكر الكتاب عن جماعة داثان وابيرام اللذان استخفوا بالرب وثاروا على اختيار الله لموسى، فنزلوا أحياء للهاوية:
" وَلكِنْ إِنِ ابْتَدَعَ الرَّبُّ بِدْعَةً وَفَتَحَتِ الأَرْضُ فَاهَا وَابْتَلَعَتْهُمْ وَكُلَّ مَا لَهُمْ، فَهَبَطُوا أَحْيَاءً إِلَى الْهَاوِيَةِ، تَعْلَمُونَ أَنَّ هؤُلاَءِ الْقَوْمَ قَدِ ازْدَرَوْا بِالرَّبِّ." (عدد 16: 30).

ليس بالضرورة أنهم هبطوا في نفس مكان الصيديقين كيعقوب (الذي كان في خضن إبراهيم، لوقا 16: 23)، لكننا نعلم أن الهاوية للأشرار هي أيضًا في قلب الأرض وهي مكان مرتبط بالرعب والخوف والموت كما يقول داود بروح النبوة عن المسيح:
" حِبَالُ الْهَاوِيَةِ أَحَاطَتْ بِي. شُرُكُ الْمَوْتِ أَصَابَتْنِي" 1 صموئيل 22: 6.

لكن الشعب في القديم كان يعلم أنه سوف لا يمكث في الهاوية إلى الأبد، وأن الذي سيخرجه من الهاوية هو الله بنفسه.
"الرَّبُّ يُمِيتُ وَيُحْيِي. يُهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَيُصْعِدُ" 1 صموئيل 2: 6.

كما قال داود أيضًا بكل إيمان عن الله:
" أَنْتَ الَّذِي أَرَيْتَنَا ضِيقَاتٍ كَثِيرَةً وَرَدِيئَةً، تَعُودُ فَتُحْيِينَا، وَمِنْ أَعْمَاقِ الأَرْضِ تَعُودُ فَتُصْعِدُنَا." مزمور 71: 20.

وأما الأشرار فتكون الهاوية مسكنًا لهم إلى الأبد، أي الموت والعذاب، حيث يصفهم الوحي ويقول:
" مِثْلَ الْغَنَمِ لِلْهَاوِيَةِ يُسَاقُونَ. الْمَوْتُ يَرْعَاهُمْ، وَيَسُودُهُمُ الْمُسْتَقِيمُونَ. غَدَاةً وَصُورَتُهُمْ تَبْلَى. الْهَاوِيَةُ مَسْكَنٌ لَهُمْ." مزمور 49: 14.

وأما المؤمنين، فالله سينقذهم من الهاوية عن طريق الفداء ويأخذهم معه للسماء:
" إِنَّمَا اللهُ يَفْدِي نَفْسِي مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ لأَنَّهُ يَأْخُذُنِي." مزمور 49: 15.

ويؤكد الوحي أن الإنسان سوف لا يستطيع أن يصنع الفداء، حيث يقول بني قورح، قبل هذه الآية، أنه لا يوجد أي فادي بشري ممكن أن ينقذ الإنسان من الموت:
" 7 الأَخُ لَنْ يَفْدِيَ الإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلاَ يُعْطِيَ اللهَ كَفَّارَةً عَنْهُ. 8 وَكَرِيمَةٌ هِيَ فِدْيَةُ نُفُوسِهِمْ، فَغَلِقَتْ إِلَى الدَّهْرِ."

أي أن الفداء باهظ الثمن وعجز جميع البشر عن تقديمه لمدة طويلة، والفادي، الذي هو الله، يجب أن يحل بالأساس مشكلة الموت والهاوية، وأيضًا الخطية التي هي شوكة الموت (2 كورنثوس 15: 55-56). فالمؤمنين في العهد القديم عرفوا أن الذي سينقذهم من الموت وحبال الهاوية هو الله نفسه.

فأتا المسيح، وهو الله الظاهر في الجسد، وأنقذنا من الموت وأعتقنا من خوفه كما يقول الكتاب:
" 14 فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا (أي المسيح) كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، 15 وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ­ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ­ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ." عبرانيين 2.

لقد ذهب المسيح في الثلاث أيام التي مكثها في القبر، وبشر الأموات المنتظرين في الهاوية بقدومه، وأعلن لهم أنه هو المسيح المنتظر المُخَلِّص، الله الذي جاء ليصعدهم من أعماق الأرض إلى السماء (أفسس 4: 9  و1 بطرس 3: 19-20  و4: 6).

إذًا لقد وجد المسيح حلاً لأعظم مشكلة في حياة البشر، مشكلة الموت، حيث قام من الأموات وأعطانا رجاءً في الحياة بقوله: " ... إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ." يوحنا 14: 9.

وأصبح جميع المؤمنون بالمسيح من ناحية قانونية أموات مع المسيح على الصليب، لكي لا يسود عليهم الموت فيما بعد. فالكتاب يسمي الأموات في المسيح "الراقدين" أي الذين ناموا. فعندما يقول بولس الرسول مثلا:
" لأنه إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام فكذلك الراقدين بيسوع سيحضرهم الله أيضًا معه." 1 تسالونيكي 4: 14.

لأن بولس يتكلم عن المسيح الذي مات، يقول كذلك الراقدين، ليس الذين ماتوا، لأنه علَّمنا الوحي أنه من ناحية قانونية، إن كان المسيح قد مات لأجل الجميع فالجميع ماتوا (2 كورنثوس 5: 14)، لذلك لا يعتبر الذين يموتون في المسيح، فعلا يموتون، بل ينامون. أي أن المسيح بموته وقيامته، جعلنا نجتاز الموت وأوجاعه ونعبر من الموت إلى الحياة.  

نحن لا نتبع نبيًا مات وعفَّن في قبره، ولا نتبع نبيًا يحتاج منا أن نسانده وندعي إلى الله لكي يمنحه فسيح جناته. بل نتبع مخلصًا وهو المسيح، الإله المتجسد، المعطي الحياة، الذي انتصر على الخطية والموت، العالم المرئي وغير المرئي، الحاضر والآتي. وهو ملك الملوك ورب الأرباب الذي سيدين جميع الأحياء والأموات، لأنه هو مالك يوم الدين المستحق أن نتبعه ونثق به لأنه قال:
".. كنت ميتًا وها أنا حيٌّ إلى أبد الآبدين آمين  ولي مفاتيح الهاوية والموت." رؤيا 1: 18

لتكثر النعمة لجميع الأمة العربية في هذا الوقت باسم الرب يسوع المسيح – المسيح قام.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا