هل تشعر أن الواعظ "يهاجمك"؟

كثيراً ما نتقابل مع "مؤمنين" ممن يرتادون الكنائس والاجتماعات الروحية، يجلسون في محضر الرب ومحضر المؤمنين، يستمعون إلى العظات والتأملات
08 نوفمبر - 16:38 بتوقيت القدس
هل تشعر أن الواعظ "يهاجمك"؟

اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ.

لأَنَّهُ سَيَكُونُ وَقْتٌ لاَ يَحْتَمِلُونَ فِيهِ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ، بَلْ حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ، فَيَصْرِفُونَ مَسَامِعَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَيَنْحَرِفُونَ إِلَى الْخُرَافَاتِ. تيموثاوس الثانية ٤: ٢-٤

كثيراً ما نتقابل مع "مؤمنين" ممن يرتادون الكنائس والاجتماعات الروحية، يجلسون في محضر الرب ومحضر المؤمنين، يستمعون إلى العظات والتأملات والمشاركات الروحية في الكنيسة، بل ويشاركون أيضاً في التسبيح، العبادة، كسر الخبز والفعاليات الكنسية المختلفة. وعلى الرغم من ذلك نراهم غضوبين متصلفين لا يتقبلون التوبيخ أو الإنتقاد البناء أو الملاحظات البناءة. بل ويفسرون كل انتقاد أو توبيخ كأنه هجوم شرس عليهم أو طعن في مصداقيتهم. 

نراهم يجلسون في الصفوف الأمامية في الإجتماعات أمام الواعظ أو المتكلم مباشرةً. ينصتون إلى الواعظ باهتمام وترقب. يتوقعون من الواعظ أن يلقي على مسامعهم عظة "تشجيعية" أو بالأحرى عظة متملقة تدغدغ آذانهم المستحكة الرافضة للحق وللتوبيخات والاستقامة، عظة متملقة مساومة تنعش قلوبهم المغمورة بالآثام والبرودة، عظة متملقة ملتوية تريح أعصابهم وضميرهم الذي يعاني من تعب الخطية والشعور بالذنب، عظة متملقة تتماشى مع شهواتهم الردية وطموحاتهم المادية الاجتماعية والعاطفية... إلخ. ويشعرون بالاحباط وبخيبة الأمل عندما يتفاجأون بالعظة التوبيخية المنتهرة التي لا تساوم على الحق ولا تتساهل مع الفتور والاثم والخطية، بل تدين أعمال الجسد والخطية بشكل مباشر، وتحذر الخاطئ من نتائج استمراره في نهجه الملتوي.

بعد نهاية الاجتماع نراهم بائسين تعساء غير فرحين. ونسمع منهم عبارات التذمر والسخط والتمرد: "هذا الإجتماع لا يناسبني... هذا الواعظ "يهاجمني"... هذه العظات لا تلهب قلبي ولا تثير اهتمامي... هذا المتكلم "غير ممسوح"، غير ناري وغير منفتح "لعمل الروح القدس" (كأن عمل الروح القدس يجب أن يتماشى مع رغباتهم وشهواتهم الجسدية). وأحياناً نراهم يجادلون المتكلم أو الواعظ بعد نهاية الاجتماع أو حتى خلال الاجتماع، يخاصمونه، يهاجمونه، يحتدون عليه، يرشقونه بالاتهامات، يرفعون أصواتهم عليه، يعلنون تذمرهم وسخطهم الواضح عليه.  

وبالتالي بعد فترة من الزمن نراهم يتركون الإجتماع أو الكنيسة ويبحثون عن إجتماع آخر يتماشى مع أهوائهم وشهواتهم. 

والسؤال: هل المشكلة في المتكلم وفي الإجتماع؟ أم أن المشكلة فيهم؟

مهم جداً أن ندرك الأمر التالي:  ليست وظيفة الواعظ أن يتملق للخاطيء أو أن يدغدغ الأذنين بكلام معسول مهادن ومساوم. 

ليست وظيفة الواعظ أن يريح قلبك وضميرك المثقل بتعب الخطيئة والفتور والالتواء.

ليست وظيفة الواعظ أن يساومك ويساوم إبليس في الخطايا والشرور.

إذا كنت تشعر بأن الواعظ "يهاجمك" أو "يدينك", فهذه مشكلتك، لا مشكلته. وهذا الشعور المزعج هو بمثابة اعتراف علني واضح وصريح منك أنك تعيش حياة الخطية والمساومة والشرور، وأنك تعاني من عدم النمو وعدم النضوج الروحي.  غضبك وتذمرك من العظة التوبيخية هو اعتراف ظاهر أو مبطن منك عن عدم استقامة حياتك الروحية وأنك في الانحدار لا في الارتفاع. 

عدم قبولك للتوبيخ والتقويم والتأديب الروحي هو دليل ومؤشر واضح منك على عدم نضوج فكري وعدم نضوج روحي. وهو أشبه بتصرفات الأطفال عندما يرفضون تأديب الوالد وتوبيخاته وعندما يعلنون سخطهم وغضبهم على الوالد ويبدأون بالبكاء والصراخ والعويل بدون أي سبب مقنع. 

وما هو الحل؟؟ 

هل الحل أن تترك الإجتماع وتبحث عن مكان آخر أو إجتماع آخر يساوم رغبات قلبك الخاطئ والفاتر؟؟ 

هل الحل أن تبتدئ بالنميمة والتشهير ضد الواعظ أو المتكلم أو الخادم؟ وأن تصفه بأبشع الأوصاف والتعابير؟؟ 

هل الحل أن تبتعد عن محضر الرب وعن شركة المؤمنين المغسولين بدم المسيح؟؟ 

هل الحل أن تدين كنيسة الله وتهاجمها وتشتكي عليها وتنم عليها؟؟ وأن تهرب إلى العالم الفاسد الشرير وشهواته؟؟ 

هذه ليست حلولاً وليس علاجات للمشكلة. بل هي صفقات واضحة بينك وبين الشيطان عدو الخير ضد كنيسة الله وضد حياتك الروحية ومصيرك الأبدي. وهي أروع هدايا ومكافآت علنية يمكنك أن تقدمها للشيطان عدوك الرئيسي واللدود الذي يجول ملتمسا ليبتلعك ويجرفك إلى مملكته وسلطانه المظلم.

بدلاً من اللجوء إلى هذه "الحلول" الشريرة والمدمرة، عليك بالأحرى أن تهديء قلبك في محضر الرب، أن تتواضع تحت يد الله القوية لكي ترتفع، أن تتقبل التوبيخات والانتقادات البناءة (فهي لخيرك ولصالحك), أن تلتزم بالشركة مع إخوتك الناضجين في الإيمان حتى يدعموك روحياً ومعنوياً لتجتاز محنة الفتور والخطية، وأن تمارس وسائط النعمة (الصوم، الصلاة، قراءة الكلمة، المواظبة على الإجتماعات... إلخ). وهكذا سيكون بإمكانك أن تقدم نفسك وجسدك ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَك الْعَقْلِيَّةَ. وهكذا يتغير شكلك بتجديد ذهنك لِتَخْتَبِر إِرَادَةُ اللهِ الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ. رومية ١٢: ١-٢

إذا أردت أن تصل إلى الحياة المرضية المقبولة عند الرب وإلى راحة الضمير وراحة القلب والنفس، عليك أن تسلك بحسب الروح، لا بالجسد.  وعليك أن تثابر في السعي والركض نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ." (فيلبي 3: 14). لا أن تتذمر وتبتعد عن محضر الرب وعن شركة المؤمنين، ولا أن تهاجم الكنيسة وتلقي اللوم عليها، فهذا لن يجديك نفعاً ولن يوصلك إلى مبتغاك. بل سيزيد الطين بلة.

خير ما نختتم به هذا التأمل، كلمات الوحي المقدس في سفر الأمثال:

أَمِينَةٌ هِيَ جُرُوحُ الْمُحِبِّ، وَغَاشَّةٌ هِيَ قُبْلاَتُ الْعَدُوِّ." (أمثال 27: 6).

لا نحتاج إلى من "يطبطب" علينا أو يربت على أكتافنا أو يداعب آذاننا بكلام معسول مساوم ومتملق. بل نحتاج إلى من يساهم في تقويمنا، تصحيح مسارنا، نضوجنا وتقدمنا الروحي نحو الهدف الأسمى.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا