الأضحى.... رموز ودلالات وعبر ومعان - وفديناه بذبح عظيم

ما بين الأضحى والفصح هناك أوجه تشابه عديدة، فلنتأمل فيها ونفكر ونرفع قلوبنا الى الله الحيّ الحقيقي.
24 يوليو - 15:13 بتوقيت القدس
الأضحى.... رموز ودلالات وعبر ومعان - وفديناه بذبح عظيم

هو، الأضحى، وهو أيضا الفصح بشكل أو بآخر!

فالدلالات واضحة والقواسم مشتركة بين حادثين أو قصتين مختلفتين في أمور كثيرة، في الزمان والمكان والأحداث والملابسات والظروف والشخوص و....

إلا أن خيطا قرمزيا يربط بينهما وعليه ـ لو نعلم ـ تستند الأمور وتقام الأساسات!  إذ "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة!

بل إن هذه القصة تتخلص من إشاراتها وتلميحاتها ورموزها ودلالاتها، لتأتي عمليا في العهد الجديد بوضوح ومن دون ظلال، بخروف آخر وذبيح آخر هو المرموز له في القديم، لكنه أعظم بكثير جدا بما لا يقاس من ذلك الحيوان المذبوح إشارة ورمزا له، بل هو الخروف المذبوح الذي ذبح من أجل خطايانا فاشترانا وفتح الطريق أمامنا لمعرفة الله ولدفع ثمن وقصاص الخطية بالموت ونوال الحياة الأبدية والعيش معه في السماء.

فالقصة إذا هي قصة ثلاثية مثلثة ويا له من ثالوث عظيم، والمناسبة لهي مناسبة من أعظم وأروع المُناسبات، ولا يمكن لنا اقتطاع جزء أو حدث وحيد منهم، بل إن أردنا أن نعرف الحق بالكامل، فلنلقي نظرة على القصص الثلاثة لأنهم يحملون جميعهم لنا رسالة واحدة واضحة لا يمكن التجاهل أو التعامي عنها إذ أنها هي لب القضية وبيت القصيد في فداء الله للإنسان، قمتها في ختامها، فلنتأمل موجزا في القصص الثلاثة معا وليساعدنا الرب لنفهم ونرى وندرك الحق والإعلان السماوي، وليساعدنا لنتعلمه ونعرفه ونتجاوب معه لنختبر أعظم اختبار بالفداء العظيم.

القصة الأولى، وفديناه بذبح عظيم

وهذه هي القصة الأولى بحسب ترتيب الوحي والسرد الزمني للأحداث فيها، افتدي الله انسانا عزيزا عظيما ابنا وحيدا بذبح عظيم! وما كان للأب من وسيلة أو مهرب أو نجاة من هذا الهلاك المقرر لابنه إلى أن أتاه الله بهذا الذبح العظيم.

وفيها، امتحن الله إيمان انسان فنجح فى الامتحان، 

وفيها أيضا، دبّر الله خطّة لفداء الإنسان بذبيحة دمويّة،

 فأعلنّ وفعّل بذلك القانون الذي به سيفتدي البشر بعدها بآلاف السنين!

وفيها، كافأ الله إيمان انسان فاتّخذه خليلا له.

فيالها من قصّة ويالها من عبرة!

ثم قصة فداء الابن البكر بملابسات مختلفة لكن الرسالة واضحة، ثم قصة فدائنا في العهد الجديد بالخروف المذبوح

القصّة، بحسب كلام الله

والقصّة معروفة لنا جميعا كما دونتها لنا الكتب المُقدّسة. أراد الله تعالى في حكمته أن يمتحن عبده ابراهيم، بأن طلب منه أن يُقدّم له ابنه كقُربان. كانت القرابين تُقّدم في ذلك الوقت تقرُّبا من الله وطلبا لوجهه وسعيا لمرضاته، (وصارت الذبيحة أيضا لاحقا رمزا ووسيلة للتكفير والصفح عن الخطايا، ولعلّنا نذكر هنا كيف أن الله منذ البداية وبعد أن أخطأ أبوانا الأولان آدم وحواء كان قد ذبح ذبيحة كفّر بها عن خطأ أبوينا الأوّلين آدم وحوّاء وبجلد الذبيحة ستر عُريهما، ومن هُنا تأتي كلمة الكفّارة والتي تعني ستر أو غطاء).

 وكانت علامة قبول الذبيحة في العهد القديم ـ من قبل الله ـ أن تنزل نار من السماء وتلتهم الذبيحة. كانت للذبيحة شروط مُحدّدة، فكان يلزم أن تكون دمويّة، أي أن يُسفك فيها دم لأن نفس الإنسان (والحيوان أيضا) هي في الدم. وكان لابد للذبيحة أيضا أن تكون صحيحة لا عيب فيها.

طلب الله من ابراهيم أن يُقدّم ابنه ذبيحة، وما نعرفه نحن أن هذه هي المرّة الأولى التي يطلب فيها الله من إنسان طلبا غريبا واستثنائيا كهذا. ولم يعمل أيّ شخص أمرا كهذا بعده.  سوى الله نفسه، حينما قدّم يسوع ذبيحة لخطايانا وسترا لعيوبنا وتكفيرا عنّا، بنفس القانون الذي سنّه الله في القديم. وسنأتي اذلك لاحقا في قصتنا الجوهرية الثالثة.

ابراهيم خليل الله

صار ابراهيم أمينا لله وطائعا لوصاياه مهما كان الثمن ومهما كلفه الأمر، والله يتوقع منا نحن كلنا أيضا أن نثق به وأن نتكل عليه وأن نعمل مرضاته والأهم من هذا كله ألا نعتمد على برنا أو تقوانا الزائفة في الوقوف أمامه لأنه ما من بر لدينا إلا بقبول عمل المسيح، الخروف المذبوح بلا خطية، حقا لأجلنا لنصير نحن مبررين أمام الله بواسطته وهذا يأتي بنا للحلقة الثالثة أو للقصة الثالثة من خطة الله وإعلان تدبيره الكفاري من أجلنا نحن البشر. 

وهكذا كان دم الخروف المذبوح علامة سلام وأمان وطوق نجاة لكل من احتمى به.

وأنا أدعوك صديقي القارىء لتحتفظ جيدا في ذاكرتك بتلك العبارة الهامة السابقة إذ أنها ستكون محور حديثنا اليوم، والرابط المشترك الذي سترتبط به كل قصصنا اليوم لتدل بالدليل الحاسم والدامغ على أن الله هو هو أمسا واليوم وإلى الأبد، وعلى أن أهدافه ومقاصده هي ثابتة منذ الأول وإلى الأبد، والآن تعال معي لننتقل لقصتنا الثانية.

القصة الثانية.... خروف الفصح والدم على القائمتين والعتبة العليا

وقصتنا الثانية هذه دونها لنا الوحي المقدس  في سفر الخروج ثاني أسفار موسى الخمس التوراتية، وفيها يتحدث الوحي المقدس عن كيف أن الله قد ضرب فرعون مصر بضربات عديدة حتى يلين قلبه ويأمر بخروج شعب اسرائيل من أرض مصر ليدخل أرض الموعد بحسب دعوة الله وقيادته له، وكانت آخر الضربات العشر هي رش الدم على القائمتين بخروف ذبيح يحمي دمه البيت المرشوشة أعتابه وقوائمه بالدم حسب قول الرب وهذا يكون فيه نجاة لابن البيت البكر تنفيذا لوصية الرب بذبح خروف ورش دمه على الأبواب فلا ينال الملاك المهلك من الابن البكر ويقتله، خلافا عن ذلك فإن كل بيت لا يوجد دم الخروج المذبوح مرشوشا على القائمتين والعتبة العليا فإن الملاك المهلك كان يدخل ذلك البيت ويقتل الابن البكر فيه حسب قول الرب. 

وهكذا كان دم الخروف المذبوح علامة سلام وأمان وطوق نجاة لكل من احتمى به.

القصة الثالثة، يسوع الذي ذبح لأجلنا

وهنا ها نحن نأتي، بعد قصتين تاريخيتين حقيقيتين قد حدثتا بالفعل منذ آلاف السنين، أقول إننا هنا نأتي لصلب الموضوع وبيت القصيد ولقصة الهدف التي أشارت إليها القصتان السابقتان رمزا أو تلميحا بشكل أو آخر وها هي تتحقق فعلا وتصريحا أمام عيون البشر أجمعين. انها قصة موت المسيح الكفاري لأجلنا.

نعم للمرة الثالثة تأتي نأتي فنقول

وهكذا كان دم الخروف المذبوح علامة سلام وأمان وطوق نجاة لكل من احتمى به.

وللمرة الثالثة تأتي لنا القصة المرتبطة بكلمات ثلاثة في منتهى الأهمية. إنهم:

الخروف، الدم، الكفارة

ويالها من كلمات محورية

تكررت الكلمات الثلاثة في  القصص الكتابية الثلاث، لكن قصتنا الأخيرة لا تقدم خروفا ذبيحا حيوانيا بل تقدم لنا ابن الله الخروف المذبوح، ولا تقدم لنا دم حيوان بل دم حمل كريم بلا عيب ولا دنس، دم المسيح الذي سفك لأجلنا، ولا تقدم لنا ذبيحة متكررة إذ لا تكفي لستر كل الخطايا فيكون واجبا إعادتها وتكرارها من جديد كلما لزم الأمر، بل تقدم لنا ذبيحا دخل إلى الأقداس مرة واحدة بدم نفسه من أجلنا فوجد لنا فداء أبديا

أخيرا .... دروس ثمينة من الأضحى والضحيّة:

ـ يُريدنا الله ألاّ نعزُّ شيئا أبدا عنه مهما كانت قيمته ووضعيّته. بل أن نُقدّم له أغلى وأثمن ما لنا، بل وكل ما لنا، لأنّه يستحق.

ـ يريدنا الله أن نعرف أنّه هو مصدر (ومالِك) كل ما نظنُّ نحن أنّنا نملكه! نعم، فنحن في الأصل لا نملك شيئا، ولا حتّى حياتنا ولا أجسادنا هي ملك لنا، بل هي ملك ذاك الذي خلقنا وأحبّنا وخلّصنا، فنحن منه وله وبه وإليه نعود، وإن كُنّا نُحرز نجاحا أو تقدُّما، أو إن كُنّا نتمتّع بالصحّة أو المال أو الجمال أو...  فإن هذه كلّها هي عطاياه هو لنا. نعم، يُريدنا الله أن نعي ونتعلّم هذا الدرس جيّدا.

ـ يُريدنا الله أن نفهم خطّته الأزليّة لفدائنا وخلاصنا، فالذبيحة الدمويّة لم تكُن إلا رمزا لموت يسوع الكفّاري عنّا.

ـ يُريدنا الله أن نثق به وأن نُنفّذ كل ما يطلبه منّا مهما بدا أمرا غريبا أو مُكلّفا، فالله لا يُمكن أن يكون هو الشخص الذي لا يُجاب طلبه من جهتنا أبدا.

ـ يسمح الله بامتحاننا أحيانا ليرى هل نحن نحبّه بحقّ أم لا، وهل نحن مُستعدّون لإطاعته أم لا.

ـ لن يترُكنا الله في محبّته نغرق، لكنّه وإن سمح بضيقة لنا، فهو يتوقّع منّا أن نرجع له ليُعيننا على تجاوز الأزمة.

ـ لله مخرج تجاه كل مُشكلة أو أزمة نمرُّ بها، وهوالذي لا يستحيل عليه شيء، بل له في الموت مخارج.

ـ نحن لن نصل بأيّ حال للسلامة ولبرّ الأمان في حياتنا، إلاّ بوضع حياتنا وكل أمورنا ومُستقبلنا بين يديّ الله الأمينتين.

ـ لن يكون بمقدورنا أن نُرضي الله، إلاّ بمعونته هو، وبقبوله هو لنا، لا بأيّ أعمال صالحة نعملها نحن.

ـ يُرحّب الله بصداقتك إن كنت أنت أمينا له وتسمع تعاليمه ووصاياه وتعمل بها.

عزيزي القارىء،

اتّخذ الله ابراهيم خليلا أي صديقا له، ويالها من صورة مُباركة يُمكن أن تجعلنا نتجرّأ ونُفكّر نحن أيضا، هل يُريدني الله صديقا له؟ وهل يُرحّب بي إن أنا أردت أن أُطيعه وأعمل ما يُرضيه، فأكون الإنسان الذي يعرف الله ويعرفه الله بحق. إن الله قريب منّا جدّا وهو يودُّ أن نفتح قلوبنا نحوه ليملأها بحبّه ومحبّته، فنجد عنده وفيه الراحة والطمان، فهو نعمّ الصديق ونعم الرفيق.

يُريدك الله في احتفالك بالعيد في هذا العام، أن تعرف مغزى وعُمق ومضمون العيد الحقيقي، ويُريدنا الله جميعا أن نضع كلّ ثقتنا واتّكالنا في شخصه هو فقط، لا في أيّ شخص أو شيء سواه، ويُريدنا أن نتّكل عليه وقت ظروفنا الصعبة، نحتمي فيه من كلّ شر وخطر، وهو الذي سيُنقذنا ويُسرع ليُنجّينا. ولن يكون ذلك إلا باغتسالنا بدم الخروف الذبيح وقبول عمله الكفاري على الصليب لأجلنا. فاقبله تجد فيه المعنى والمغزى والقبول والبركة مع الحياة الأبدية. آمين

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا