لقد تعلمنا في التأمل السابق، ثلاثة مبادئ عن طبيعة الله تساعدنا لأن نطلق يد الله لتفتدي الضيق لمجده وللأفضل.
وهذه المبادئ هي: الإيمان بأن الله يريد الأفضل لشعبي، ويعرف ما هو الأفضل لشعبي، وقادر على تحقيق الأفضل.

لكن في هذا السياق، من جهة كلمة "الأفضل"، التي وردت في الثلاث نقاط، نحتاج أن نعرِّف ونحدد لأنفسنا عن ماذا تعني كلمة "الأفضل"، بالنسبة لله وبالنسبة لنا.
بحسب ما نراه من سياق كتاب إرميا، تراوحت آراء الشعب من نحو ما هو الأفضل ما بين، انتهاء الاحتلال البابلي وحلول الاستقلال والازدهار (إرميا 28: 4)، وما بين الإصلاح الروحي الذي كان ينادي به إرميا النبي من خلال الخضوع للحكم البابلي (إرميا 27: 1-15). لكن الذي يزيد الأمر صعوبة وتعقيدًا هو، أنه في الكثير من الأحداث المماثلة السابقة، دعى الرب الشعب للدفاع والتصدي للعدوان. أما في تلك الحادثة، كان الخيار الأفضل بالنسبة للرب هو الخضوع للعدوان. إذًا كيف نستطيع أن نحدد ما هو الخيار الأفضل للشعب.

دعونا كفلسطينيين نسأل أنفسنا سؤالين أساسيين لكي نحدد ما هو الأفضل بالنسبة لنا:

  • هل تفضِّل أن يعيش شعبنا الفلسطيني في حرية، مساواة، وازدهار، وعدل، لكن مع سبات وضعف كنسي روحي؟
  • أو أن يعيش في انتعاش ونهضة كنسية روحية عارمة، لكن في ظل عدم وجود حرية، مساواة، وازدهار، وعدل؟

لنحاول أن نجيب على هذا السؤال بيننا وبين الرب بصدق. الإجابة ستحدد ما هو تعريف كلمة "الأفضل" بالنسبة لنا، أو ما هي الأولوّية الأولى بالنسبة لنا، وعليه سنقدر أن نفهم توجهنا الروحي السياسي أكثر.
طبعًا بحسب رأيي الخاص الأفضل لشعبي الفلسطيني هو أن يتمتع بالإثنين معًا: أن يعيش في حرية، مساواة، وازدهار، وعدل، وفي نفس الوقت أن يختبر خلاصًا وانتعاشًا ونهضة روحية من جهة معرفة الرب يسوع المسيح. لكن اختيار احتمال واحد فقط من الإثنين، سيساعدني على فهم الأهم بالنسبة لي، وهذا سيقودني إلى سؤال آخر:

هل الأهم بالنسبة لي، هو الأهم بالنسبة لله؟

إن هذا الصراع كان حيوي للغاية على زمن إرميا النبي، حيث أن القسم الأكبر من الشعب اعتبر الأفضل هو الاستقلال من البابليين (إرميا 28: 2 و4 و10-11)، واستعادة آنية بيت الرب (28: 2)، أو الهجرة إلى مصر (42: 13-16) وأمَّا بالنسبة للرب، فالأفضل كان التوبة والخضوع للاحتلال البابلي (27: 5-12)، والذي سيخضع لترتيب الرب في ذلك الوقت، ويضع عنقه تحت نير ملك بابل، سيباركه الرب ويجعله يستقر في أرضه، ويزرعها ويسكن بها كما قال:
" وَالأُمَّةُ الَّتِي تُدْخِلُ عُنُقَهَا تَحْتَ نِيرِ مَلِكِ بَابِلَ وَتَخْدِمُهُ أَجْعَلُهَا تَسْتَقِرُّ فِي أَرْضِهَا يَقُولُ الرَّبُّ وَتَعْمَلُهَا وَتَسْكُنُ بِهَا." (عدد 11).
نرى أيضًا مثلا أن الأغلبية الكبيرة من الشعب كانت نظرتهم للسلام مشوهة (6: 14 و8: 11)، وتختلف عن نظرة الله (29: 11). إذًا المهم فحصه في هذا السياق هو:

هل الخيار الأفضل برأيي، هو الخيار الأفضل برأي الله؟
وما هي المعايير التي تحدد هذا؟

كذلك نحن أيضًا، فإذا عملنا استطلاعًا للرأي وسألنا مجموعة من العرب الفلسطينيين، ما هي القرارات والخيارات الأفضل التي كان ينبغي على سياسيينا وقادتنا أن يأخذوها منذ 65 عام وإلى هذا اليوم. سنجد آراء كثيرة ومتعددة، مع العلم أننا نتكلم عن رجوع إلى الوراء بعد رؤية الأحداث. فكم بالحري أصعب بكثير أن نعرف أي احتمال يجب أن نأخذه اليوم لأجل المصلحة الفضلى للغد المجهول. وهل الأفضل الذي نتمناه، مفروض أن يكون الأفضل للملكوت؟ أم يكون الأفضل سياسيًا واجتماعيًا؟

أعتقد أننا يجب أن نثق بأن الله وحده هو الذي يعلم الأفضل لنا، ويجب أن نصلي له ونطلب الأفضل لنا، والذي ممكن أن يكون غير مطابق لتوقعاتنا لما هو أفضل.

طبعًا أؤمن أننا يجب أن نطلب من أجل السلام والاستقلال والعدل والأمان، وأيضًا أن نسكب آلامنا وجراحاتنا وصراعاتنا أمامه، كما فعل إرميا (9: 1 و12: 1-4 و20: 14-18)، والمسيح قبيل الصليب (متى 26: 39)، لكن المهم في الأمر أننا في الأخير يجب أن نستسلم لإرادته ونشكره على الظروف التي اختارها لنا في هذا الوقت من التاريخ، لأن له قصد صالح من ورائها (1 تسالونيكي 5: 18). ولنتذكر أيضًا إن التذمر على الظروف التي وضعنا فيها الرب، هو تذمُّر على الرب شخصيًّا (خروج 16: 8).

وهنا أستطيع أن أشارك شهادة اختبرتها تعبر عن قصدي:
أنا، كالكثير من سكان القدس الشرقية، لا أحمل أي جنسية، فبشكل رسمي جنسيتي غير مُعَرَّفة (Undefined). إذا أردت أن أُعَرِّف ما أنا، أقول:
أنا مسيحي فلسطيني، ذات جنسية غير مُعَرَّفة، حامل إقامة دائمة إسرائيلية، وجواز سفر أردني من الدرجة الثانية.
زوجتي أمريكية، وكذلك بناتي عندهم جنسية أمريكية، وفي ذات يوم قلت لنفسي لماذا لا أقدم معاملة هجرة لأمريكا (ليس لغرض الهجرة، بل للحصول على جنسية أمريكية فقط) فهذا أفضل وأسهل لي من ناحية عملية واجتماعية. قدمت المعاملة، وبعدها ذلك، في صيف 2009، دُعيت كمتكلم في مؤتمر للمصالحة والشفاء بين البيض والسود في جنوب أفريقيا. وبينما أنا هناك، دعاني قس من الأفارقة لأعظ في كنيسته. وقبل الخدمة، سألني القس هناك عن وضعي السياسي، فأجبته بما قلته أعلاه، فدهش جدًا من هذا وتشارك معي في كم الظلم شيء أليم من خلال اختبارهم مع البيض. ولدهشتي، عندما قدمني للحضور قال لهم حالتي السياسية، ومعاناتنا كفلسطينيين وهذا شد الحضور لي بشكل قوي واستخدمه الله لمجده مع السود بسبب الظلم الذي واجهوه من نظام الأبرتات العنصري الذي استمر لأنصاف التسعينات. ووعظت لهم كيف أن الله بيده مصير الأمم وتوزيع الشعوب والحدود وهو فقط يعرف ما هو أفضل لهم (أعمال 17: 26)، وتحديتهم وقلت لهم أنتم لا تعلمون إن كان من الأفضل لكم عدم وجود البيض في بلادكم أم لا، الله وحده الذي يعلم هذا، بناءً على خطته العالمية ومقاصده للملكوت. واستشهدت بالوضع القائم في زمبابوي المجاورة لهم، لا يوجد فيها أبرتايت وهي دولة مستقلة عرقيًا، لكن تحول خمسة ملايين من سكانها إلى لاجئين هروبًا من الظروف الصعبة التي تمر فيها، سياسيًا واقتصاديًا. وأيضًا روَندا، قتل فيها حوالي أربعة ملايين شخص في الحرب الأهلية دون وجود إحتلال أو أبرتايت. وتحديتهم قائلاً: هل شكرتم الله على وجود البيض في بلادكم بالرغم من الظلم الذي كابدتموه منهم؟ في نهاية تلك المشاركة حيث كان حضور الله مجيد، صعد القس الذي دعاني (الكنيسة كانت كلها من السود)، قال لي وهو مصدوم: "منذ إنشاء الكنيسة قبل 32 عام، لم يتجرأ أحد بأن يكلمنا بهذه الكلمات". شكرني على رسالتي، وتاب أمام الله لأنه خلال 32 عام، لم يقدم أيَّ شكر لله من منبر تلك الكنيسة على وجود البيض في بلادهم، بل بالعكس تذمر مستمر. وبعدها امتلأ المكان روح شكراً وبدأ القس بتعداد الأشياء الرائعة الإيجابية التي اكتسبوها من البيض والذي كان على رأسها الإنجيل. وبنفس الوقت، شكر القس الرب على أمانته بإنهاء نظام الأبرتايت العنصري، بالرغم من عدم أمانتهم لفهم مقاصد الله من وراء الضيق والتسليم والثقة له بروح الشكر.

السبب في مشاركتي هذه هو أني في النهاية شعرت روح الرب يتحداني في سؤال:

هل كان من الأفضل لهؤلاء جنسيتك غير المعرفة، أم جنسية أمريكية؟

عندها أدركت عطية الله المباركة لي – الجنسية غير المعرفة، وشكرته عليها لأنني لم أعتقد أنها شيء مبارك إطلاقًا من قبل.
فأنا كانت نظرتي للأفضل لي هو الأريح والأسهل لي عمليًا واجتماعيًا، وأمَّا نظرة الله للأفضل فكانت مرتبطة باستخدام الله لي، ومقاصده ودعوته من أجل مجده وملكوته.
أليس هذا بالضبط ما يعلمه بولس:
" 20 اَلدَّعْوَةُ الَّتِي دُعِيَ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ فَلْيَلْبَثْ فِيهَا 21 دُعِيتَ وَأَنْتَ عَبْدٌ فَلاَ يَهُمَّكَ. بَلْ وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصِيرَ حُرّاً فَاسْتَعْمِلْهَا بِالْحَرِيِّ.
(أي لا تكن مهمومًا إذا كنت عبد، وأما إذا فتح الرب لك بابًا لأن تتحرر فتجاوب معه. مما يعني أنه في حالة مشابهة لحالتي، لشخص آخر ربما تكن مشيئة الرب أن يأخذ جنسية أمريكية بناء على دعوة مختلفة، فيصبح أمرًا في يد الله تمامًا بالإيمان، وليس في يد الظروف).
22 لأَنَّ مَنْ دُعِيَ فِي الرَّبِّ وَهُوَ عَبْدٌ فَهُوَ عَتِيقُ الرَّبِّ (هو حر، لكن مُفرز للرب). كَذَلِكَ أَيْضاً الْحُرُّ الْمَدْعُوُّ هُوَ عَبْدٌ لِلْمَسِيحِ. 23 قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ فَلاَ تَصِيرُوا عَبِيداً لِلنَّاسِ (لا تصيروا عبيدًا للقوالب والجراح السياسية والاجتماعية السائدة حولكم). 24 مَا دُعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ فِيهِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلْيَلْبَثْ فِي ذَلِكَ مَعَ اللهِ (والمهم في الأمر أن تضع تلك الدعوة في يد الله بالشكر وتكون سائرًا معه لأجل مقاصده)." 1 كورنثوس 7.

لست أدعى أني أعرف الأجوبة، فأنا لا زلت أبحث. لأن هذه المواضيع قلما تُطرح بهذا الشكل، وأنا أشعر أنها أرض روحية غير مُكتشفة بعد كما ينبغي، مع أنها بحسب اعتقادي من أهم المواضيع لنا كفلسطينيين.
لذلك أرجو منكم الإجابة على هذه الأسئلة وكتابة تعليقاتكم. متذكرين أن مساهمتكم في الأجوبة، ستساهم في بناء الملكوت.

ما هو الخيار الأفضل برأيك لشعبنا الفلسطيني؟
وما هو الخيار الأفضل برأي الله للفلسطينيين؟
وما هي المعايير التي تحدد هذا؟ (اجتماعية، سياسية، اقتصادية، ملكوتية، كتابية، أو غيرها)

وصلاتي هي أن يقودنا الله، من خلال حكمته المعطاة لنا، إلى كل الحق بالروح القدس. وذلك لبنيان جسده بالحبة، لكي يتمجد الله في كل شيء بيسوع المسيح ربنا.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا