قصب الرومانسيّة المُترنِّح:
وهنا لا يفوتنا إلاّ أن نذكر أن الرب قبل هذا الموقف المؤلم بسنين هذا عددها، كان قد أراح داود من أن يبقى تحت سقف واحد مع ميكال امرأته، فقد أعطاها شاول والدها لفلطي بن لايش. لكن، ما إن تقوّى بيت داود واقترب من العرش، حتى استردّها زوجة له.(2صم3:14,15). إذ ذاك أصابه ما في مثل آية المزمور القائل، ".. فأعطاهم سؤلهم وأرسل هزالاً في  أنفسهم"( مز106:15). حقاًّ قد أعطى الله داود سؤله: ميكال. ولكنه معها أصاب نفسه بهزالِ عيشة النّكد والتّعيير والخصام، وبتكدير حياة زوجية ذات نير متخالف. فعُش الزّوجيّة الذي تعلّق ذات مرّة مرتكزاً على قصب الرومانسية المترنِّح، وتشكّل من قش الإنجذاب الشّكلي وإغراء المركز الدنيوي، من دون وجود  قاسم الروح الإيماني المشترك، سرعان ما نسفته رياح التنافر والبغضاء وبعثرت أعواد قشِّه بمن فيه في كل الإتجاهات! أجل، لقد تبعثر ذلك العش، وكان تبعثُره عظيما!

ومهما يكن، فلِحبيب الرب يقصد به بركة خير،ٍ رغم عظم الأزمة الحادّة. فإن كانت ميكال التي خطبها داود لنفسه بمئة(بل مئتتي) غلفة من الأعداء، قد نافست الرب يوماً ما على مكانِه الأوّل في قلب مسيحه، فها هي اليوم تفقد، بعد ذلك الحدث، مكانتها الخاصّة هناك، لكي يعود الله فيستوي تماماً على عرش حياة داود الدّاخليّة برمتها. وهكذا ينعم الآن قلب داود بالسّلام، ويتّقد ذهنه بالصّفاء؛ كذلك أيضاً باتت أحكامه تتميز بالدِّقة البالغة، وشخصيّته بالشّفافية .. فيا لحلاوة ذلك العسل الخارج من فم الأسد! وما أشهى الوليمة من رمّة ذاك الشبل!( قضاة 14:8).

النير المتخالف:
أحياناً يبدو لنا عندما نقف عن كثب على بعض المشكلات الزوجية النّاشئة عن اختلاف النير، أنه أيسر علينا أن نحاول إيجاد قاسم عيشٍ مشترك بين زرافة ودبٍّ، أو بين حمامة وغراب، من أن نوجده بين مؤمن حقيقي وشريك حياته غير المُخلّص! فإذا كانت الحياة الزّوجية لا تخلو من الصعاب هكذا والنير متكافئ، فماذا يكون الحال والنير متخالف؟

إنّ كلمة الله صريحة للغاية في  هذا الشأن الخطير إذ إنها تنهى المؤمن بشدّة عن الإرتباط الزّوجي بشخص غير مؤمن، فتقول، "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِالْمُؤْمِنِ؟"(2كور6:14،15). فمع أن هذين العددين ينهيان المؤمن عن أنواع أخرى من الصّلات والعلاقات مع غير المخلَّصين، إلاّ أن النهي الشّديد هنا ينصب بأكثر غزارة هنا على شراكة الزّواج المتخالف. ومن الجدير ذكره أن هذه الكلمات الصريحة لا تجيز الطّلاق إطلاقاً، سواء كان الطرف المؤمن قد ارتبط قبيل خلاصه بالطّرف الآخَر غير المؤمن أو لو كان قد اقترن به بخطوة خاطئة متسرعة وهو في الايمان. فبما أننا نحيا نحن اليوم في ظلال عصر النعمة المترفِّقة لا النّاموس الحازم، فلذا يوصي الرسول الملهم ببقاء المؤمنين مع شركائهم غير المؤمنين بارتضاء. فذلك قد يؤول بتأثير شهادة المؤمن وتقواه الحياتيّة إلى ربح شريكه غير المؤمن للمخلِّص الرب. (1كور7:12،13)". ولكن إن فارق غير المؤمن فليفارق. ليس الأخ أو الأخت مستعبداً في مثل هذه الأحوال. ولكن الله قد دعانا في السّلام" (1كور7:15).

علينا الأخذ بكل جدية بما تقوله به تلك التّعاليم الكتابيّة النّقيّة، وذلك على الرغم من التعامل العصري المتحرِّر مع مقاطع الوحي هذه عند تفسيرها - بل قُل بالأكثر تشويهها- من قبل بعض شرّاح  أواخر أيّامنا هذه الغريبة العجيبة، الذين ينضوون تحت مظلة ما يُسمّى "اللاّهوت المتحرِّر"! حيث يشجّع تهاون شروحاتهم لمثل هذه الأعداد، على التّسيّب العقائدي، وبالتّالي الخلقي، وترك الحبل على الغارب  لبعض المؤمنين المرتبكين في أمور التّزوج والإنفصال والطّلاق، ممّا يؤدي إلى فتح ثغرات خطيرة في السياجات التي تفصل شعب الرب السّماوي عن أهل العالم الدنيويين. أمّا الرّب "فيعلم أن ينقذ الأتقياء من التجربة..." ( 2 بط 2: 9 ).

هوذا للسّلامة:
آه، كم مرة تصرّفنا كداود بحماقات عنادنا وشهوة نفوسنا مصرِّين على نوال سؤل مُبتغى مشوبٍ بالرّيب، هو بحسب شهوة العينين! ولطالما حاول الرب أن يبعدنا عنه أو يمسكه عنّا. ولمّا ثابرنا بكل طاقاتنا الماكرة وصلواتنا اليعقوبيّة في طَلبِه، وهبنا إيّاه؛ وقد صار لنا ومعه دفقُ سيلٍ من التّعب والذبول والمرائر. وبالتّالي ندمْنا بشدّة حيث لا ينفع النّدم ولا يهادنا الألم. لقد غدا العسل مرّاً، وباتت ورود البستان ملغومة!

والآن، فمهما كانت ظروف حياتنا أو زواجنا مرّة، فإنّ الله أبقى لنا في الجوار ما يحلّيها ويجعلها عذبة مستساغة، تماماً كالشّجرة التي كانت بجانب مياه مارَّة، فإذ أراها الرّب      لموسى بعد أن صرخ إليه هذا الأخير بسب تذمُّر الشعب العَطِش، قطعها ثمّ ألقاها عن أمر الرّب في ذلك النّبع المر، فصار الماء عذباً. وهكذا شرب الجميع وأطفأوا ظمأهم الشّديد، وسكنت تذمّراتهم. فعندما ندعو المسيح، الذي عُلِّقَ مصلوباً على خشبة حاملاً خطايانا وأحزاننا، ليَحضرَ في وسط مرارة نفوسنا ومعاناتنا، سنهتف عندئذ مع إشعياء قائلين: " هوذا للسّلامة قد تحوّلت لي المرارة، وأنت تعلّقتَ بنفسي من وهدة الهلاك، فإنك طرحتَ وراء ظهرك كلَّ خطاياي." ( إشع38:17). وقد سبق لإشعياء نفسه أن قال: "كسنونة مزقزقة هكذا أصيحُ. أهدرُ كحمامة.قد ضعفتْ عيناي ناظرة إلى العلاء. يا ربُّ قد تضايقتُ. كنْ لي ضامناً. بماذا أتكلم، فإنه قال لي وهو قد فعلَ. أتمشّى متمهلاً كل سنيَّ من أجل مرارة نفسي. أيها السيد، بهذه يحيون، وبها كل حياة روحي فتشفيني وتحييني.
(إشع 38:14،15،16).

صنيع ميكال النّبيل:
على أنه لا ينبغي أن ننسى، بالمقابل، جميلاً هذا قدره، كانت قد صنعته ميكال مع داود في بداية مشوار حياتهما إذ أعانته بحذاقةٍ على الهرب لينجو بنفسه من مكيدة شاول أبيها الذي طلبه للموت حين أرسل رجاله المسلّحين لينصبوا لداود البريء كميناً عند البيت،  في ليلة ما كان ليطلع لها صباح على داود وهو على قيد الحياة، لولا تصرّفها النّبيل العاجل، والشّجاع البارع، مُعرِّضة بذلك حياتها لخطر غضب الملك الحاقد.. (1صم11:19-17 ). فهذه الحادثة إنّما تُذكر ثناءً في حقِّها وتُحسب لها معروفاً وفضلاً. فالتّاريخ المقدّس لم يُغفل بوحيه المكتوب إبراز صنيعها الرّائع هذا، على الرغم ممّا بدر منها في ما سبق وأتينا على ذكره. ذلك أن " الرّب صالح للكلِّ، ومراحمه على كل أعماله" (مز145:9). وهو لا يتنكّر لجميل ما صُنع من قبل أحدهم مع عبيده، مهما كان ذاك زهيداً - ولو مجرّد كأس ماء بارد، لا أكثر- فإنه يردّه أضعافاً كثيرة، لأنه يحسبه قد عُمل له شخصيّاً. (متى25:40).

وللحكاية بقيّة أخرى بعد (يتبع).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا