كما تعلمنا في التأمل السابق، لقد أرجع الله المحبة لهذا العالم بواسطة موت المسيح وقيامته. فالمسيح أظهر محبة الله للبشرية من جديد، أرجع المحبة البشرية التي سقطت بعد خطية آدم، ومكَّنها لجميع الذين يؤمنون به ليكونوا ملحٌ ونورٌ في هذا العالم. إن أعظم شيء ممكن أن ننجزه ككنيسة في هذه الأرض هو إظهار محبة الله لبعضنا البعض، ومن ثمَّ للعالم المظلم الذي يسود عليه الكراهية، الغيرة والموت.

لكن السؤال الذي سيُطرح في هذا التأمل هو:
كيف نستطيع أن نمتلئ من تلك المحبة؟ وما هو الطريق لهذه المحبة؟
سنحاول أن نجيب على هذا التساؤل من خلال رسالة يوحنا الأولى.

إن يوحنا الحبيب قدم لنا في مطلع رسالته الأولى طريقًا واضحًا عن كيفية الوصول إلى المحبة الفياضة التي تبدأ بالتجاوب مع محبة الله التي سكبها في قلوبنا، وتنتهي بتجسدها بين الأخوة لتصبح الكنيسة كتلة محبة تفيض وتـشع بنور محبة الرب في هذا العالم.

ففي مطلع الرسالة يقول يوحنا أن الحياة كانت عند الآب وأُظهرت لنا:
" 2  فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا. 3  الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضاً شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ." 1 يوحنا 1.
إن الحياة أظهِرت لنا، ليكون لنا شركة مع الآب من خلال شخص المسيح. وأهم هدف من تلك الشركة هو انعكاس محبة الله من خلالنا.

ويقدم لنا الوحي الطريق لهذه المحبة بأربع خطوات:

1- التجاوب مع محبة الله التي في قلوبنا:

إن حياة الشركة مؤسسة على حياة السلوك بالنور:
" 5  وَهَذَا هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ وَنُخْبِرُكُمْ بِهِ: إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ. 6 إِنْ قُلْنَا إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ." 1 يوحنا1.
إن السلوك بالنور، كما درسنا في التأملات السابقة، هو السلوك بمحبة الله (2: 9-10). ومحبة الله موجودة ومتاحة في داخل كل إنسان وُلد من الله من خلال إيمانه بالمسيح، لأن".. محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المُعطى لنا." (رومية 5: 5). السلوك بالنور هو التجاوب مع تلك المحبة. فيوحنا يريد أن يقول لنا أن شركتنا وعبادتنا لله، ليست مبنية على شعورنا بالواجب أو العادة أو التقليد أو الاقتناع أو الخوف، بل تجاوبنا مع محبة الله التي في قلوبنا والتي تملأنا دائمًا بالاشتياق لقضاء الوقت معه. ربما لا نستجيب لتلك الدعوة، ونعيش سنين طويلة بعيدين عن الله. لكن محبة الله التي في داخلنا، تظل باستمرار تأجج أحشائنا بالاشتياق للرجوع للرب، والحزن والتأنيب من الخطية.

2- التوبة والاعتراف والتطهير المستمر:

" 7 وَلَكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ....10" 1 يوحنا 1.
إن تجاوبنا مع محبة الله التي في قلوبنا من خلال الشركة معه والتعبد له، سيجعلنا حساسين للروح القدس وتبكيته. وهذا سيساعدنا لكي نخرج من حالة: " أنا لم أخطئ، هو الذي أخطأ " إلى حالة: "أنا خاطي، سامحني يا رب". إن التوبة هي التجاوب مع الروح القدس وليست قناعة عقلية بأنني مخطئ. فالبعض يظنون أننا يجب أن نتوب عن خطايانا قبل الصلاة، مستندين على آية: " إن راعيت إثمًا في قلبي لا يستمع لي الرب." (مزمور 66: 18)، فلكي يستمع لنا الرب يجب أن نتوب أولاً. لكن هذا غير دقيق كتابيًا، فالله يطلب منا، في المرحلة الأولى من الدخول لمحضره، روح منكسرة وقلب منسحق فقط، بعدها يقودنا الروح القدس إلى التوبة الصحيحة والعميقة والمُدرِكة، المقترنة بالتجاوب مع قوة الروح القدس للتغيير. لهذا السبب وضع المسيح التوبة في الصلاة الربانية في الوسط وليس في الأول. التوبة التي في أول جلوسنا مع الرب، هي في معظم الأحيان سطحية، نفسانية، وليست عميقة ومُدركة.
جدير بالذكر أيضًا، أن يوحنا يقول للأخوة: " 8 إن قلنا أنه ليس لنا خطية نُضل أنفسنا وليس الحق فينا." (1 يوحنا 1)، ليس لكي يستهينوا بالخطية، بل بالعكس لكي لا يخطئوا، كما يتابع ويقول:
" 1 يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. 2 وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضاً." 1 يوحنا 2.

3- النمو في معرفة الله عن طريق طاعة وصاياه:

" 3 وَبِهَذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ: إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ. 4 مَنْ قَالَ قَدْ عَرَفْتُهُ وَهُوَ لاَ يَحْفَظُ وَصَايَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ وَلَيْسَ الْحَقُّ فِيهِ." (1 يوحنا 2).
يوحنا يريد أن يقول أن الشركة والصلاة ضرورية وجوهرية في حياتنا، مع التوبة والانكسار المستمر. لكن دون أن ننموا في معرفة الله، من خلال معرفة كلمته وطاعتها، سيكون هناك عمودًا ناقصًا في أيماننا يحول دون نمونا. فالشركة مع الله وحياة التوبة مثل الماء والهواء، لا نقدر أن نعيش بدونهما، لكن في نفس الوقت هما غير كافيان لنمو الإنسان. النمو في معرفة الله هو الطعام الذي ينمينا ويقوينا ويجعلنا قادرين على عمل مشيئته.

4- إكتمال دائرة المحبة الإلهية:

" 5 وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ، فَحَقّاً فِي هَذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ اللهِ. بِهَذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا فِيهِ: 6  مَنْ قَالَ إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ (في المسيح)، يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هَكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضاً (سلوك المحبة المضحية)" (1 يوحنا 2).
يوحنا يقول لنا هنا أنه إذا تفاعلنا مع محبة الله التي في قلوبنا وقضينا وقت معه، وبعدها تجاوبنا مع روحه بانكسار واعتراف وتوبه، وأصبحنا في حالة نمو في معرفته، عن طريق طاعة كلمته. عندها تكون محبته قد تَكَمَّلت فينا، أي أن تيار المحبة أصبح ساريًا وفائضًا في حياتنا الآن. وعندها فقط نعرف أننا سالكين بالمسيح ومتمثلين به ولنا القدرة أن نحب الآخرين. أي إن تيار المحبة مثل الدائرة الكهربائية، عندما يكون انقطاع في اي نقطة من الدائرة، لا يضيء النور. هكذا حياتنا، إذا كان هناك انقطاع في أحد النقاط الثلاثة الأولى، سوف لا يشع نور المحبة الإلهية من خلالنا.
وهنا الوحي لا يهمه مقدار محبتنا، فنمو المحبة هو أمر يصنعه الروح القدس في حياتنا. لكن الذي يهم الله ويريد أن ينبهنا له هو:
هل تيار المحبة فائض في حياتنا أم فيه انقطاع ؟

يفسر أيضًا يوحنا مصطلح: "تكملت محبة الله فينا"، في رسالته باستخدامها مرتان إضافيَّتان:

الأولى: أن تُتَرجَم بمحبتنا لبعضنا البعض:
" 12 اَللهُ لَمْ يَنْظُرْهُ أَحَدٌ قَطُّ. إِنْ أَحَبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً فَاللهُ يَثْبُتُ فِينَا، وَمَحَبَّتُهُ قَدْ تَكَمَّلَتْ فِينَا." (1 يوحنا 4).
الثانية: أن تكون لنا ثقة أن لنا حياة أبدية بالجنة:
" 17 بِهَذَا تَكَمَّلَتِ الْمَحَبَّةُ فِينَا: أَنْ يَكُونَ لَنَا ثِقَةٌ فِي يَوْمِ الدِّينِ، لأَنَّهُ كَمَا هُوَ فِي هَذَا الْعَالَمِ هَكَذَا نَحْنُ أَيْضاً. 18 لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ." (1 يوحنا 4).
أي أن محبة الله لنا، تكتمل أيضًا عندما نثق به تمامًا من جهة مصيرنا الأبدي، لأن المصير الأبدي هو رجاء كل إنسان يؤمن بوجود الله. والإيمان هو الثقة بما يُرجى (عبرانيين 11: 1)، أي أن المؤمن الذي ليست له ثقة بعد من جهة مصيره الأبدي، يكون تيار محبة الله فيه انقطاع معين في قلبه، وسوف لا يستطيع أن يثق بمحبة الله له.

والتحدي الذي سأضعه أمامنا كمؤمنين وكنائس هو:
هل سنعطي هذه القضية النصيب الأكبر من جهودنا وطاقتنا، عالمين أن المحبة هي الأداة والطاقة التي اختارها الله لتعمل في هذا العالم، وبدونها نصبح بلا تأثير ولا نصلح لشيء:

" 6 لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لاَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئاً وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ." (غلاطية 5).

وأخيرًا:
" 7 أيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ." (1 يوحنا 4).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا