تسود عالمنا العربي من شرقه إلى غربه حالياً ثورات شعبية وانتفاضات تطالب بتغيير النظام أو بالإصلاح الديمقراطي. لكن هل تعلم قارئي أن الله قد هيّأ منذ الأزل الإصلاح الحقيقي الذي سيقوم به نحو الإنسان؟ و ليس هذا فحسب بل إنه قد أنجز ما أعدّه؟  وأنا هنا لا أقصد الإصلاح الإنجيلي الذي حصل في القرن الخامس عشر الميلادي، لكن الإصلاح الذي تمّ بمجيء الرب يسوع المسيح.

نقرأ في الأصحاح التاسع من سفر العبرانيين عن الهيكل ومحتوياته، والفرائض والمراسيم التي رافقته. ثم يكتب الكاتب قائلاً: « مُعْلِنًا الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهذَا أَنَّ طَرِيقَ الأَقْدَاسِ لَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ، مَا دَامَ الْمَسْكَنُ الأَوَّلُ لَهُ إِقَامَةٌ، الَّذِي هُوَ رَمْزٌ لِلْوَقْتِ الْحَاضِرِ، الَّذِي فِيهِ تُقَدَّمُ قَرَابِينُ وَذَبَائِحُ، لاَ يُمْكِنُ مِنْ جِهَةِ الضَّمِيرِ أَنْ تُكَمِّلَ الَّذِي يَخْدِمُ، وَهِيَ قَائِمَةٌ بِأَطْعِمَةٍ وَأَشْرِبَةٍ وَغَسَلاَتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَفَرَائِضَ جَسَدِيَّةٍ فَقَطْ، مَوْضُوعَةٍ إِلَى وَقْتِ الإِصْلاَحِ». وفي ترجمة التفسير التطبيقي نقرأ هذه الجملة الأخيرة من الآية: «.. بل إن كل ما ضمّه ذلك النظام – أي نظام العهد القديم- كان قوانين جسدية ينتهي عملها حين يأتي وقت الإصلاح» (عبرانيين9:9و10). ثم أكّد كاتب سفر العبرانيين أنه بالمسيح رئيس الكهنة تحققت البركات السماوية، (عدد11) وبمعنى آخر أن وقت الإصلاح قد أتى، وأن الله قد أنجز الإصلاح الحقيقي بواسطة الرب يسوع المسيح.

ولو عدنا إلى بداية سفر العبرانيين لقرأنا الآيات المقدّسة التالية: « اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ، الَّذِي وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي» (عبرانيين1:1-3). يعلن هنا كاتب سفر العبرانيين أن الله تكلّم مع الآباء قديماً – أي شعب إسرائيل- بوسائل متنوعة، من خلال الأنبياء الذين أرسلهم، وبالشرائع والفرائض التي سنّها لهم. لكن الله كلّم الإنسان في هذه الأيام الأخيرة عن طريق ابنه، الذي جعله وارثاً لكل شيء، والذي به عمل العالمين. وليس هذا فحسب، بل إن هذا الابن بعدما صنع بنفسه عملية التطهير عن الخطيّة، صعد إلى السموات وجلس في يمين عرش العظمة في الأعالي، أي في مركز القوة والسلطان. هذا هو الإصلاح الحقيقي الذي خطط له الله منذ الأزل، والذي أنجزه من خلال الرب يسوع المسيح.

ولو عدنا إلى مقدمة الإنجيل بحسب بشارة يوحنا لوجدنا نفس المفاهيم. فالكلمة الأزلي، الله الابن الذي به كان كل شيء، هو النور الحقيقي الذي أتى إلى العالم، والذي تجسّد وحلّ بيننا، ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب، مملؤاً نعمة وحقاً. «لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا» وعندما رأى يوحنا المعمدان المسيح مقبلاً إليه قال: «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!» (بشارة يوحنا17:1، 29). أجل، هذا هو الإصلاح الحقيقي الذي أنجزه الله من خلال تجسّد الابن الوحيد الرب يسوع المسيح وعمله الكفاري على الصليب، وقيامته الظافرة، وصعوده حيّاً إلى السماء، ثم جلوسه عن يمين عرش العظمة.

لعلّ السؤال الآن: ما هي الانجازات التي تمّت من خلال هذا الإصلاح الحقيقي؟ هناك بالطبع انجازات عديدة. سنقتصر على البعض منها في هذه المقالة:
أولاً: عهد جديد، يخبرنا سفر العبرانيين عن هذا العهد الجديد الذي أتمّه الرب يسوع المسيح من خلال موته وقيامته. وكيف أن المسيح كرئيس كهنة حقيقي، قد قدّم نفسه ذبيحة حقيقية، ودخل إلى قدس الأقداس الحقيقي في السموات. وصار وسيطاً لعهد أعظم. وأن في هذا العهد الجديد قد جعل الرب نواميسه في أذهان المؤمنين به، وكتبها على قلوبهم. وقارن الكاتب ما بين العهدين القديم والجديد قائلاً: فَإِذْ قَالَ «جَدِيدًا» عَتَّقَ الأَوَّلَ. وَأَمَّا مَا عَتَقَ وَشَاخَ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الاضْمِحْلاَلِ» (عبرانيين13:8).

ثانياً: شعب واحد جديد، تحدّث لنا البشير يوحنا قائلاً: «إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ» (بشارة يوحنا11:1-13). لقد أتى المسيح إلى خاصّته (شعب إسرائيل) إتماماً للنبوءات لهم، لكن خطة الله كانت منذ الأزل أن يخلّص كل من يؤمن بالمسيح «هكذا أحبّ الله العالم...» وأن كل من يؤمن بالمسيح يصبح من أولاد الله ومن شعبه. وليس هذا فحسب بل إن المسيح أعلن صراحة لرؤساء اليهود، في مَثَل الكرم والكرّامين، وبسبب رفض اليهود له: «لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ» (بشارة متى 43:21). وهذه الأمة الجديدة أو الشعب الواحد الجديد مؤلف من المؤمنين جميعاً. وهو ما أعلنه المسيح لليهود عندما قال لهم: «وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هذِهِ الْحَظِيرَةِ، يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضًا فَتَسْمَعُ صَوْتِي، وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ» (بشارة يوحنا16:10). وعاد الرسول بولس وأكّد هذه الحقيقة عندما كتب: «لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا - أي اليهود والأمم- وَنَقَضَ حَائِـطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ» (أفسس14:2).

ثالثاً: عبادة جديدة، كانت العبادة قديماً مقتصرة على الهيكل، وبتقديم الذبائح. لكن العبادة اليوم أصبحت بالروح  وفي أي مكان. قال الرب يسوع المسيح للمرأة السامرية: «يَا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ.. وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ» (بشارة يوحنا21:4، 23). انتهى إذن كون الهيكل القديم  مركز العبادة وبشكل كامل ومطلق. وأصبح بمقدور الإنسان أن يعبد الله بالروح. لا بل أصبح المؤمن بالمسيح هو هيكل الله: «فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ:« إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا» (2كورنثوس16:6ب). وهذا يقودنا إلى إنجاز هام آخر جديد قام به الإصلاح وهو سكنى الروح القدس في قلب المؤمن.

 


رابعاً: وعد جديد، لقد أصبح المسيح وارثاً لكل شيء. وفي المسيح نرث كمؤمنين كل وعود الله. «فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ» (غلاطية26:3). وصيرورتنا من نسل إبراهيم هو أيضاً إنجاز هام آخر للإصلاح. لا بل إن السر الذي كان مكتوماً وأُعلن هو: «أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ» (أفسس6:3). وأننا كشعب الله الواحد، وكمؤمنين بالمسيح: «..بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ» (2بطرس13:3).

أمام هذه الانجازات العظيمة وغيرها الكثير التي أتى بها الإصلاح الحقيقي، تُطرح التساؤلات: هل من الممكن أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء؟ أوهل من الممكن أن يعود التاريخ إلى الوراء؟ مع العلم أن العودة إلى الوراء يعني أن يفقدَ الإصلاح معناه. فهل من المعقول أن يعود الله إلى العهد المشروط القديم الذي أقامه مع موسى وهو الذي شاخ وقارب من الاضمحلال؟ أو يعود الله إلى إحياء وعوده للشعب القديم، وهي التي تمّت من خلال المسيح، وكأن شعب الله الواحد الجديد لم يكن؟ وهل يعود الله إلى اعتبار العبادة في الهيكل وهو الذي أنهاه بالإصلاح الحقيقي؟ وأخيراً وليس آخراً: هل يعود الله إلى موعد البركات الأرضية، مع أن المؤمنين قد أصبحوا مع المسيح وارثين لكل شيء؟ كلها تساؤلات جديرة بالطرح، مع أهمية الإجابة عنها بوضوح وصراحة على ضوء ما أنجزه المسيح من خلال الإصلاح الحقيقي.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا