هل القداسة مُمكنة؟

لا يوجد اي كان مستثنى من دعوة الرب له ليحيا حياة القداسة. نصلي أن يتولد داخل كل منا شوق ليحيا مثل هذه الحياة.
03 أغسطس - 18:36 بتوقيت القدس
هل القداسة مُمكنة؟

يظن بعض المسيحيين أو يدعون خطأ أن الوحي المقدس إنما هو كتاب يحكي تاريخا أو يقدم أخلاقيات ومُثُل وقيم نظرية ومثالية  يكون جميلا للإنسان إن هو تمسك بها وسار على نهجها قدر إمكانه، ولكنهم من الناحية الأخرى يتصرفون ويُعلّمون ويُنادون ويؤمنون أن الكتاب المقدس إنّما يقدم لنا نماذج عديدة من حياة أشخاص نطلق عليهم قديسين، لكن الفارق بيننا وبينهم لهو كبير كبير، ولا يمكن لأحدنا مهما بلغ من علو وعمق في علاقته مع الرب أن يبلغ حتى عتبات ديار أولئك القديسين، ولعلهم يتذرعون في ذلك بسيّر وسلوكيات أولئك القديسين اللامعة ويمصمصون شفاههم معلّقين: "من أين لنا نحن بمثل هذه الحياة النقية المقدسة التي عاشها أولئك القديسين الكتابيين؟ من أين لنا نحن مثلا بهذا الإيمان الكبير، إيمان ابراهيم الذي أطاع وخرج من كورته لأن الله أمره أن يخرج وهو لايعلم إلى أين يمضي أو ما الذي سيقابله فيما بعد. من أين لنا نحن بطهارة ونقاوة وقداسة يوسف الصديق الذي أتته الشهوة  بإغرائها وجاذبيتها على طبق من ذهب وفي أمان تام لكنّه رفضها وكان ثمن ذلك الرفض كبيرا ومخيفا.

من أين لنا بشجاعة موسى في وقوفه أمام فرعون مصر وتحديه له باسم الرب القدير، أو بجسارة دانيال والفتية الثلاثة في مواجهة الملوك، أو داود في مصارعته لجليات وإيليا في مواجهة آخاب وإيزابل ولأنبياء البعل. بل وحتى إن سقطنا فمن أين لنا القوة لأن نقوم ونصلح طريقنا ونبدأ من جديد؟ من أين لنا بتوبة صادقة مثل توبة داود بعد خطيته الكبرى مع بثشبع وبقتله زوجها أوريا الحثي، أو بندم وتوبة بطرس ومجاهرته بإيمانه أمام الألوف في يوم الخمسين بعد أن كان قد أنكر الرب أمام جارية. 

من أين لنا بمثل هذه التحديات الجسام والنصرة في مواجهة التجارب وماذا لدينا نحن مما كان لهؤلاء وغيرهم الكثيرين من سحابة الشهود، من تقوى وشجاعة وجرأة  وتبعية حقيقية للسيد".

والحقيقة هي أن مثل هذه الاسئلة التي لا أشك أننا قد واجهناها مرارا كثيرة أجلنا وربما حسمنا موقفنا منها بطرق متعددة إما بنسيانها أو تناسيها أو الهروب منها وتجاهلها أو لعلنا قد استسلمنا لعدم قدرتنا تجاهها أو علقنا الأمر على شماعة الظروف أو المشاغل أو المشاكل! وأيا كان ما عملناه فإننا لابد أن نقرّ ونعترف أن مثل هذه الاسئلة إنما هي أسئلة في غاية الاهمية والصعوبة  لكن لابد لها من اجابة صحيحة وشافية لا سيما عند أولئك الذين يريدون أن يتبعوا الله بحق وأن يملكوه على حياتهم وهو أمر حري بنا جميعا أن نفعله إن كان اسم المسيح قد دعي علينا وإن كنا نريد أن نكون جديرين بنعمة المسيح أن نحمل هذا الاسم وأن نسير الطريق الضيق الذي رسمه الله لنا كطريق واحد لابد أن نسير فيه لنتألم معه إن كنا نريد بحق أن نتمجد معه.

والآن لعلنا نحتاج أن ننحى بحديثنا لمنحى آخر حتى نرى الصورة كاملة ودقيقة مثلما يعلنها الحق الكتابي لنا وليس مثلما نظنه أو نعتقده نحن وفقا لأفكارنا أو لأهوائنا أو حتى لضعفاتنا، وفي هذا السياق ربما أقول إنه يجدر بنا أن نعترف أننا كثيرا ما حاولنا أن نكيف حياتنا الروحية لا وفقا لما ينبغي أن تكون عليه لكن وفقا لضعفاتنا وقصورنا فكانت النتيجة أن قدمنا حياة مسيحية باهتة زائفة مملة ليست كما يقدمها الوحي لنا من حياة رائعة وفضلي دفع المسيح حياته ثمنا لها ليهبنا إياها مجانا ومن دون استحقاق. والحقيقة هي أننا لدينا في كلمة الله الحية، دستور المسيحي في علاقته مع الله وفي سلوكياته وتصرفاته، ما يضعنا بوضوح أمام مثل تلك التحديات التي ربما نظن أننا غير مدعوين لها ولا يمكن لنا بأي حال أن نفكر فيها ولا أن نسعى للعيش بموجبها. خذ مثلا قول الرب يسوع له المجد وهو يدعونا في موعظته الرائعة على الجبل وهو يدعونا قائلا: ".... فكونوا أنتم أيضاً كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل" مت 5 : 48. وخذ دعوة الرسول بطرس وهو يقول لنا في رسالته:" .... بل نظير القدوس الذي دعاكم كونوا أنتم أيضاً قديسين في كل سيرة. لأنه مكتوب كونوا قديسين لأني أنا قدوس" بطرس الأولى 1 : 15 ، 16.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا هو: هل كان الرب يسوع له كل المجد أو الرسول بطرس من بعده يعنيان ما يقولان؟ وهل هذه الدعوات موجهة لنا فعلا أم لا؟ وإن كان الكلام معنيا بالنسبة لنا، إذ أننا لم نعتد من يسوع إلا قول الحق، فهل من إمكانية لنا للعيش وفق هذه الدعوة وبذلك المقياس؟! وللإجابة على كل هذه الأسئلة لا أجد نفسي مترددا في أن أقول: نعم وبكل تأكيد، إذ أن هذا هو ما يعلنه الوحي المقدس لنا ليس فقط في هذين النموذجين الذين سقتهما من دعوة الرب نفسه والرسول بطرس لنا لنحيا حياة القداسة والكمال، بل أن الباحث والدارس المدقق لكلمة الله سيجد بوضوح أن كل الكتاب يدعونا دعوات مثل هذه في صيغ وعبارات مختلفة كلها تحوي نفس المضمون وتقدم نفس الدعوة، منها ما سبق وذكرنا ومنها أيضا على سبيل المثال لا الحصر: " .... ليكونوا مشابهين صورة ابنه" رومية 8 : 29، " فأطلب إليكم .... أن تسلكوا كما يحق للدعوة التي دعيتم بها"،أفسس 4 :1، "اسلكوا كأولاد نور" أفسس 5 : 8، " فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح" فيلبي 1 : 27 ، "... أسعى نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع" فيلبي 3 : 14، وغيرها الكثير والكثير مما لا تسمح به مساحة مقالتي!

عزيزي القارىء، حاولت فيما مضى من مقالتي أن ألفت نظرك وأقنعك أنك، لا أنت ولا أنا ولا أي مسيحي جاد يريد أن يحيا الحياة، المسيحية الأمينة، أقول أن لا أحد منا مستثنى من دعوة الله لنا لنحيا حياة القداسة وأصلي من كل قلبي أن يتولد داخلك شوق ورغبة حقيقية لأن تحيا مثل هذه الحياة.

أما عن كيف أحيا حياة القداسة وما هو السبيل العملي لذلك فسيكون ذلك هو موضوع حديثي معك في مقالتي القادمة إن أحيانا الرب وعشنا. والآن وحتى اللقاء القادم أصلي وأطلب لك كل بركة ونجاح والرب يباركك.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا