كما تعلمنا في التأمل السابق، كنتيجة لسقوط المحبة من هذا العالم، رأينا في قايين صورة للقتل والموت كنتيجة لاكتمال الكراهية والغيرة. بنفس الوقت راينا في المسيح الموت على الصليب لإظهار المحبة الإلهية من جديد في هذا العالم، وبهذا يكون المسيح قد افتدى موت الكراهية في هذا العالم وأرجع المحبة الإلهية من جديد.

يقدم يوحنا أوجه كثيرة لاسترجاع محبة الله عن طريق إرسال ابنه الأوحد يسوع المسيح ليموت لأجل خطايانا على الصليب، وينتصر على الموت بقيامته.

في المسيح رأينا أقصى درجات المحبة الإلهية حيث قال يسوع:
" 13 لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ." يوحنا 15.

وبهذا قد عرفنا تلك المحبة الإلهية، لتكون لنا المثال والرؤية الذي نسعى نحوها:
" 16 بِهَذَا قَدْ عَرَفْنَا الْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، فَنَحْنُ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لأَجْلِ الإِخْوَةِ." 1 يوحنا 3.

لكي يكون المسيح مصدر حياتنا وينبوع المحبة الإلهية من جديد:
" 9 بِهَذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ." 1 يوحنا 4.
فالمسيح هو مصدر الحياة، وحياة المسيح هي التي كان من المفروض أن تكون النور للناس، لذلك استرجعها الله بالمسيح:
" 4 فيه (أي في المسيح) كانت الحياة، والحياةُ كانت نورَ للناسِ. 5 والنور يضيءُ في الظلمة والظلمة لم تدركه (لم تقوى عليه)." يوحنا 1.
كما رأينا في التأمل الثاني، يوحنا ربط ما بين النور والمحبة الإلهية وحياة المسيح. لقد عمل المسيح إحياء لأرواحنا من الموت الذي نلناه من آدم، للحياة الإلهية الفياضة في داخلنا التي تشع بمحبة المسيح.

المحبة مصدرها الله ومبادرته لرد الأنسان:
" 10 فِي هَذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا."
هنا نرى كيف أن الله كان المبادر الذي أخلى نفسه وتجسد لكي يطلب الإنسان ويرده من طريق الموت، ويعيد بث الحياة فيه، حياة محبة المسيح.

لقد مكن لنا الله تلك المحبة لكي نعيشها ونطبقها ونحب بعضنا البعض.
هي أيضًا النور الفاصل الذي يفضح روح الضلال، الغيرة، الكراهية، والموت السائد على هذا العالم:
" 5 هُمْ مِنَ الْعَالَمِ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَتَكَلَّمُونَ مِنَ الْعَالَمِ، وَالْعَالَمُ يَسْمَعُ لَهُمْ. 6 نَحْنُ مِنَ اللهِ. فَمَنْ يَعْرِفُ اللهَ يَسْمَعُ لَنَا، وَمَنْ لَيْسَ مِنَ اللهِ لاَ يَسْمَعُ لَنَا. مِنْ هَذَا نَعْرِفُ رُوحَ الْحَقِّ وَرُوحَ الضَّلاَلِ. 7 أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ. 8 وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ." 1 يوحنا 4.

لقد وفر لنا الله المحبة لنكون شهود عن محبته في هذا العالم، المتمحورة حول موته على الصليب وقيامته لخلاص البشر:

" 14 وَنَحْنُ قَدْ نَظَرْنَا وَنَشْهَدُ أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَ الاِبْنَ مُخَلِّصاً لِلْعَالَمِ." 1 يوحنا 4.

إن شهادتنا هي حياتنا للمحبة الإلهية التي استرجعها الله لهذا العالم من جديد. فالمحبة هي أقوى شيء ممكن أن نطبقه في هذا العالم. وهي التي ستأتي بالخلاص والنهضة في أي مكان نكون فيه لأنها أقوى من جميع قوى الشر السائدة على هذا العالم.

وهنا أريد أن أورد مثالا كتابيًا عما أقصده.

لقد طلب الله قبيل فترة السبي البابلي إنسانًا يقف في الثغر أمام الله لكي لا يخرب الأرض ولم يجد، فأَخْرَبَ الأرض (حزقيال 22: 30). وأما على وقت الرسل، لقد طلب الله إنسانًا ليقف في الثغر، ويعلن محبة الله للإنسان، واستعداده لأن يموت لأجل الخطاة، فوجد استِفانوس (إعمال 7: 54-60). لقد أعلن استِفانوس، بعدما امتلأ من الروح القدس، محبة الله وأطلق غفرانه للراجمين والشاتمين. وممكن بحسب المنطق أن نشعر أن ما فعله لم ينجز شيء بالنسبة للكنيسة، بل بالعكس اضطهاد وشتات. لكن في الوقع أمام هذه الإعلان، وقفت السماء، وعلى رأسها رب المجد يسوع المسيح، احترامًا ووقارًا لهذا الثمر الأول للصليب، ولإعادة المحبة التي سقطت من هذا العالم. بعدها استجابت السماء لهذه الذبيحة، وابتدأنا نرى خلاصًا لم يسبق له مثيل. مدينة تلو الأخرى فُتحت لبشارة محبة الله، مصطحبةً بهيجانًا عارمًا واضطهادًا شديدًا من قوات الظلمة التي فقدت السيطرة والقوة تمامًا أمام قوة بشارة محبة الله التي في الإنجيل.

وسؤالي لنا ككنيسة الآن:
ما الذي يطلبه الرب يسوع من كنيسته في الشرق الأوسط في هذا الوقت من التاريخ؟
في الوقت الذي فيه يشعر المسيحيِّين في العديد من الدول بضغوظ كبيرة لم يختبروها منذ بداية القرن العشرين.
لست أعرف ماذا، انما أنا متأكد من ثلاثة أمور:
الأول: أنه امر أعظم مما طلبه الله من كنيسة الرسل.
الثاني: أنه أمر له علاقة بإعلان محبة الله في هذه الأرض التي تسود عليها دماء الكراهية وروح الموت التي في قايين.
الثالث: هو أن المحبة ستغلب كل محاولات إبليس الشريرة، مهما كانت تلك المحاولات قاسية. فالمحبة ستحرك الرب الجالس على عرش السماء، وبعدها سيغيِّر ربنا الحي واقع الأرض.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا